منذ سنوات طويلة، يدور جدل واسع في الأوساط الإعلامية العربية حول طبيعة أداء بعض القنوات الإخبارية الكبرى، ومدى حيادها أو انحيازها في تغطية القضايا الإقليمية، والاحداث الكبرى.. وأعتقد هناك شريحة كبيرة من المتابعين ترى أن هذه القنوات تتبنى سياسات تحريرية واضحة تعكس أجندات سياسية بعينها.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
وهو أمر قد يكون مفهوماً في سياق الإعلام الدولي الذي لم يعد يدّعي الحياد الكامل بقدر ما يسعى للتأثير وتشكيل الرأي العام؛ خاصة أن قيمة الحياد التام في العمل الإعلامي مهنيا يمكن استبدالها بتعبير اخر أكثر واقعية هو التوازن والانصاف.
ومع ذلك، فإن هذا الإدراك لا يمنع من الاعتراف بأن بعض هذه القنوات نجحت في ترسيخ معايير مهنية متقدمة، جعلتها في صدارة المشهد الإخباري العربي من حيث الشكل والمضمون.
أحد أبرز مظاهر هذا التميز يتمثل في القدرة على التطوير المستمر في أساليب التغطية، خاصة خلال الأزمات والحروب.
ففي الحرب الأخيرة، برز بشكل واضح اعتماد القنوات على “فورمات” طاولة النقاش الواسع متعدد الأطراف، وهو نمط إعلامي يتطلب إدارة دقيقة واحترافية عالية. إذ لا يقتصر الأمر على استضافة ضيوف من توجهات مختلفة، بل يتطلب ضبط إيقاع الحوار، وتوزيع الوقت بعدالة، ومنع انزلاق النقاش إلى فوضى أو خطاب شعبوي. هذا الشكل، عندما يُدار بكفاءة، يمنح المشاهد فرصة الاطلاع على زوايا متعددة للقضية الواحدة، حتى وإن كان الإطار العام للتغطية يحمل توجهاً معيناً ولكن يظل نوعا من الشو الإعلامي إذا افتقد التركيز !
كما لوحظ أيضاً تراجع الاعتماد على التقارير الداخلية (in-house reports) مقابل التوسع في استخدام شبكة المراسلين المنتشرين في الميدان. وهذه النقلة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الجمهور المعاصر الذي يفضل المتابعة الحية والمباشرة للأحداث لأن المراسل الموجود في موقع الحدث يمنح التغطية مصداقية أكبر، ويضفي عليها طابعاً إنسانياً، خاصة عندما ينقل تفاصيل الحياة اليومية وسط الصراع، وليس فقط المعطيات العسكرية والسياسية.
ومن النقاط اللافتة كذلك، الاعتماد المتزايد على “اللايفات” والتغطيات المباشرة، والتي أصبحت عنصراً أساسياً في بناء الثقة مع الجمهور.
إن البث الحي يحدّ من قدرة أي جهة على التلاعب بالمحتوى أو إعادة صياغته، ويجعل المشاهد شريكاً في الحدث لحظة بلحظة. ورغم ما يحمله هذا الأسلوب من مخاطر مهنية، مثل نقل معلومات غير مكتملة أو غير دقيقة في بعض الأحيان عندما يتم الاعتماد على ما يسمى صحافة المواطن إلا أن القناة الإخبارية لابد أن تبدو واعية بهذه التحديات، وتحاول موازنة السرعة مع الحد الأدنى من التدقيق.
أما على المستوى البصري، فقد شهدت تغطية الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تطوراً ملحوظاً من خلال استخدام الخرائط التفاعلية، سواء في الشق العسكري أو الاقتصادي. هذه الأدوات لم تعد مجرد عناصر تجميلية، بل أصبحت وسائل تفسيرية مهمة تساعد المشاهد على فهم تعقيدات المشهد، خاصة في النزاعات التي تتداخل فيها الجغرافيا مع الاستراتيجية.
مثلا عرض خطوط التماس، ومسارات العمليات، وتأثيرها على الممرات الاقتصادية أو مصادر الطاقة، يمنح المتلقي رؤية أكثر شمولاً وعمقاً.
لكن هذا الأداء المهني يحتاج تكلفة مالية عالية وفي اعتقادي أنها من أكثر التحديات التي تواجه القنوات الإخبارية .
ورغم كل هذا ، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل يمكن فصل المهنية عن التوجه السياسي؟
الواقع يشير إلى أن الأمر معقد، وقد تلتزم القناة بأعلى المعايير المهنية من حيث الشكل والتقنيات، لكنها في الوقت ذاته تختار زوايا محددة للمعالجة، أو تبرز أصواتاً دون غيرها، بما يعكس رؤيتها الخاصة ويتم تغليف هذا كله بشكل ومحتوى مهني.
وهنا يأتي دور المشاهد الواعي، القادر على التمييز بين جودة الصنعة الإعلامية وبين الرسالة التي تحملها.
في المحصلة؛ يمكن القول إن هذه القنوات تمثل نموذجاً متقدماً في الإعلام العربي من حيث الاحتراف والتجديد، حتى وإن ظلت محل خلاف سياسي. فهي نجحت في فرض معايير جديدة في التغطية الإخبارية، ودفعت المنافسين إلى تطوير أدواتهم، ما يصب في النهاية في صالح المشاهد العربي.
لكن التحدي الحقيقي يظل في تحقيق توازن دقيق بين المهنية والحياد، وهو توازن يبدو حتى الآن بعيد المنال في عالم الإعلام المعاصر.
كلمة أخيرة لم اذكر اسم أي من هذه القنوات واترك للقارئ تطبيق ما ذكرته على ما يحرص متابعته من القنوات الإخبارية العربية !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في بعض اللحظات، قد يحقق الإنسان ما كان يسعى إليه طويلًا، وظيفة جديدة، نجاحًا ملحوظًا، تقديرًا من الآخرين، أو حتى...
دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...
في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بشكل غير مسبوق، وتفرض فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها على مختلف جوانب الحياة، تظل...
استكمالا لسلسلة إحكي يا تاريخ نورد اليكم اليوم قصة جديدة من الأدب المصري القديم ؛ سجلت القصة على بردية تسمى...