الإعلام والوعي في عصر الرقمنة !

يشهد الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين (2025–2050) تحولات عميقة وجذرية في المشهد الإعلامي، وفي طبيعة دور الإعلامي داخل المجتمع.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ولم تكن هذه التحولات وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة للتطورات التكنولوجية المتسارعة، والتغيرات الاجتماعية والسياسية المتلاحقة، فضلًا عن التحديات الأخلاقية الجديدة التي فرضتها العولمة والانفجار المعرفي.

أصبح الإعلامي لاعبًا أساسيًا في تشكيل المعرفة العامة، وموجهًا للرأي العام، وحارسًا لقيم الشفافية والديمقراطية الرقمية.

انتقل دوره من نقل الحدث إلى تفسيره، ومن عرض المعلومة إلى تحليلها، في عالم يشهد تدفقًا غير مسبوق للبيانات.

ولم يعد الجمهور يكتفي بتلقي الأخبار، بل بات يبحث عن السياق والمعنى والتحليل الذي يمكنه من فهم الأحداث واتخاذ مواقف واعية تجاهها.
في هذا السياق، برز الإعلامي بوصفه “مرشدًا معرفيًا”، يقدم رؤى معمقة ويستشرف النتائج المحتملة للأحداث.

كما تطورت أدوات التحقق من المعلومات ومكافحة الأخبار الزائفة، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تُستخدم في فحص مصداقية المصادر ورصد الشائعات الرقمية.

ومن هنا، لم يعد الإعلام مجرد منصة لنقل الوقائع، بل تحول إلى فضاء للتثقيف وبناء الوعي، يتحمل فيه الإعلامي مسؤولية توجيه الجمهور نحو فهم موضوعي ومتوازن.

وفي موازاة ذلك، شهدت العلاقة بين الإعلام والجمهور تحولًا جذريًا.
ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا فاعلًا في صناعة المحتوى. وظهرت منصات تفاعلية تتيح للجمهور المشاركة الفورية في النقاش، وطرح الأسئلة، بل والمساهمة في صياغة الرواية الإعلامية. كما أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تخصيص المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين، ما أوجد تجربة إعلامية أكثر فردية وثراءً.

وقد نشأت أنماط جديدة من السرد الإعلامي، تمزج بين النص والصورة والفيديو والتقنيات التفاعلية مثل الواقع المعزز، بما يتيح للجمهور استكشاف المحتوى والتحكم في طريقة عرضه. ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الثورة الرقمية الشاملة، التي أعادت تشكيل أدوات وأساليب العمل الإعلامي، وجعلت الإعلام الرقمي محورًا رئيسيًا في منظومة الاتصال الحديثة.

كما أتاح دمج تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز في التغطية الإخبارية تجربة أكثر انغماسًا، تقرّب الجمهور من الحدث وتمنحه فهمًا أعمق لتفاصيله. وفي الوقت ذاته، أسهم استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة في إنتاج محتوى أكثر دقة وسرعة، مع القدرة على استشراف الاتجاهات قبل تبلورها، ما أضاف إلى دور الإعلامي وظيفة جديدة تتمثل في “إدارة التوقعات”!

وشهدت منصات الوسائط المتعددة والمتنقلة نموًا متسارعًا، أعاد تعريف طرق الوصول إلى المعلومات، وجعلها أكثر سرعة وتنوعًا. غير أن هذه القفزات التقنية رافقها ظهور تحديات أخلاقية ومهنية غير مسبوقة.

وقد أصبحت حماية الخصوصية وصون البيانات الشخصية من القضايا المحورية، حيث يمكن لأي خلل أن يترتب عليه أضرار جسيمة.

كما فرض انتشار تقنيات التزييف العميق deepfake تحديًا إضافيًا، يستلزم من الإعلامي درجة أعلى من التدقيق قبل النشر.

وهو ما استدعى الحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية جديدة للإعلام الرقمي، توازن بين حرية التعبير وحماية الحقوق الفردية والجماعية، في ظل بيئة إعلامية شديدة التعقيد.

وأمام هذه التحولات، بات الإعلامي مطالبًا بامتلاك مجموعة متنوعة من المهارات، لم تعد تقتصر على الكتابة أو التقديم التقليدي.

فقد أصبح إتقان التحليل الرقمي وعلوم البيانات ضرورة لفهم الاتجاهات واستنباط الدلالات، كما غدا الإلمام بالتقنيات الناشئة شرطًا للبقاء في صدارة المشهد الإعلامي.

كذلك، لم يعد إنتاج المحتوى متعدد الوسائط خيارًا، بل أصبح متطلبًا أساسيًا في صناعة إعلامية تعتمد على التكامل بين النص والصورة والصوت والتفاعل.

ورغم الطابع العالمي المتزايد للإعلام، لا يزال المحتوى المحلي يحتفظ بأهميته، بل يزداد تأثيره في كثير من الأحيان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام متخصص يخاطب جماهير محددة، ويعزز من المصداقية والتأثير. وفي المقابل، يحتاج الإعلامي إلى رؤية شمولية تربط المحلي بالعالمي، بما يضمن تقديم محتوى متوازن يعكس الواقع في سياقه الأوسع.

كما أصبح الإعلام أكثر وعيًا بدوره في دعم القضايا الاجتماعية والبيئية، حيث يسهم الإعلاميون في تعزيز الوعي بقضايا مثل التغير المناخي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.

وبذلك، يتحول الإعلام إلى أداة فاعلة في التأثير على السياسات العامة، وتشجيع المشاركة المجتمعية، بما يضفي على العمل الإعلامي بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الترفيه.

ورغم هذه التحولات الإيجابية، يواجه الإعلاميون تحديات معقدة، أبرزها الحفاظ على المصداقية في ظل انتشار المعلومات المضللة، والموازنة بين سرعة النشر ودقته، إلى جانب الحفاظ على الاستقلالية المهنية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تؤثر على النزاهة الإعلامية fairness
في المحصلة، نقول تتبلور وظيفة الإعلامي في هذا العصر بوصفه مرشدًا معرفيًا وحارسًا للديمقراطية في الفضاء الرقمي، يساعد الجمهور على فهم المعلومات وتوظيفها بشكل رشيد ويتطلب ذلك قدرة مستمرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية، مع التمسك بالقيم المهنية الأساسية، وعلى رأسها الدقة والموضوعية والمحاسبة والتنوع.

إن الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين يمثل مرحلة فاصلة في تاريخ الإعلام، حيث أصبح الإعلامي عنصرًا محوريًا في تشكيل الوعي العام وفهم العالم. وتبقى رسالته الأساسية قائمة على تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والمعرفة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين السرعة والدقة، ليظل الإعلام أداة فاعلة في خدمة المجتمع الإنساني .

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات وحدود القانون

لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...

حجر رشيد من القلعة إلى باب المتحف البريطاني، حكايات النهب الاستعماري

في يوم 27 سبتمبر 1822، أعلن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عن نجاحه في فك رموز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة...

الربيع مش دايمًا جميل… أزمات صحية مع أول نسمة هواء

مع بداية فصل الربيع، تتغير الأجواء وتزداد فرص الخروج للحدائق والمتنزهات، لكن في المقابل تبدأ مجموعة من التحديات الصحية في...

سيناء أرض التجلى الأعظم، بورك المكان والإنسان والشجر والبحر

سيناء لها قدسية وتفرّد خاص حيث بورك بها المكان موقع المناجاة والإنسان وهو نبي الله موسى والشجر مجسدًا في شجرة...