حين نظر الإنسان إلى السماء لأول مرة.. قبل أن تُبنى المعابد، وقبل أن تُكتب الأساطير على ألواح الطين، وقف الإنسان القديم أمام عالمٍ لم يفهمه. البرق يشق السماء فجأة، النهر يفيض دون إنذار، الشمس تختفي أحيانا في وضح النهار، والموت يخطف الناس بلا تفسير.
د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديم كلية الآثار والإرشاد السياحي جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
في ذلك العالم الغامض، لم يكن الإنسان يملك العلم الذي نعرفه اليوم، ولذلك حاول أن يفسر الكون بطريقة أخرى: بالأسطورة.
ومن هنا بدأت واحدة من أقدم الحكايات الإنسانية: حكاية الآلهة.
لماذا احتاج البشر إلى الآلهة؟
لم تكن الآلهة بالنسبة لشعوب الشرق الأدنى القديم مجرد كائنات مقدسة تُعبد داخل المعابد، بل كانت وسيلة لفهم العالم والسيطرة على الخوف.
فالإنسان القديم لم يكن يرى الطبيعة كشيء صامت، بل كقوة حيّة تملك الإرادة والغضب والرحمة.
العاصفة ليست مجرد ريح، بل غضب إله، والخصوبة ليست ظاهرة طبيعية فقط، بل عطية من السماء.
حتى المرض والموت كانا يُفهمان أحيانا باعتبارهما عقابا أو اختبارا إلهيا، لقد احتاج الإنسان إلى الآلهة لأنه احتاج إلى تفسير.
آلهة تشبه البشر
المثير أن آلهة الشرق الأدنى القديم لم تكن دائما كاملة أو مثالية. ففي الأساطير السومرية والبابلية والمصرية، نجد الآلهة: تغضب وتغار وتحب وتخدع أحيانا بل وتخاف كذلك، وكأن الإنسان القديم صنع الآلهة على صورته، لكنه منحها قوة أكبر من البشر.
ففي بلاد الرافدين مثلا، كان الإله إنليل شديد الغضب أحيانا، بينما ارتبط الإله إنكي بالحكمة والمعرفة وإنقاذ البشر.
أما في مصر القديمة، فقد جمع الإله رع بين القوة والنظام الكوني، بينما مثّل أوزيريس فكرة الموت والبعث.
حين كان لكل مدينة إلهها الخاص
في حضارات الشرق الأدنى القديم، لم تكن الآلهة بعيدة عن السياسة والحياة اليومية، فكل مدينة تقريبا كان لها إله حامٍ تعتبره سيدها الأعلى.
مدينة بابل ارتبطت بالإله مردوخ، أما آشور فارتبطت بالإله آشور.
وفي مصر، ارتبطت مدن مختلفة بآلهة متعددة مثل آمون وبتاح.
وكان انتصار المدينة في الحرب يُفسَّر أحيانا على أنه انتصار لإلهها نفسه، ولهذا لم تكن الحروب صراعا سياسيا فقط، بل مواجهة بين قوى مقدسة أيضا.
الآلهة التي تموت وتعود للحياة
من أكثر الأفكار انتشارا في الشرق الأدنى القديم فكرة “الإله الذي يموت ثم يعود”.
ففي مصر، ارتبطت قصة أوزيريس بالموت والبعث بعد أن قُتل ثم عاد للحياة في العالم الآخر.
وفي بلاد الرافدين ظهرت أساطير الإلهة عشتار التي تنزل إلى العالم السفلي، في رمزية ترتبط بالموت والخصوبة وتجدد الطبيعة.
ويرى بعض الباحثين أن هذه القصص لم تكن مجرد حكايات دينية، بل انعكاسا لدورة الطبيعة نفسها: الموت في الشتاء… ثم العودة للحياة في الربيع.
المعابد… بيوت الآلهة على الأرض
لم تكن المعابد مجرد أماكن للصلاة، بل مراكز للحياة كلها.
