ظن العالم ــ مخطئا ــ أن مكان الحروب الكبرى قد أُودع في أرشيف القرن العشرين، لكننا نجد أنفسنا اليوم في منطقة الشرق الأوسط أمام واقع يبرهن على أن الجغرافيا لا تزال هي "المحدد الإستراتيجي" الأول في مسرح الأحداث. وتتجاوز الحرب الثلاثية الدائرة حالياً بين طهران وواشنطن وتل أبيب كونها مجرد تبادل لضربات عسكرية أو رشقات صاروخية تستهدف المنشآت وتثير الذعر؛ بل هي تحوّل جذري في العقيدة الجيوسياسية، انتقلت فيه سلاسل الإمداد من مجرّد "أوراق ضغط" تفاوضية إلى "صراع وجودي"، لا سيما وأن ممرات الملاحة الدولية هي الشريان الحيوي للكوكب، وأي انسداد في مساراتها يعني اختناقًا اقتصاديًا وكونيًا شاملاً لن يستثني أحدًا.
ومن خلال متابعتنا لتفاصيل هذه الحرب، برز تطور عسكري لافت كشف عنه المراقبون في الأيام القليلة الماضية؛ تمثل في استخدام "واشنطن" لنظام الألغام الذكية "جيتور" (Gator) بمحيط مدينة "شيراز" الإيرانية. وهذا "النثر" الجوي للألغام لا يمكن قراءته إلا كتمهيد لعملية "بتر جراحية"؛ فهو أما أنه خطوة استباقية لغزو بري محتمل يستهدف الجزر الاستراتيجية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) بهدف فرض السيطرة على مضيق "هرمز" وإعادة فتحه للملاحة الدولية بكامل طاقته، وإما أنه محاولة لتحييد "ركائز" القوة الإيرانية المتمثلة في منصات الصواريخ الجوالة، وبالتالي حرمان "طهران" من أهم أسلحتها الردعية عبر شلّ حركتها قبل الشروع في استهداف محتمل لمصالح حيوية سواء في دول الخليج أو الداخل الإسرائيلي.
آسيا والعد التنازلي قبل الوقوع تحت مقصلة الطاقة والغذاء
لم يتوقف أثر هذا التصعيد عند حدود النيران المباشرة، بل امتد كزلزال صامت ضرب العمق الآسيوي؛ فالهند ــ ذاك العملاق الذي يُطعم الملايين وثاني أكبر منتج للقمح والخضروات في العالم ــ باتت اليوم في مواجهة أزمة مركبة. فبعد أن كانت "سلة غذاء" بديلة عوضت نقص إمدادات القمح الأوكراني جراء الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة والتي لم تنته بعد، تجد نفسها اليوم مهددة بنقصٍ حاد في الأسمدة الحيوية التي تأتيها عبر مضيق "هرمز"، مما يُنذر بعجز غذائي عالمي وارتفاع جنوني في الأسعار.
وعلى صعيد الطاقة، بدأت "نيودلهي" تُحصي أيامها المتبقية قبل نفاد النفط؛ حيث تشهد محطات الوقود حشودًا غير مسبوقة مدفوعة بالقلق من الغد، فرغم وجود احتياطيات استراتيجية أعلن رئيس الوزراء أنها لن تكفي لأكثر من (30) يوماً. ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، بل تمتد لتمس ركيزة أساسية في الاقتصاد الهندي وهي العمالة؛ إذ يمثل وجود (9) ملايين هندي في دول الخليج يضخون نحو (51) مليار دولار سنويًا كشريان للحياة الهندية، مما يجعل أي تهديد لاستقرار دول الخليج بمنزلة ضربة قاضية للاقتصاد الهندي.
وفي سياق متصل، يواجه الشعب الإندونيسي شبح الظلام مع اقتراب نفاد مخزون الطاقة؛ إذ أعلنت "جاكرتا" هي الأخرى أن احتياطياتها النفطية لن تكفي لأكثر من ثلاثة أسابيع لخدمة (287) مليون مواطن. إن هذه المؤشرات المتسارعة تُنبىء بتحول الصراع من "حرب مسيرات وصواريخ" إلى "حرب تستنزف الطاقة والغذاء".
