تواصل الاحتفال بعاشوراء عبر التاريخ

عيد عاشوراء '' العاشر من المحرم '' الذي يحتفل به العالم الإسلامي هو عيد مصري قديم يرجع إلى الدولة القديمة في أواخر عصر بناة الأهرامات. وكان من بين أعياد منف الدينية وكانوا يطلقون عليه عيد ''طرح بذور القمح المقدس'' ويقع في اليوم العاشر من شهر نوبي (طوبة) أول شهور الفصل الثاني من فصول السنة (فصل برت – البذر).

د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة



احتفل قدماء المصريين بعيد عاشوراء بإعداد مختلف الأطعمة التقليدية الخاصة به والتي تصنع جميعها من القمح المعد للبذر وفي مقدمتها صحن عاشوراء ولا تختلف صناعته وطريقة إعداده وتقديمه عما هو متبع حاليا وكانت البليلة تصنع في قدور خاصة ولا تزال حتى الآن من الأطعمة الشعبية المتوارثة وكذلك كعك عاشوراء الخاص ويصنع من القمح وعسل النحل وكان يصنع على شكل القمحة أو السنبلة وتوضع في وسط الكعكة قمحة رمزا للخير.

صوم عاشوراء

تصادف يوم عاشوراء المصري القديم مع العاشر من تشرى أول السنة العبرية وحين قدم الرسول المدينة مهاجرا واليهود بها، فوجدهم يصومون اليوم العاشر، سألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يومٌ أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعونَ ومن معه، فصامه موسى شكرا لله عز وجل.

كما صادف بدوره العاشر من المحرم عند المسلمين وأن العرب في الجاهلية أخذوا عادة الاحتفال بعاشوراء والصوم عن اليهود وعند نزول الإسلام أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين بالصيام في نفس اليوم والاحتفال به.

حين سأل المسلمون الأول الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يصوم المسلمون مع اليهود ويحتفلون معهم قال '' نحن أحق بموسى منهم ''.

ويحتفل الشيعة أيضا بعيد عاشوراء لأن سيدنا الحسين رضى الله عنه قتل في موقعة كربلاء في العاشر من المحرم سنة 61هـ/680م بمدينة كربلاء بالعراق في معركة بين الحسين بن على بن أبى طالب وجيش يزيد بن معاوية ، كما أن بعض البلاد الآسيوية القديمة كانت تحتفل به أيضا في نفس اليوم على أنه اليوم المقدس الذي زرع فيه سيدنا نوح عليه السلام القمحة في الأرض بعد الطوفان.

مظاهر الاحتفال

احتفل الفاطميون بيوم عاشوراء بشكل رسمي وأصبحت مصر تحتفل به وتعتبره عيدا من أعيادها الرسمية، ولكنه عكس كل الأعياد، فقد كان عيدا للحزن والبكاء تعطل فيه الأسواق وتغلق الدكاكين ويخرج الناس ومعهم المنشدون إلى الجامع الأزهر، وتتعالى أصواتهم بالبكاء، وعندما نقلت رأس الحسين رضي الله عنه إلى القاهرة وبني لها المشهد الحسيني كان خروج الناس للمشهد الحسيني.

تغير الاحتفال في العصر الأيوبي السني، حيث اعتبر ملوك بني أيوب هذا اليوم فرح وسرور يوسعون فيه على أولادهم ويكثرون من الأطعمة الفاخرة ويصنعون ألوان الحلوى.

واستمر ذلك في عصر المماليك وما يليه، وصاحب هذا الاحتفال خلال العصور المختلفة كثير من الخرافات التي انمحى بعضها الآن نتيجة لانتشار التعليم والثقافة وبقى البعض الآخر متداولا في القرى وفي الأحياء الشعبية ومنها ظهور الجن في هذا اليوم يطرق الأبواب ليفرغ ما لديه من الذهب.

يتم الاحتفال في عصر المماليك منذ اليوم الأول حتى العاشر من المحرم، واعتبر الفقهاء في العصر المملوكي هذا اليوم من المواسم الشرعية الرئيسية، حيث تكثر الزينات والولائم وتسير المواكب وتنشد الأناشيد ويحضر السلطان إلى القلعة ومعه الشيوخ والقضاة وأهل العلم والأمراء ويبدأ القراء في تلاوة القرآن الكريم وإنشاد المنشدين فإذا ما انتهى كل منهم دفع إليهم السلطان بصرة فيها دراهم من الفضة وحينما تنقضي صلاة المغرب تمد الأسمطة ويوزع منها على الفقراء بعدها يمضى الجميع بقية الليل فى سماع المطربين حتى الفجر.