ففي بلاد الرافدين، كانت الزقورات ترتفع فوق المدن كأنها تربط الأرض بالسماء. أما في مصر، فقد بُنيت المعابد الضخمة باعتبارها مساكن مقدسة للآلهة.
وكان الكهنة يؤدون طقوسا يومية تشمل: تقديم الطعام، إشعال البخور، تلاوة التراتيل، إيقاظ تماثيل الآلهة رمزيا كل صباح.
لقد تعامل الإنسان القديم مع الآلهة وكأنها كائنات حيّة تحتاج إلى الرعاية والاحترام حتى تحافظ على استقرار العالم.
هل كان القدماء يؤمنون حقا بكل هذه الآلهة؟
يصعب الإجابة عن هذا السؤال بطريقة بسيطة.لكن المؤكد أن الدين في العالم القديم لم يكن منفصلا عن الحياة اليومية كما نتخيل اليوم، فالزراعة، والسياسة، والحرب، والقانون، وحتى الطب… كلها كانت مرتبطة بالمقدس.
وكان الإنسان القديم يعيش داخل عالم يرى فيه الآلهة حاضرة في كل شيء: في النهر، والعاصفة، والشمس، والحلم، والمرض، وحتى في مصير الملوك.
من الأسطورة إلى الفلسفة
ومع مرور الزمن، بدأت بعض الحضارات تنتقل تدريجيا من تفسير العالم بالأسطورة وحدها إلى محاولة فهمه بالعقل والملاحظة.
لكن الأساطير لم تختفِ أبدا، بل بقيت تحمل شيئا عميقا عن الإنسان نفسه: خوفه، ورغبته في الحماية، ومحاولته المستمرة لفهم الكون.
ولهذا ما زالت حكايات الآلهة القديمة قادرة على إثارة الدهشة حتى اليوم، رغم مرور آلاف السنين عليها.
خاتمة: حين صنع الإنسان السماء على صورته
ربما لم يخترع الإنسان الآلهة بالمعنى البسيط للكلمة، لكنه بالتأكيد استخدمها ليشرح العالم الذي عاش فيه.
لقد رأى في السماء انعكاسا لقلقه وأحلامه ومخاوفه، ثم حوّل ذلك كله إلى أساطير ومعابد وطقوس بقيت حيّة عبر القرون.
وربما لهذا السبب لا تبدو آلهة الشرق الأدنى القديم بعيدة تماما عنا؛ لأنها، في النهاية، وُلدت من الأسئلة نفسها التي ما زال البشر يطرحونها حتى الآن.
وفي المقالات القادمة من سلسلة "كانوا مثلنا"، سنقترب أكثر من عالم الآلهة في العراق القديم، لنتعرف — بصورة علمية مبسطة — على أشهر المعبودات السومرية والبابلية والآشورية، ووظائفها، ورمزيتها، وكيف أثّرت في السياسة والمجتمع والأساطير.
سنقرأ عن:الإله إنليلوالإله إنكيوالإلهة عشتاروالإله شمشوغيرهم من آلهة العالم الرافدي القديم
في محاولة لفهم كيف رأى الإنسان الأول الكون… وكيف حاول أن يمنح معنى للخوف والحياة والموت عبر الأسطورة والدين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حين نظر الإنسان إلى السماء لأول مرة.. قبل أن تُبنى المعابد، وقبل أن تُكتب الأساطير على ألواح الطين، وقف الإنسان...
هناك أسماء تكتب في سجلات التاريخ، وهناك أسماء تحفر في وجدان الأوطان. والمرأة المصرية كانت دائما من هؤلاء الذين لا...
هناك جملة تتكرر في حياة كثير من الناس أكثر مما يلاحظون: "سأرتاح عندما..." سأرتاح عندما أتخرج. سأرتاح عندما أجد وظيفة...
في رقعة المونديال، تتدحرج الكرة فوق البساط الأخضر، ومعها خرائط النفوذ، وذاكرة الأمم، وأحلام المدن التي قطعت دروب التصفيات، حتى...