في لحظات التوتر الإقليمي المتصاعد، لا يكون الخطر في اتساع دائرة العنف وحده، بل كذلك في ضبابية المعايير التي يُنظر من خلالها إلى الأحداث. فسرعان ما تتراجع اللغة القانونية أمام خطاب القوة، وتختلط الاعتبارات السياسية بسرديات الردع والانتقام، بما يهدد بتهميش القواعد التي وُضعت أصلًا لضبط مثل هذه الأزمات.
المستشار حسام الدين علاممؤسس مبادرة القانون وبناء السلام
وفي هذا السياق، يظل القانون الدولي هو الإطار المرجعي الأهم، لأنه لا ينطلق من منطق الغلبة، بل من منطق التنظيم: احترام سيادة الدول، حظر استخدام القوة إلا في أضيق الحدود، حماية المدنيين، وعدم سقوط المساءلة حتى في زمن النزاع. ولهذا، فإن أي تقييم قانوني للتصعيد الراهن يجب أن يبدأ من القاعدة الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة، وهي حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، مع بقاء الدفاع الشرعي عن النفس استثناءً محدودًا لا يُصار إليه إلا عند وقوع هجوم مسلح فعلي.
ومن ثم، فإن وصف الاعتداء لا ينبغي أن يُستخدم سياسيًا على نحو فضفاض، بل يُفهم قانونًا بوصفه استعمالًا غير مشروع للقوة المسلحة على نحو يخالف أحكام الميثاق.
ومن هذه الزاوية، فإن الاعتداءات التي تطال دولًا عربية لا يمكن اختزالها بوصفها أثرًا جانبيًا لأزمة أوسع، لأنها تمس في جوهرها مبدأ السيادة والمساواة القانونية بين الدول، وتهدد أحد الأسس المركزية للنظام الدولي المعاصر. وينطبق المنطق نفسه على استهداف قمة الهرم السياسي في أي دولة. فاغتيال رئيس دولة أو من هو في حكمه، في سياق مواجهة دولية، ليس مجرد إجراء عسكري لافت، بل يطرح إشكاليات قانونية معقدة تتصل ابتداءً بشرعية اللجوء إلى القوة ذاتها، ثم بمدى انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني على الشخص المستهدف وطبيعة النزاع القائم.
ومع ذلك، يظل المبدأ الأوضح هو أن العمل الذي يتولد عن استخدام غير مشروع للقوة لا يكتسب المشروعية لمجرد طابعه العملياتي أو رمزيته السياسية. فالقانون الدولي لا يجيز تحويل استراتيجيات "قطع الرأس" إلى بديل مقبول عن الدفاع الشرعي أو عن أنظمة الأمن الجماعي. كما أن التذرع بالدفاع عن النفس لا يؤدي إلى تعليق بقية الالتزامات القانونية. فالاستناد إلى المادة 51 من الميثاق يظل مقيدًا بشروط الضرورة والتناسب، وبواجب الإبلاغ الفوري لمجلس الأمن، فضلًا عن ارتباطه الوثيق بقيام هجوم مسلح حقيقي، لا بمجرد التصورات الاحتمالية أو التقديرات السياسية الموسعة.
ومن ثم، لا يجوز تحويل هذا الاستثناء إلى سند مفتوح يبرر الضربات الممتدة، أو يتيح المساس بدول أخرى، أو يوسّع مفهوم الهدف العسكري إلى الحد الذي يفرغه من انضباطه القانوني. ومتى بدأت الأعمال العدائية، دخلت مجموعة أخرى من القواعد الحاكمة، هي قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجوم. فحماية المدنيين ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل التزام قانوني صريح.
ولا يجوز استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية مباشرة، كما لا يجوز تنفيذ هجمات عشوائية أو عمليات يُتوقع أن تُحدث أضرارًا مدنية مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة منها. ومن هنا تكتسب الهجمات على البنية التحتية المدنية حساسية خاصة في التقييم القانوني. فالمطارات والموانئ والمنشآت الطاقوية والمرافق المائية والمستشفيات وشبكات الاتصال قد تكون ذات أهمية استراتيجية، لكن هذه الأهمية لا تنزع عنها الحماية المدنية بصورة تلقائية.
