سحر الكحل.. بين طقوس الأقباط وأسرار الفراعنة

سبت النور أو سبت الفرح.. هذا آخر يوم من أيام أسبوع الآلام ومن أهم أحداثه وضع حراسات رومانية على قبر السيد المسيح وختم القبر بالختم الروماني ويبدأ اليوم من عشية الجمعة وفق التقليد الكنسي حيث يقيم المؤمنين بالكنيسة طوال الليل بما يعرف باسم طقس "أبو غالمسيس"، والمصطلح يوناني يعنى بالعربية "الرؤيا"  حيث يقرأ سفر الرؤيا كاملا وهو آخر أسفار الكتاب المقدس بعهده الجديد وينتهى الطقس بإقامة صلاة ليتوروجيا باكر يوم "القداس الإلهي".

 

د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة

 

ومن تقاليد الأقباط في هذا اليوم تكحيل العين للحصول على رؤية قوية دلالة على قوة القيامة ينتهى هذا اليوم في العشية حيث يبدأ يوم الأحد الذى يجرى فيه الاحتفال بعيد القيامة المجيد.

تغنى مطرب الزمن الجميل كارم محمود "يا كحل العيون يا سر الهوى.. خليت الجفون للعاشق دوا.. حلفتك يا غالي تكحل عينيها.. وقول للمراود تحاسب عليها"

لغة العيون

المرأة المصرية أول من اكتشف سر لغة العيون كلغة تفوق لغة الكلام والتي تفننت في تجميل العيون بشتي الصور لتكون لغة العين أكثر إثارة في قلوب محبيها وعشاقها.

وسجل المصريون القدماء منذ سبعة آلاف سنة على جدران معابدهم العين بطلة الصراع بين الخير والشر منذ أن اقتلعها ست من وجه حورس.. وأعادتها إيزيس.. ومن وقتها أصبحت العين تعني الحياة.

كحل العيون

الكحل اختراع مصري قديم

الكحل اختراع مصري قديم منذ 3500 – 4000 قبل الميلاد، وظهرت بالآثار المصرية عيون المعبود (رع) محددة بشكل مذهل، كما استخدم لتزيين عيون الملوك.

وكانت جميع الطبقات في مصر القديمة من عمال وملوك يقومون بوضع الكحل على أعينهم ولذا ظهر المكياج الأسود الكثيف المعروف في جميع أنحاء العالم، ولايزال البعض يستخدمونه في شمال أفريقيا وآسيا الوسطى.

واستخدم الكحل في الحضارة المصرية القديمة للنساء والرجال، لحماية أعينهم من شمس الصحراء الحارقة ومن بعض أمراض العيون، ولذا كان يوضع للأطفال حديثي الولادة والأطفال صغار السن بغض النظر عن جنس الطفل، لتقوية العين أو لحمايتها من العين الشريرة أو الحسد وعرف عن الكحل بأنه لديه العديد من الخصائص المضادة للميكروبات بالإضافة إلى أنه كان يرمز ويمثل الجانب السحري لاستدعاء الآلهة حورس ورع من خلال وضع المكياج الأسود، والعين دائما مفتوحة على التوابيت التي تحتوي المومياء للاعتقاد بأن الميت يرى ما يحدث حوله.

رسم فرعوني للعيون

إذا دققنا في الرسوم والنقوش المصرية القديمة على جدران المقابر والمعابد التي تحتفظ بألوانها الزاهية حتى اليوم نكتشف أن قدماء المصريين كانوا يحرصون على رسم عيونهم بطريقة واضحة بالكحل، حتى أصبح رسم العيون الآن بشكل بارز وواضح بالكحل وأدوات التجميل تسمى بالفعل "رسم فرعوني للعيون".

واشتهرت شخصيات مثل كليوباترا ونفرتيتي بالكحل الأسود للعين، واللون الأزرق على الجفون، كما ظهر جمال المرأة المصرية في تمثال رع حوتب وزوجته نفرت بالمتحف المصري بالتحرير من عصر الأسرة الرابعة.

وعرف عن الملكة كليوباترا كثرة وغزارة استخدامها للكحل في عينيها وفي عام 2017 ظهرت المطربة ريهانا وهي تجسد وجه الملكة نفرتيتي بمكياج دقيق على غلاف مجلة فوغ أرابيا. واللاتي ارتبطن بمكياج من ظلال عيون زرقاء وكحل داكن كثيف.

