في موقف بسيط، قد نقف جميعا على نفس رد الفعل تقريبا. نرى فراشة، فنبتسم، نراقبها، وربما نشعر بشيء من الراحة أو الجمال. ثم نرى صرصارا، فننزعج فورا، نحاول الابتعاد، أو نتخلص منه دون تفكير طويل. رد الفعل يبدو طبيعيا، تلقائيا، وكأنه لا يحتاج إلى تفسير.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
لكن لو توقفنا للحظة، سنجد أن الأمر يحمل مفارقة بسيطة لكنها عميقة؛ كلاهما حشرة. لا اختلاف جوهري في التصنيف، ولا في كونهما جزءا من نفس الطبيعة، ومع ذلك، تختلف مشاعرنا تجاههما تماما. واحدة نراها جميلة وخفيفة، والأخرى مزعجة وغير مرغوب فيها.
هذه المفارقة لا تتعلق بالحشرات بقدر ما تتعلق بنا نحن، بالطريقة التي نرى بها الأشياء، وبالمعايير التي نحكم من خلالها، دون أن ننتبه.
ما الذي نحكم عليه فعلا؟
نظن في كثير من الأحيان أننا نحكم على الأشياء كما هي، لكن الحقيقة أننا نحكم على صورتها داخلنا. الفراشة بالنسبة لنا ليست مجرد حشرة، بل رمز للجمال والخفة والتحول، بينما الصرصار مرتبط في وعينا بالقذارة أو الإزعاج أو الخطر.
وبين الحقيقة… وهذه الرموز، تتشكل مشاعرنا.
نحن لا نرى الشيء فقط، بل نرى المعنى الذي نحمله عنه، حتى لو لم نكن واعين بذلك.
من الشكل… إلى الإحساس
الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستجابة السريعة. يختصر، يصنّف، يقرر في لحظات. الشكل يلعب دورا كبيرا في هذه العملية؛ ما يبدو مريحا نقبله، وما يبدو مزعجا نرفضه. لا نمنح أنفسنا دائما الوقت الكافي لنسأل: هل هذا الحكم عادل؟ أم أنه مجرد رد فعل؟
في كثير من الأحيان، لا يكون لدينا إجابة، لأننا لم نعتد أن نتوقف عند هذه اللحظة أصلا.
هل يحدث هذا مع البشر أيضا؟
ربما لا ننتبه، لكن نفس الآلية تعمل في علاقاتنا. قد نشعر بالارتياح لشخص من أول لقاء، دون سبب واضح، وننفر من آخر دون أن نفهم لماذا. نكوّن انطباعات سريعة، ونبني عليها مواقف كاملة، ثم نتعامل معها كأنها حقيقة.
نميل إلى من "يشبهنا” أو "يريحنا”، ونبتعد عمن يربكنا، حتى لو لم يكن في ذلك ما يستدعي هذا الرفض. ومع الوقت، تتحول هذه الانطباعات إلى قناعات، يصعب مراجعتها.
الراحة ليست دائما دليلا
ما نشعر تجاهه بالراحة ليس بالضرورة الأفضل، وما ننفر منه ليس بالضرورة الأسوأ. الراحة قد تكون فقط نتيجة لما اعتدنا عليه، لما نفهمه بسهولة، لما لا يطلب منا جهدا إضافيا في الفهم أو التقبل.
أما ما يختلف، أو ما يبدو غريبا، فقد يثير فينا مقاومة، ليس لأنه خطأ، بل لأنه خارج حدود ما نألفه.
بين الحقيقة… وما نعتقده عنها
المشكلة لا تكون في الحكم نفسه، بل في اعتقادنا أنه موضوعي تماما. حين نتصرف وكأن رؤيتنا للأشياء هي الحقيقة الكاملة، نتوقف عن التساؤل، وعن محاولة الفهم، وعن رؤية الزوايا الأخرى.
لكن الحقيقة غالبا أوسع من ذلك. ما نراه ليس إلا جزءا منها، وما نشعر به تجاهه ليس دائما انعكاسا دقيقا له.
هل يمكن أن نرى بشكل مختلف؟
لا يعني ذلك أن نتخلى عن إحساسنا أو أن نشكك في كل ردود أفعالنا، بل أن نمنح أنفسنا مساحة صغيرة للتوقف. أن نسأل: لماذا شعرت بهذا؟ هل هو بسبب الشيء نفسه، أم بسبب ما أحمله عنه؟
هذا السؤال لا يغيّر كل شيء، لكنه يفتح بابا لفهم أعمق، لأنفسنا قبل أي شيء آخر.
في العلاقات… ماذا يتغير؟
حين ننتبه لهذه الفكرة، قد نكتشف أننا لم نكن نرى بعض الأشخاص كما هم، بل كما تخيلناهم. وقد ندرك أن بعض الأحكام التي تمسكنا بها لم تكن مبنية على معرفة حقيقية، بل على انطباع أولي لم نراجعه.
وهنا، لا يتعلق الأمر بالآخرين فقط، بل بعلاقتنا نحن بفهمنا للعالم.
الفراشة ليست أفضل من الصرصار، والصرصار ليس أسوأ بالضرورة، لكن إحساسنا تجاه كلٍ منهما مختلف، لأننا لا نحكم على ما هو أمامنا فقط، بل على ما نشعر به تجاهه.
وربما لا يكون التحدي في أن نغيّر أحكامنا بالكامل، بل أن ننتبه إليها.
لأن بعض ما نرفضه… قد لا يكون سيئا، وبعض ما نقبله… قد لا يكون كما نظن.
وبين الحقيقة… وما نراه منها، توجد مساحة صامتة، تقول الكثير عنّا نحن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تبدأ كثير من الأزمات الكبيرة بكلمات قيلت باستخفاف، أو سخرية رددت حتى اعتادها الناس، أو خطاب أخذ يصف بعضهم بعضا...
لم تعد معركة الأسرة الحديثة تُخاض عند الأبواب، بل أصبحت تدور في صمتٍ داخل الغرف المغلقة، حيث يجلس الأبناء لساعات...
في موقف بسيط، قد نقف جميعا على نفس رد الفعل تقريبا. نرى فراشة، فنبتسم، نراقبها، وربما نشعر بشيء من الراحة...
تعد اللحوم الحمراء من الأطعمة المحببة للعديد من الأفراد، وهي مصدراً غذائياً أساسياً، لاحتوائها على البروتينات وجميع الأحماض الأمينية الأساسية...