أثبت الاضطراب الملاحي في مضيق "هرمز " ــ الذي يضطلع بمفرده بنقل ما بين (20%)إلى (30%) من إجمالي تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا و(20%) من تجارة الغاز الطبيعي المُسال ــ أن الاكتفاء الذاتي في هذا العصر لم يعد رفاهية اقتصادية، بل هو درع البقاء الوحيد في زمن السيولة السياسية. وبينما ستعاني الدول الفقيرة من الندرة الحادة في الغذاء، ستواجه الدول الغنية أيضاً تضخمًا غير مسبوق نتيجة تآكل المخزون العالمي. وإذا كانت دول آسيا هي المتضرر الأكبر حالياً باتخاذها قرارات قاسية لترشيد الطاقة، فإن التساؤل الأخطر الذي يفرض نفسه: ماذا لو امتدت شرارة هذه التحولات لتطال مضيق باب المندب هو الآخر..؟
مثلث التهدئة .. تغليب المصالح على الانفعال
وسط هذا الضجيج المروع والتصريحات شديدة اللهجة الصادرة عن مختلف الأطراف، وأمام هذا العد التنازلي الذي يهدد القارة الآسيوية، ما دفع "وسطاء الظل" (مصر، تركيا، باكستان) للتحرك السريع، فبرز هذا الثالوث من "الأعمدة الثقيلة" ليكون بمثابة صمامات أمان اضطرارية. لم يكن تحركهم مجرّد استجابة دبلوماسية عابرة، بل كان بدافع فرض تهدئة واقعية وإفساح المجال لصوت العقل، وتغليب المصالح القومية العليا على الانفعالات العبثية.
لم تُعد هذه الدول الثلاث تمثل مجرّد قنوات لــ "نقل الرسائل"، بل تحولت إلى محاور ثقل جيوسياسي انتقلت بجهودها من مرحلة الوساطة التقليدية إلى مرحلة "صناعة التهدئة" وفرضها كواقع ضروري للبقاء. فباكستان تدرك أن أي انفجار إقليمي سيعني تمدد الفوضى عبر حدودها المشتعلة، وتركيا تترقب بقلق توقف شريان الطاقة الذي يغذي ماكينتها الصناعية، بينما تقف مصر بموقعها الاستراتيجي مدركةً أن "مقصلة الطاقة والخبز" لن تتوقف عند حدود آسيا، بل ستطال الجميع إذا ما امتد الانسداد ليصيب مضيق باب المندب ومن ثم قناة السويس وهو ما يحرمها من إيرادات حيوية بالعملة الأجنبية.
ففي "إسلام آباد"، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وحساسية؛ حيث تضطلع باكستان بدور حاسم تفرضه الجغرافيا المشتركة مع إيران، والارتباطات الاستراتيجية مع واشنطن. فالقلق الباكستاني ليس مجرد هواجس دبلوماسية، بل هو خشية حقيقية من "انتقال العدوى" وتمدد اللهب إلى أراضيها، لا سيما في مناطق "بلوشستان" المشتعلة بطبعها. وهنا، تجد "إسلام آباد" نفسها اليوم في اختبار قاسٍ لـ "توازن الالتزامات"؛ فهي مضطرة للحفاظ على تنسيق أمني رفيع المستوى مع طهران لضبط الحدود، بينما تسعى في الوقت ذاته لحماية مظلة المعونات العسكرية والاقتصادية الغربية. وما يزيد من خطورة الموقف هو التهديد الوجودي المتمثل في خشية تصدع حدودها أمام موجات نزوح ملايين الإيرانيين، وهو ما قد يفجر صراعات مذهبية داخلية بالنظر لتركيبتها السكانية الحساسة التي تضم نحو (16) مليون مسلم شيعي. ولعل المؤشر الأخطر على هذا التصدع هو الانفجار الأمني الدامي الذي شهدته البلاد في محيط السفارة الأمريكية عقب الإعلان عن اغتيال "خامنئي"، وما أسفر عنه من اشتباكات أوقعت (24) قتيلاً و(120) مصاباً؛ مما جعل من إنهاء الحرب وخفض أسعار الطاقة المشتعلة ضرورة قصوى لاستعادة الاستقرار الوطني ومنع انهيار الدولة من الداخل.
وفي "أنقرة"، تبدو الحسابات أكثر براجماتية؛ حيث تسعى تركيا لتقديم نفسها كقوة إقليمية مؤثرة ووسيط موثوق، بينما ترتعد مصانعها خوفاً من انقطاع شريان الغاز الإيراني. فتركيا التي تعتمد بشكل حيوي على خط (تبريز ــ أنقرة)، تدرك أن أي توقف للإمدادات قد يجبر مصانعها على خفض الإنتاج بنسبة تصل إلى (40%)؛ وهي معضلة اقتصادية تعمقت بالفعل بعد الاستهداف الإسرائيلي لحقل "بارس" الإيراني، الذي تسبب في عجز قُدّر بـ (10) مليارات متر مكعب من إجمالي استهلاكها السنوي البالغ (60) مليار.
وإلى جانب مطرقة الطاقة نجد سندان قضية اللاجئين كخطر وجودي لا تحتمله التركيبة الاجتماعية التركية المثقلة باللجوء السوري، مما يجعل أي موجة نزوح إيرانية جديدة بمثابة قنبلة قد تنفجر فى الداخل. كما تمثل الأراضي الإيرانية المنفذ الوحيد للتجارة التركية البرية نحو العمق الآسيوي، وهو ما يفسر استماتة أنقرة لمنع تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة. وبخلاف كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وتمتلك في الوقت ذاته قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، تناور تركيا للحفاظ على نفوذها في الشمال السوري ــ العراقي، لضمان ألا تأتي أي تسوية مستقبلية بين واشنطن وطهران على حساب مصالحها القومية في تلك المناطق.