فالعبرة ليست بالوصف السياسي أو الإعلامي، وإنما بمدى تحولها قانونًا إلى أهداف عسكرية وفقًا للمعايير المعروفة. وحتى في هذه الحالة، لا يسقط واجب تقدير الآثار المتوقعة على السكان المدنيين، بما في ذلك الانعكاسات الواسعة على الصحة العامة، والأمن الغذائي، والخدمات الأساسية، والحياة اليومية بوجه عام. وكثيرًا ما يُساء فهم مبدأ التناسب، إذ يجري التعامل معه وكأنه مقارنة عامة بين خسائر طرف وآخر، أو كأنه تقييم سياسي لعدالة القضية محل النزاع. غير أن التناسب في معناه القانوني أضيق وأدق من ذلك بكثير.
فهو يتعلق بسؤال محدد: هل الأضرار المدنية العرضية المتوقعة من هجوم معين ستكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة من ذلك الهجوم؟
ولهذا فإن التناسب ليس أداة تبرير لاحقة، بل معيار سابق على التنفيذ، يدخل في صميم القرار العملياتي ويظل خاضعًا لاحقًا للمراجعة والمساءلة. ولا تقف الالتزامات القانونية عند حدود تنظيم سير العمليات. فبعد وقوع الهجمات أو توجيه الاتهامات بشأنها، تنشأ التزامات أخرى لا تقل أهمية: التحقيق الجدي في الادعاءات الموثوقة، وحفظ الأدلة، والتعاون مع آليات التحقق المشروعة، والوفاء بما يفرضه الميثاق أو القانون الدولي من إبلاغ أو تعاون.
كما أن إثبات سقوط الضحايا المدنيين لا يتم عبر البيانات السياسية أو السجالات الإعلامية، بل من خلال وسائل الإثبات المعروفة: الأدلة الفنية، وصور الأقمار الصناعية، وإفادات الشهود، والسجلات الطبية، وتحليل الذخائر، وسلسلة القيادة، وأعمال تقصي الحقائق المستقلة.
وفي هذا الإطار، تستطيع الأمم المتحدة أن تؤدي دورًا مهمًا، سواء عبر مجلس الأمن، أو من خلال تقارير الأمين العام، أو لجان التحقيق، أو بعثات تقصي الحقائق، أو غير ذلك من الآليات الرامية إلى توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات. أما المساءلة، فهي ليست حكرًا على محكمة بعينها، ولا تنحصر في طريق قانوني واحد. فقد تتحقق عبر القضاء الوطني، أو التحقيقات الدولية، أو قواعد مسؤولية الدولة، أو المطالبات بالتعويض، أو آليات مجلس الأمن، أو غير ذلك من الوسائل القانونية والدبلوماسية.
وأهميتها لا تكمن فقط في العقاب، بل كذلك في الوظيفة الوقائية التي تؤديها؛ فهي تؤكد أن الضرورة العسكرية والتنافس الجيوسياسي لا يمحوان الحدود القانونية، وأن بقاء القانون فاعلًا هو ما يمنع تحول النزاع المسلح إلى فضاء مفتوح بلا ضابط. وفي هذا الإطار الأشمل ينبغي فهم الموقف المصري. فإدانة القاهرة للاعتداءات الواقعة على دول عربية لا تعبر عن انفعال سياسي عابر، ولا عن اصطفاف دبلوماسي مجرد، بل تستند إلى قراءة قانونية واضحة مفادها أن المساس بأراضي الدول العربية وسيادتها وبنيتها المدنية يمثل انتهاكًا لقواعد الميثاق، ومساسًا بمبدأ سلامة الإقليم، وإسهامًا مباشرًا في توسيع النزاع على نحو يهدد السلم والأمن في الإقليم بأسره.
ولهذا جاء الخطاب المصري متسقًا في رفضه لهذه الاعتداءات، وفي تشديده على احترام السيادة وحسن الجوار، وفي التحذير من خطورة استهداف المنشآت المدنية والحيوية على استقرار المنطقة. ومن المنطلق نفسه، يتعين فهم التأكيد المصري المتكرر على أن أمن الإقليم العربي، ولا سيما فضائه الخليجي، يرتبط بالأمن القومي المصري ارتباطًا وثيقًا. فهذه ليست عبارة إنشائية، بل تعكس إدراكًا قانونيًا واستراتيجيًا معًا بأن المساس المتكرر بسيادة الدول في جزء من الإقليم العربي ينعكس على سلامة الإقليم كله، ويقوض قواعد الاستقرار المشترك فيه.
