قيم الأخبار والذكاء الاصطناعي

اصبح الحديث عن الشرف الإعلامي ضرورة ملحّة في لحظة تتغير فيها أدوات صناعة الخبر بسرعة غير مسبوقة.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

إن الذكاء الاصطناعي لم يدخل غرف الأخبار ضيفا عابرا ، بل دخلها قوة عاصفة تعيد تشكيل طرق جمع المعلومات وصياغتها ونشرها، وتفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة أمام إمكانات غير محدودة من التزييف والتضليل.

لم يعد السؤال اليوم كيف ننتج الخبر بأسرع الأدوات ؟ بل كيف نضمن صدقه في عالم يستطيع فيه برنامج واحد أن يكتب تقريرًا، ويصنع صورة، ويولّد مقطع فيديو يصعب تمييزه عن الواقع؟

ومع انتشار تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) وتطبيقات توليد النصوص والصور، باتت الحدود بين الحقيقي والمصطنع أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وهنا يقف الشرف الإعلامي أمام اختبار تاريخي !

الميثاق الأخلاقي في جوهره ليس وثيقة معلّقة على جدار مقر المؤسسة الإعلامية بل منظومة قيم تحكم وتتحكم في القرار التحريري لحظة بلحظة !

الدقة تعني التحقق من المعلومات من مصادر متعددة، لا الاكتفاء بمخرجات خوارزمية. والموضوعية تقتضي عرض الوقائع كما هي، لا كما توجّهها البيانات المنحازة أو النماذج المدربة على محتوى غير منقّى.

أما الشفافية فتصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل تم استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد المادة؟ هل جرى تعديل الصور أو المقاطع؟ وهل يعرف الجمهور ذلك بوضوح؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في استخدامها بلا ضوابط. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة داعمة للتحقيق الاستقصائي، وتحليل البيانات الضخمة، ورصد الأنماط الخفية في الوثائق. لكنه قد يتحول أيضًا إلى وسيلة لإنتاج محتوى سريع، يفتقر إلى السياق والدقة، ويُغري المؤسسات باللهاث وراء “الترند” على حساب الحقيقة.

وهنا تتجلى أهمية التمييز الصارم بين الخبر والرأي والتحليل. فإذا كانت الخوارزميات قادرة على توليد نصوص متماسكة لغويًا، فإنها لا تتحمل مسؤولية أخلاقية عن أثر ما تنتجه. المسؤولية تبقى بشرية بالكامل. الصحفي هو من يقرر النشر أو الحجب، التحقق أو التساهل، التصحيح أو المكابرة. لذلك فإن الشرف الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي يبدأ من وعي الصحفي بحدود الأداة التي يستخدمها.

كما أن حماية الكرامة الإنسانية تصبح أكثر تعقيدًا. صورة مفبركة قد تدمّر سمعة شخص في دقائق. ومعلومة غير دقيقة قد تشعل موجة كراهية يصعب احتواؤها. في بيئة رقمية تنتشر فيها الأخبار بسرعة الضوء، يصبح تصحيح الخطأ أقل تأثيرًا من الخطأ ذاته. ومن ثمّ، فإن المحاسبة والاعتراف العلني بالهفوات لم يعدا خيارًا تجميليًا، بل ضرورة لاستعادة الثقة.

المؤسسات الإعلامية الكبرى بدأت بالفعل في وضع سياسات واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تتضمن الإفصاح والرقابة التحريرية البشرية الصارمة. غير أن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا في الفضاء الرقمي المفتوح، حيث يختلط الصحفي المحترف بالمستخدم الهاوي، وتتنافس المنصات على جذب الانتباه بأي وسيلة.

الضغوط الاقتصادية والسياسية تزيد المشهد تعقيدًا. فحين يصبح المحتوى سلعة تُقاس بعدد المشاهدات، قد تتراجع المعايير الأخلاقية أمام إغراء الأرباح. وهنا يظهر الفارق بين مؤسسة ترى الإعلام رسالة، وأخرى تراه مجرد صناعة محتوى. الشرف الإعلامي هو الخط الفاصل بين الاثنين.

إن عاصفة الذكاء الاصطناعي لن تتوقف، ولن يكون الحل في مقاومتها أو تجاهلها، بل في تقنين استخدامها أخلاقيًا ومهنيًا. المطلوب ليس الخوف من التقنية، بل إخضاعها لقيم واضحة: دقة، شفافية، إنصاف، احترام للخصوصية، والتزام بالمصلحة العامة. كما أن إشراك الجمهور في عملية التقييم، وتوفير آليات واضحة للتصحيح والتفاعل، يعززان مناعة المؤسسة ضد الانزلاق المهني.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: من يحرس الحقيقة في زمن الخوارزميات؟ الجواب ليس في البرامج ولا في الأكواد، بل في الضمير المهني. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على توليد المحتوى، فإنه غير قادر على توليد القيم. تلك مسؤولية بشرية خالصة.

الشرف الإعلامي، إذن، ليس شعارًا يُرفع في مواجهة العاصفة، بل بوصلة توجه السفينة وسط الأمواج. وإذا فقد الإعلام هذه البوصلة، فلن تكون المشكلة في قوة العاصفة، بل في غياب الاتجاه.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قيم الأخبار والذكاء الاصطناعي

اصبح الحديث عن الشرف الإعلامي ضرورة ملحّة في لحظة تتغير فيها أدوات صناعة الخبر بسرعة غير مسبوقة.

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...