في غرفة مظلمة، يكفي أن نُشعل مصباحا صغيرا ليتغير كل شيء. يصبح المكان أوضح، أكثر أمانا، وأكثر قابلية للحياة. نرى التفاصيل، ونتحرك بثقة، ونشعر أن الأمور تحت السيطرة. ومع ذلك، نادرا ما نلتفت إلى المصباح نفسه. لا نفكر في الضوء الذي يقدّمه، ولا نتوقف لنقدّر وجوده، بل نتعامل معه كشيء طبيعي، كأنه جزء ثابت لا يحتاج إلى ملاحظة.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
المفارقة أن المصباح، لو كان واعيا، لن يرى الضوء الذي يعطيه. هو مصدره… لكنه لا يشعر به.
ما الذي لا نراه في أنفسنا؟
في حياتنا اليومية، نفعل الكثير دون أن ننتبه. نُساند، نتحمّل، نُحاول، نُصلح، نُراعي مشاعر الآخرين، ونبذل جهدا حقيقيا في أشياء قد لا تُرى بسهولة. ومع الوقت، يصبح هذا العطاء جزءا من طبيعتنا، لا نعدّه شيئا مميزا، بل نراه "عاديا”.
نقيس أنفسنا بما لم نفعله، أو بما لم نصل إليه بعد، ونغفل عمّا نفعله بالفعل. وكأن الضوء الذي نُعطيه… لا يصل إلينا.
حين يصبح العطاء غير مرئي
ليس لأن الآخرين لا يرونه دائما، بل لأننا نحن لم نعد نراه. حين نعتاد أن نكون الشخص الذي "يتحمّل”، أو "يحتوي”، أو "يفهم”، يتحول هذا الدور إلى شيء ثابت، لا يحتاج إلى تقدير، حتى من أنفسنا.
قد يقول لنا أحدهم كلمة طيبة، فنستقبلها بتحفّظ، أو نقلّل منها، أو نشعر أنها مبالغ فيها. ليس لأن الكلام غير صادق، بل لأننا لا نملك صورة واضحة عمّا نقدّمه فعلا.
لماذا لا نشعر بقيمتنا؟
لأننا نعيش داخل التجربة، لا خارجها. نرى ما ينقصنا أكثر مما نرى ما نملكه. نركّز على الأخطاء، أو على ما لم يتحقق، ونعتبر ما نقوم به واجبا، لا إنجازا.
كما أن المقارنة تلعب دورا كبيرا. ننظر إلى الآخرين، ونرى ما يقدّمونه بشكل أوضح، لأننا خارج تجربتهم، فنظن أن ما لديهم أكبر، أو أهم، أو أكثر قيمة.
في العلاقات… كيف يظهر ذلك؟
قد نكون في علاقة نبذل فيها جهدا حقيقيا، نحاول أن نكون داعمين، متفهمين، حاضرين، لكننا نشعر أننا لا نفعل ما يكفي. أو ننتظر تقديرا من الطرف الآخر، بينما لا نمنح أنفسنا هذا التقدير من الأساس.
وفي أحيان أخرى، قد يقدّرنا الآخرون أكثر مما نتصور، لكننا لا نستقبل هذا التقدير بشكل كامل، لأن الصورة التي نراها عن أنفسنا مختلفة.
هل نحتاج أن نرى أنفسنا بشكل مختلف؟
ربما لا نحتاج إلى المبالغة في تقدير الذات، ولا إلى إقناع أنفسنا بشيء غير حقيقي، لكننا نحتاج إلى التوازن. أن نرى ما نقدّمه بنفس الوضوح الذي نرى به ما ينقصنا.
أن نتوقف لحظة ونسأل: ماذا أفعل بالفعل؟ ما الذي أقدّمه دون أن أنتبه؟ ما الذي اعتدت عليه لدرجة أنني لم أعد أراه؟
الضوء لا يحتاج إلى إعلان
المصباح لا يعلن أنه يضيء، لكنه يفعل ذلك. وجوده وحده كافٍ. وربما يكون في هذا معنى مهم؛ ليس كل ما له قيمة يحتاج إلى إثبات مستمر، لكن إدراك هذه القيمة من الداخل… يصنع فرقا.
حين نرى أنفسنا بشكل أوضح، لا نحتاج إلى انتظار دائم للتقدير، ولا نشعر أن ما نفعله غير كافٍ طوال الوقت.
كيف نقترب من هذا الإدراك؟
بأن نبطئ قليلا. أن نلاحظ التفاصيل التي نمرّ عليها سريعا. أن ننتبه لما نقوم به دون أن نقلّل منه، ودون أن نعتبره أمرا مفروغا منه.
ليس المطلوب أن نغيّر كل شيء، بل أن نرى ما هو موجود بالفعل.
في علاقتنا بأنفسنا… ماذا يتغير؟
حين نرى الضوء الذي نعطيه، تتغير طريقة تعاملنا مع أنفسنا. نصبح أقل قسوة، أقل استعجالا، وأكثر تقديرا لما نبذله. لا نتوقف عن التطور، لكننا لا نلغي ما نحن عليه الآن.
خاتمة
المصباح لا يرى الضوء الذي يعطيه، لكنه يغيّر به كل شيء من حوله. وربما نكون مثل هذا المصباح في كثير من اللحظات، نُضيء دون أن ننتبه، ونؤثر دون أن نشعر.
وربما لا يكون ما ينقصنا هو المزيد من العطاء، بل أن نرى… ما نمنحه بالفعل.
لأن بعض ما نبحث عنه في الخارج، قد يكون حاضرا بداخلنا… لكننا لم نلتفت إليه بعد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تبدأ الشائعة اليوم من شاشة صغيرة، ثم تتحول في دقائق إلى حالة قلق عامة. رسالة مجهولة المصدر، عنوان مثير، مقطع...
في عالمٍ تتشابك فيه الحروب مع الأزمات السياسية والاقتصادية، لم تعد ما تتعرض له الأوطان يُقاس فقط بحجم الخسائر المادية،...
في غرفة مظلمة، يكفي أن نُشعل مصباحا صغيرا ليتغير كل شيء. يصبح المكان أوضح، أكثر أمانا، وأكثر قابلية للحياة. نرى...
اليوم نذكر ما حدث في أوائل شهر أبريل عام 1155 قبل الميلاد أي منذ (3200 عام تقريبا) حين كان الملك...