صناعة الكحل

"المرود" الذى تغنى به الشعراء هو عود صغير من الخشب أو العظم أو العاج، بوضع طرفه في مادة دهنية، ثم يغمس في مسحوق الكحل، والتكحل بكامل العين مع سحب خط.

وصنع الكحل في مصر القديمة من عدة مواد منها بخلط "السخام (سواد الحلة) مع معدن يسمى جالينا ينتج عنه معجون أسود، كما ظهرت العيون مزينة بالكحل الأخضر وهو نتيجة خلط المرمر مع الجالينا، ويحوي أكسيد النحاس والسيليكون والتلك وبودرة قشور اللوز ودهون بعض الحيوانات مثل البقر، واعتقدت النساء قديما أن المرمر جاء من المعبودة حتحور "آلهة الحب".

وقد عثر على الكحل والزيوت العطرية والمساحيق في المقابر منذ فجر التاريخ واستخرج الكحل من الملخيت من خامات النحاس أخضر اللون والذي ينتشر بسيناء والصحراء الشرقية، كما استخرج الكحل من الجالينا وهو من خامات الرصاص أشهب اللون وتستخرج من منطقة بالقرب من أسوان أو على ساحل البحر الأحمر.

وعثر على كلا المادتين في أكياس جلدية أو كتانية، ويحتمل أن المسحوق الناعم كان يخلط بالماء أو الصمغ أو ربما كلاهما ويحتمل أيضا أن يخلطا براتنج أو زيوت نباتية لتكوين عجينة لينة يمكن وضعها بالحاجبين أو كحل حول العينين فيزيدهم أتساعا كما رسمت العين بشرطة إلى الجانب كما هو معروف من المناظر المصورة.

وكانت أغلبية الكحل مصنوعة من كبريتيد الرصاص مع أعشاب طبية من الزعفران والشمر، وقام المصريون القدماء بتخفيف كل هذه المواد بالسوائل بما في ذلك الماء والحليب والدهون الحيوانية والزيت والتي تجعلها أكثر قابلية ليتم وضعها على العين، وتنوعت أوعية حفظ الكحل وأشكالها ومواد صنعها تظهر جمال المرأة المصرية تمثال رع حوتب وزوجته نفرت من عصر الأسرة الرابعة.

كحل العيون

موضة الكحل

أصبح الكحل موضة منذ عشرينات القرن الماضي بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، والتي حظيت بتغطية إعلامية مكثفة من كل العالم وهو ما ساعد على عودة موضة الكحل ولكن شكل الكحل في الماضي يختلف عن شكله المتطور الآن، حيث كان كثيفا للغاية وثقيلا وأسود داكن "سموكي" بعكس الموجود حاليا وهو الكحل السائل الذى ظهر منذ عام 1950 رغم إن الكحل السائل يسبب مشاكل في الرؤية من خلال دراسة طبية نشرت في مجلة "العيون والعدسات اللاصقة" حيث كشفت عن أن وضع الكحل السائل ينتقل إلى داخل العين ويضرها ويسبب عدم وضوح الرؤية.

الكحل عند العرب

عرف عن العرب قديما اشتهارهم بوضع كحل الزينة وكانت أول من وضعته ( زرقاء اليمامة) وهي امرأة من قبيلة جديس بمدينة "جو" وهي اليوم واحة من واحات المملكة العربية السعوديّة وقاعدتها هي مدينة الرياض وعرفت بجمالها حيث شبهت بالقمر ليلة البدر، وامتازت ببصرها القوي، وبقدرتها على رؤية الأشياء من مسافات بعيدة جدا ومن أجل ذلك سميت بـ (زرقاء اليمامة).

ولقد كان الاكتحال من عادات العرب التي يحرصون عليها ومن مظاهر الجمال عندهم؛ لذا اكتحل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالاكتحال، وورد في سنته صلى الله عليه وسلم الحث على الاكتحال بنوع معين من الأحجار التي يكتحل منها؛ وهو الإثمد، وبين فوائد الاكتحال، وكلها تدور حول تقوية البصر وتجليته، وإزالة الشوائب العالقة في العين.

وكانت مادة الكحل الطبيعي تستخرج من حجر هش لامع يسمي ( الإثمد) وهو عبارة عن حجر أسود يميل إلى الحمرة وبعضه لامع فضي يدق ويصنع منه كحل العين كما تفننت بعض الطبقات الفقيرة من النساء في صنعه من نوي البلح بعد حرقه وإضافة زيت الزيتون أو لبان الدكر لتكحيل العيون به وهو ما يسمي بالكحل البلدي عوضا عن كحل حجر الإثمد.