كما أن ترابط المنطقة في مجالات الطاقة والملاحة والتجارة والأمن يجعل من غير الممكن التعامل مع الاعتداءات على الدول العربية بوصفها أحداثًا معزولة أو بعيدة الأثر. ومع ذلك، فإن الموقف المصري لا يقتصر على الإدانة. فميثاق الأمم المتحدة لا يكتفي بحظر الاستخدام غير المشروع للقوة، بل يقرر كذلك أن المنازعات الدولية ينبغي أن تُعالج بالوسائل السلمية. ومن هنا يكتسب التحرك المصري الرامي إلى التهدئة ومنع الانزلاق إلى تصعيد أوسع أهميته القانونية والسياسية معًا.
فالدعوة إلى خفض التصعيد، وتكثيف المشاورات، والبحث عن حلول سياسية، لا تعني التهاون في رفض الاعتداءات، بل تعني إعطاء أثر عملي لالتزام موازٍ في القانون الدولي، هو صون السلم والأمن الدوليين ومنع تفاقم النزاعات. وعلى هذا الأساس، تمتلك مصر أدوات متعددة للتحرك دون الانخراط في مسار عسكري مباشر.
فهي تستطيع اللجوء إلى الاحتجاج الدبلوماسي، ودعم التحرك العربي الجماعي، والدفع نحو اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته، ومساندة التحقيقات الدولية في الانتهاكات المزعومة، وتفعيل الأطر القانونية للتعاون الإقليمي، وتوظيف قنواتها الدبلوماسية لتكريس مبدأ عدم جواز الاعتداء على الدول العربية.
وهذه الأدوات لا تتعارض مع ضبط النفس، بل تجسد دور الدولة الإقليمية المسؤولة التي تجمع بين الدفاع عن الشرعية ومنع تمدد الصراع. ولعل هذه النقطة هي الأهم في مجمل الموقف المصري: فليس ثمة تناقض بين إدانة الاعتداءات بوصفها غير مشروعة، والوقوف إلى جانب الدول العربية، والتمسك بالسيادة كخط أحمر، وبين الإصرار في الوقت ذاته على أن الحل لا يكون بتوسيع المواجهة العسكرية.
فذلك ليس ازدواجًا، بل اتساق قانوني وسياسي. لأن القانون الدولي يفرض في آن واحد مقاومة الاستخدام غير المشروع للقوة، وبذل الجهد الجاد لمنع اتساع النزاع. وفي المحصلة، فإن الخيار المطروح على المنطقة ليس بين القانون والأمن، بل بين أمن تحكمه قواعد القانون، وأمن زائف تؤسسه دوامات الرد الدائم والتصعيد المفتوح.
ومن هذا المنظور، يبدو الموقف المصري منسجمًا مع منطق الشرعية الدولية: رفض الاعتداءات على الدول العربية، التأكيد على أن الأمن العربي كل لا يتجزأ، والتمسك بأن التهدئة والدبلوماسية ليستا تعبيرًا عن الضعف، بل مقتضى من مقتضيات المسؤولية القانونية والسياسية الرشيدة.
وفي زمن تختلط فيه القوة بالاستراتيجية، قد تكون هذه هي الرسالة الأوضح التي تحتاجها المنطقة اليوم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في لحظات التوتر الإقليمي المتصاعد، لا يكون الخطر في اتساع دائرة العنف وحده، بل كذلك في ضبابية المعايير التي يُنظر...
مع قدوم عيد الفطر المبارك، تتغير أنماط الحياة اليومية بشكل ملحوظ، حيث تزداد الزيارات العائلية، والخروج إلى الحدائق والمتنزهات، وتناول...
"بين فصول السنة، تكمن الثغرات التي تتسلل منها العدوى.. فكيف نسد هذه الثغرات؟ لنتعرف معا على 'كلمة السر' في تعزيز...
الأول من شوال ليس شروق شمس عادي، بل هو بزوغ فجر الجائزة الكبرى الملكية المانح لها هو الله تعالى، يمنحها...