عادات مستمرة

هناك عادات متبعة حتى الآن في هذا اليوم ومنها نوع من الحلوى يصنعه الناس في هذا اليوم ويسمونه "عاشورا" وهو يصنع من الحبوب أو القمح عادة ويطبخ على شكل البليلة ثم يصفى ويضاف إليه اللبن والسكر وبعض الياميش مثل الجوز واللوز والبندق، كما يقوم الأهالي بشراء البخور لتبخير المنازل لإبطال مفعول نظرة الحاسدين.

كان احتفال المسلمين بيوم عاشوراء يصاحبه أيضا قراءة القرآن الكريم في كل بيت لمشاهير القراء، ثم ينشد المنشدون بصحبة الآلات القصائد، أمّا النساء فكن يشاهدن الاحتفال خارج المنزل من فوق الأسطح أو يحتفلن به داخل المنزل بإحضار إحدى الواعظات لسماع الوعظ، ويطوف بعض الباعة في الشوارع يبيعون الميعة "البخور" المباركة وهم ينادون عليها بصوت ملحن، ويحمل البائع عادة على رأسه صينية مستديرة يغطيها بقطع من الورق المختلف الألوان ويضع عليها هذه الميعة.

عين الحسود

يقوم الأهالي بشراء البخور ويضع البائع الصينية على الأرض داخل المنزل ويتناول طبق أو قطعة من الورق ويضع فيها القليل من كل صنف، ويلقى أثناء ذلك نشيدا طويلا ورقية، ثم يروى المنشد بعد ذلك كيف أبطل نبي الله سليمان عليه السلام حسد العين ويأخذ في تعداد أثاث المنزل ورقيته "بخرت السلالم من عين أم سالم بخرت الكرسي من عين أم مرسى بخرت اللحاف من وجع الأكتاف ".

البليلة

بعض البلاد الآسيوية القديمة والعثمانيين بالتحديد كانوا يحتفلون أيضا في نفس اليوم على أنه اليوم المقدس الذى زرع فيه سيدنا نوح عليه السلام القمحة في الأرض بعد الطوفان، واحتفلوا بذكرى استقرار سفينته على جبل جودي وهو أحد الجبال الشهيرة في بلادهم، ويوافق نفس يوم عاشوراء أيضا.

وكان لديهم اعتقاد أن حبوب العاشوراء هي القمح كانت ضمن الحبوب التي وجدت على هذا الجبل، وهي ضمن الحبوب التي حملها نوح معه في سفينته فاعتبروها من الحبوب المقدسة لذا فكانوا يصنعون نوعين من الحساء وحلوى العاشوراء التي تكون حبوب القمح أساسها ويقومون بتوزيعها على الأصدقاء والجيران وصدقة جارية للفقراء، فكانوا يبللون القمح باللبن فأطلق عليها المصريون من بعدهم لفظة "بليلة" من كلمة "يبلل".

وكان العثمانيون يزينون سطحها بحبوب الرمان إلا أن المصريين لم يستسيغوا ذلك واكتفوا بالقمح المبلول.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

التحنيط في مصر القديمة
الباليه فن مصري
التلاميذ في عهد الفراعنة
نصائح ميركارع
د. عبد الرحيم ريحان
د. عبد الرحيم ريحان
طريق الحج 6
طريق الحج 5

المزيد من مقالات

تواصل الاحتفال بعاشوراء عبر التاريخ

عيد عاشوراء '' العاشر من المحرم '' الذي يحتفل به العالم الإسلامي هو عيد مصري قديم يرجع إلى الدولة القديمة...

حين نتوقف عن الاستماع لأننا أصبحنا متأكدين أكثر مما ينبغي

في مرحلة ما من الحياة، يبدأ الإنسان في تكوين صورة واضحة عن العالم. يتعلم من تجاربه، ويكوّن قناعاته، ويصل إلى...

حين تتحول المعلومة إلى "قوة وطنية"

في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن معارك البناء والتنمية، يواصل مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أداء...

أسرار التحنيط في مصر القديمة

نتحدث اليوم عن "التحنيط في مصر القديمة" من واقع دراسة أثرية للباحث خالد ناصر عبد الهادي التي تكشف عن ما...


مقالات