وارتبط الكحل عند بعض النساء بحلقات الزار وإخراج الجن كذلك استخدمنه البعض لإطالة الرموش القصيرة وتحديد اتساع العين أو إخفاء ما بها من عيوب
يتميز كحل الأثمد العربي بكونه أفضل أنواع الكحل العربي لخلوه من عنصر الرصاص الذي يوجد في معظم أنواع الكحل والتي تسبب ضررا بالعين عند استخدامها لفترة طويلة.

ويستخرج كحل الأثمد العربي من حجر يحمل الاسم نفسه ويوجد بشكله طبيعي بوفرة في بلاد الحجاز والمغرب العربي وبلاد الشام، ويتكون كحل الأثمد العربي من المسحوق المستخرج من حجر الأثمد والذي يتكون من ثلاثة مركبات رئيسة وهي مركبات الانتموان وينتمي الأثمد إلى شبيهات المعادن والذي يمكن العثور عليه حر في الطبيعة، أو متحدا مع عدد من المعادن على شكل حجر بلون فضي لامع هش سهل التفتت.

ويستطيع كحل الأثمد القضاء على عدد كبير من الجراثيم التي تغزو العين وتتسبب في التهاباتها وحالاتها المرضيّة المختلفة، كما يحتوي على مركب الانتموان القادر على القضاء على عدد من الطفيليّات الغازية للعين، وقدرته على إنبات الرموش، وزيادة طولها وكثافتها، حيث تلعب الرموش دور مهم في حماية العين من الأتربة فضلا عن المظهر الجمالي الذي تمنحه الرموش الطويلة للعين.

وينقع حجر الأثمد مع مقدار من المياه ونفس المقدار من الزيت الطبي لمدة ثلاثة أيام بالماء العادي بعد غليه لتعقيمه ثم يصفي ثم يُحمّص على نار خفيفة لبضع دقائق حتى تخرج رائحته ثم يفتت مع التأكد من خلوّه من الشوائب.

 

كحل العيون

الكحل في الأمثال الشعبية والغناء

الكحل مادة غنية في تفسير الأحلام ففسرت رؤيته في الحلم على إنه زيادة في المال وتبصر في الصلاح وقيل زيادة ضوء البصر، والبكر إذا اكتحلت فإنها تتزوج أما المتزوجة إذا اكتحلت فترزق بمولود.

كما انعكس الكحل والتكحيل على الأمثال الشعبية بدلالات ومعان كثيرة منها ( جه يكحلها عماها ) ( ماتاخدش السهتانة ولا أم كحلة ولا لبانة تاكل وتعمل عيانة)، ( جبال الكحل تفنيها المراود)، ( يسرق الكحل من العين)، ( اللي معاه الكحل يتكحل واللي مامعاهوش من البلد يرحل ).

أما في الغناء فقد قل ألا تجد مطرب لم يتغن بالكحل والعيون الكحيلة خاصة المطربين الشعبيين أمثال محمد الكحلاوي صاحب التراث البدوي الشهير ( داري الجمال في العين.. ياللي عيونك سود.. يا اسمر كحيل العين)، وعبد العزيز محمود ( يامزوق ياورد في عود والعود استوى.. والكحل في عنيك السود جلاب الهوى ) وغيرها.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الدكتور عبد الرحيم ريحان
الدراسة في مصر القديمة
د. عبد الرحيم ريحان
أحد السعف

المزيد من مقالات

الوحدة وسط الزحام: لماذا نشعر بالفراغ في أكثر الأماكن ازدحاما؟

في بعض الأيام تمتلئ البيوت بالأصوات، وتمتلئ المجالس بالأحاديث، وتمتلئ الصور بالابتسامات، ومع ذلك قد يشعر أحدنا بفراغ داخلي لا...

الفضيلة والتجارة والإدارة والحكايات مقررات التلاميذ في مصر القديمة

دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...

دور الإعلامي في صناعة الوعي الجمعي!

في زمن التحولات المتسارعة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح شريكا في صياغته. وبينما تتعاظم التحديات التي تواجه...

إسبوع الآلام.. من سبت لعازر إلى سبت النور

مع حلول أقدس أيام السنة لدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يمتزج الطقس الديني بالهوية المصرية الضاربة في عمق التاريخ، ليشكلا معاً...