إمكانية تحول " ماسبيرو" لكيان اقتصادي للإعلام المستدام (2)

مازلنا نتابع كيفية البحث عن انفراجه لمشكلات ماسبيرو الاقتصادية بشكل سلس ولاشك أن خبر رصد الدولة مبلغ مليار جنيه للهيئة الوطنية للإعلام نراه خطوة إيجابية في إطار حلحلة هذه المشكلات خاصة تلك المتعلقة بمكافأة نهاية الخدمة للعاملين المحالين إلى المعاش في ماسبيرو!

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ونتوقف اليوم أمام ملف يعد أحد أكثر الملفات تأثيراً في حاضر ماسبيرو ومستقبله على المدى المنظور والمتوسط وهو المتعلق بالديون!

لقد أصبح هذا الملف على مدار سنوات طويلة عنواناً لأزمة ممتدة، ليس بسبب حجم الديون فقط، بل لأنه ألقى بظلاله على قدرة اعلام الخدمة العامة على التطوير والتحديث والاستثمار في المستقبل!

ومع ذلك فإن النظر إلى هذه الديون باعتبارها عقبة دائمة قد يكون خطأً استراتيجياً، لأن الأهم من حجم المشكلة هو كيفية التعامل معها.

وتتضمن هذه المديونيات التزامات متأخرة لصالح جهات مختلفة جميعها حكومية!

والواقع أن جزءاً كبيراً من هذه الديون لم ينشأ نتيجة سوء إدارة بالمعنى التقليدي، وإنما كان انعكاساً لطبيعة الدور الذي قام به اعلام الدولة لعقود طويلة باعتباره إعلام خدمة عامة يؤدي رسائل وطنية وثقافية وتعليمية لا تقاس دائماً بمعايير الربح والخسارة التجارية أو دعونا نقول هي ديون حكومية يمكن تسويتها بتفهم هذا الدور من ثم التعاون من أجل إيجاد حلول عملية لها!

لقد تحمل إعلام ماسبيرو مسؤوليات وطنية كبرى في فترات مختلفة من تاريخ مصر، وكان حاضراً في كل المناسبات والأحداث القومية، وقدم خدمات إعلامية لم يكن الهدف منها تحقيق عائد اقتصادي مباشر بقدر ما كانت جزءاً من دوره تجاه المجتمع والدولة.

غير أن تغير البيئة الإعلامية وتزايد المنافسة وارتفاع تكاليف التشغيل فرضت واقعاً جديداً لم يعد يسمح باستمرار الأساليب التقليدية في الإدارة والتمويل. ومن هنا أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة إدارة الديون إلى مرحلة إدارة الأصول ومن ثم التوصل إلى حل جذري لمشكلة الديون كما أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم ضمن رؤية شاملة تربط بين سداد الالتزامات وتنمية الموارد!!

إن أول خطوة في هذا الاتجاه تتمثل في الفصل بين الديون التاريخية المتراكمة وبين الأداء التشغيلي الحالي للمؤسسة الذي اعتبره إيجابيا في إطار ما تقوم به الآن الهيئة الوطنية للإعلام التي ورثت هذه الديون!

إن المؤسسات الكبرى حول العالم عندما تواجه أعباء مالية ضخمة تلجأ إلى إعادة الهيكلة المالية بما يسمح لها بالانطلاق من جديد دون أن تبقى رهينة لأعباء الماضي وأعتقد أن هذا ما تحاول الهيئة فعله حيث لا يكفي السداد وحده إذا استمرت الأسباب التي أدت إلى تراكم الديون، كما أن الاستثمار وحده لن ينجح إذا ظلت المؤسسة مثقلة بأعباء تعوق حركتها!

ومن هنا تبرز أهمية تعظيم الاستفادة من الأصول المتاحة. حيث تمتلك المؤسسة ثروة حقيقية من التجهيزات الفنية والاستوديوهات والأرشيف الإعلامي، فضلا عن المباني والأراضي وهي أصول يمكن أن تسهم في دعم عملية إعادة الهيكلة المالية إذا أحسن استثمارها وفق رؤية اقتصادية واضحة!

كذلك فإن التحول الرقمي يمكن أن يصبح جزءاً من الحل ويمثل الأرشيف الإعلامي المصري قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، وإعادة توظيفه وتسويقه عبر المنصات الرقمية قد يفتح أبواباً جديدة للعائدات، بما يساهم في تخفيف الضغوط المالية على المؤسسة.

ولا يقل أهمية عن ذلك بناء منظومة حوكمة مالية حديثة تقوم على التخطيط والرقابة والشفافية مع ترشيد الإنفاق. ولا تقتصر الإدارة الاقتصادية الناجحة على زيادة الإيرادات، بل تشمل أيضاً تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

وفي تقديري أن الدولة المصرية تدرك أهمية الحفاظ على إعلام الخدمة العامة باعتباره أحد أدوات القوة الناعمة والأمن الثقافي الوطني.

وقد طالب البرلمان المصري ممثلا في لجنة الإعلام بتسوية ملف الديون وإعادة هيكلة قطاعات ماسبيرو إذن إن أي معالجة لملف الديون ينبغي أن تنظر إلى ماسبيرو باعتباره استثماراً وطنياً طويل الأجل، وليس مجرد مؤسسة تسعى لتحقيق أرباح مالية.

ويبقى العنصر الأهم هو العاملون أنفسهم. بمعنى إن نجاح أي خطة لإعادة الهيكلة يتطلب إشراك أبناء ماسبيرو في عملية التطوير، وتعزيز الثقة في أن الهدف ليس تقليص الدور أو الانتقاص من الحقوق، وإنما بناء مؤسسة أكثر قدرة على الاستمرار والعطاء ولهذا أرى أن جدولة الديون على فترة زمنية طويلة مثلما عملت الحكومة مع أموال المعاشات أو صدور تشريع لإسقاط هذه الديون خيارات مطروحة لمعالجة هذا الملف!

إن هذه المشكلة ليست نهاية الطريق، بل يمكن أن تكون حلحلتها نقطة البداية لمرحلة جديدة إذا تم التعامل معها برؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية والطموح.
إن فاعلية الإدارة الناجحة لا تقاس بما واجهته من أزمات، وإنما بقدرتها على تجاوزها وتحويلها إلى فرص حقيقية للنهوض وفي اعتقادي أن الهيئة الوطنية للإعلام تسير حاليا على هذا النهج!

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

مصر وأزمات المنطقة

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، برزت مصر خلال السنوات الأخيرة باعتبارها أحد أهم الفاعلين الإقليميين القادرين...

حكاية "الصدق والكذب"

قصة الصدق والكذب في كل زمان ومكان ولكن هنا عندما يكون الصدق أخاً للكذب فهذا خير دليل علي مقولة جبران...

السيسي في قمة الكبار

لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال قمة مجموعة السبع الكبرى (G7) بفرنسا مجرد حضور دبلوماسي عابر، بل...

خلف ستائر البدايات .. المونديال لا يزال يخفي أوراقه

في الروايات الكبرى، لا يبوح الفصل الأول بأسرار الحكاية، ولا يمنح أبطالها أقدارهم منذ السطر الأول. بل يكتفي بأن يطرق...