أما "القاهرة"، فهي تتحرك بوعي تاريخي يدرك أن سلامة مضيق "باب المندب" تمثل خطًا أحمر لا يقبل القسمة على صراعات الوكالة، لا سيما مع التهديدات المباشرة والخطوات الأخيرة التي بدأتها جماعة "الحوثي" الموالية لإيران. ويتجاوز الدافع الرئيس لمصر الدبلوماسية التقليدية إلى "حماية الشريان"؛ فأي تصعيد إيراني أمريكي في البحر الأحمر يعني شللاً لقناة السويس وضربة قاصمة للاقتصاد الوطني. ومن هنا، ومن بوتقة الريادة الدبلوماسية، دخلت القاهرة بقوة على خط التهدئة؛ فهي ترى نفسها الأقدر على فهم "تركيبة الدولة" في طهران، وتسعى جاهدة لمنع تحول المنطقة إلى "ملعب" مفتوح للقوى غير العربية. ولم يقتصر التحرك المصري على الوساطة بين إيران وأمريكا فحسب، بل تمثل أيضًا في محاولات حثيثة لمنع "تمدد الصراع" إلى نقاط التماس العربية، وضمان ألا يكون الحل على حساب الأمن القومي العربي.
في هذا المشهد المعقد، تابعنا مؤخرًا مناشدة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" لنظيره الأمريكي "دونالد ترامب" التي أطلقها على هامش فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة في الثلاثين من مارس، لتخرج الموقف من عتمة الغرف المغلقة إلى مسؤولية العلن؛ فلم تكن مناشدته مجرّد دعوة تقليدية لوقف القتال، بل كانت تحذيرًا استراتيجيًا بما قد تؤول إليه الأمور إذا ما تعطل "شريان الحياة" في باب المندب وقناة السويس. إنه نداء دولة تدرك تمام الإدراك أبعاد الجغرافيا السياسية، وتؤمن أن أمن الملاحة العالمية خط أحمر لا يقبل المقايضة، ولا يحتمل التهاون.
جاءت تلك المناشدة من جانب الرئيس المصري لتضع الإدارة الأمريكية أمام مسؤوليتها التاريخية، مخاطبًا الرئيس الأمريكي : "أنه لا يملك مفاتيح إنهاء هذه الحرب في منطقتنا اليوم إلا أنت". وتحدث الرئيس باسم الإنسانية ومحبي السلام، مذكرًا نظيره الأمريكي باستجابته لحضور مؤتمر السلام الذي عُقد بـ " شرم الشيخ" منذ أقل من عامين واسهاماته في إيقاف الحرب على غزة، والتي كانت تداعياتها محصورة إقليميًا، بينما الحرب الحالية تهدد اقتصاديات العالم أجمع، ولا سيما في قطاع الطاقة، ناهيك عن نقص المعروض من المواد الغذائية وارتفاع الأسعار الجنوني.
إنها مناشدة تنطلق من ثقل مصر كـ "ضابط إيقاع" للمنطقة، ومن حرصها الأكيد على ألا يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة لتصادم الإرادات الدولية على حساب دماء الشعوب واستقرارها. وضع الرئيس المصري العالم بأسره أمام حقيقة كبرى: أننا بصدد حرب قد تمس خبز الشعوب وأمن الدول المركزية، وأن من يملك مفاتيح المضايق لا يمسك بورقة ضغط فحسب، بل أيضًا يمسك بخناق العالم أجمع.
وبات السؤال المطروح اليوم في أروقة صناع القرار يتجاوز مجرد إنهاء الحرب، ليصل إلى: كيف يمكننا الحيلولة دون وصولها إلى مضيق باب المندب..؟ فاليوم، يقف العالم على حافة الهاوية، والكرة الآن في ملعب القوى الكبرى لتستجيب لصوت العقل والوساطات الرصينة؛ فهي وساطة باتت تتحرك في الظل والعلن، بعيدًا عن ضجيج السلاح، لترسم حدود الممكن في زمن "دبلوماسية الحافة"، قبل أن تتحول الأزمة إلى نار تأكل الأخضر واليابس وتصل بالمنطقة إلى "نقطة اللا عودة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...
لم تعد قضية المرأة في مصر مجرد ملف اجتماعي أو عنوان موسمي يتجدد مع شهر مارس، بل أصبحت مدخلًا حقيقيًا...
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، يبرز اسم المستشار الدكتور عادل ماجد كأحد أبرز الخبراء الدوليين الذين...
في يوم 27 سبتمبر 1822، أعلن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عن نجاحه في فك رموز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة...