وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس

حكايات رمضانية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة حصرية عبر (موقع أخبار مصر) نقدم سلسلة مقالات لا تكتفي بسرد التواريخ، بل تفتش في ضمير الزمن لتبوح بأسرار الحجر وحكايات البشر؛ نكشف فيها الستار عن صفحات مطوية من مجدنا الوطني، لنعيد قراءة الهوية المصرية برؤية معاصرة تربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل." واليوم حكايتنا عن وحوى يا وحوى "إياح حتب" وقصة تحطيم جبروت الهكسوس..

د. عبد الرحيم ريحان
عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للآثار

 

أغنية "وحوي يا وحوي... إياحة" جملة قيلت للملكة ‏‏ "إياح حتب" تعنى بالهيروغليفية "هل القمر"، تكريمًا لها لدورها ‏العظيم في المعارك المتتالية التي خاضها الجيش المصري حتى انتصر على الهكسوس وتم طردهم من ‏مصر.

وقد قدمت "إياح حتب" زوجها ونجلها الأكبر للمعركة ولم تستسلم للهزائم ودفعت نجلها الثاني الملك ‏أحمس الذي انتصر على الهكسوس وبعد الانتصار وأثناء عودة الملكة "إياح حتب" إلى أرض طيبة "الأقصر"، خرج الشعب ‏المصري واستقبلها وهم يحملون المشاعل ويرددون "وحوي يا وحوي... اياحة تقديرًا لها واحتفالًا بالنصر.

والحكاية تسجل أعظم انتصارات المصريين ووثقها أديب نوبل نجيب محفوظ في رواية “كفاح طيبة” تصور كفاح شعب مصر في سبيل استرداد حريته وطرد الغزاة الهكسوس من بلادهم في إسقاط تاريخي للأحداث على كفاح الشعب المصري في أوائل القرن العشرين للتحرر من الاحتلال البريطاني، واليوم نعتبرها نموذجًا لوقوف شعب مصر صفًا واحدًا مع قيادته السياسية في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة.

أفراس النهر

بدأت القصة برسالة من حاكم الهكسوس (أبوفيس) المقيم في الدلتا وكانت رسالة استفزازية إلى الملك المصري "سقنن رع" في طيبة، يزعم فيها أن أصوات أفراس النهر في بحيرته المقدسة تقض مضجعه، متخذًا منها ذريعة لبدء الحرب والتي كانت سببًا في اتحاد المصريين وبداية حرب التحرير، ادعى ملك الهكسوس "أبوفيس" (أو أبيبي) أن أصوات أفراس النهر في "طيبة" (الأقصر حاليًا) تزعجه في مقر حكمه في "أواريس" (شمال الدلتا).

والهدف الحقيقي أن أفراس النهر كانت رمزًا للحماية والعبادة في مصر القديمة بينما قدّس الهكسوس الإله "ست" الذي يرتبط بشكل غير مباشر بفرس النهر والقصة توضح أن الطلب كان مجرد ذريعة لإعلان الحرب وإخضاع طيبة، وقابل "سقنن رع" هذا التهديد بالرفض وبدأ بتجميع رجاله مما أدى إلى مناوشات قتالية قُتل فيها الملك المصري.

إرهاصات التحرير

تشير الدكتورة رنا التونسي نائب رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى احتلال الهكسوس مصر بالتزامن مع الأسرات الخامسة عشر والسادسة عشر وجزء من عصر الأسرة السابعة عشر، ولم يدخلوا مصر في هيئة جيش محارب بل قبائل متفرقة تشبه خطة توطين سيناء أو كما وصفها الدكتور عبد العزيز صالح “تحركات شعبوية كبيرة” تحت ضغط ظروف معينة قد تكون طبيعية أو بشرية غير معروفة لنا حتى الآن، ورجح البعض أن النقش الشهير الموجود على الجدار الشمالي لمقبرة (خنوم- حتب الثاني) عمدة إقليم “منعت خوفو” أو “مرضعة خوفو” الذي يسجل دخول عددًا من “العامو” هو تصوير لدخول الهكسوس مصر.

وتنوه الدكتورة رنا التونسي إلى أن إرهاصات التحرير بدأت من جنوب مصر وتحديدًا من إقليم طيبة حيث استطاع المصريون أن يمدوا نفوذهم حتى أبيدوس ويزيحوا الهكسوس ونفوذهم شمالًا حتى حدود القوصية، وتولت أسرة عظيمة في نهاية عصر الأسرة السابعة عشر أمر تحرير مصر من الهكسوس وهم الملك “سقنن رع” والملكة الزوجة والأم “إعح حتب” والأبن الأكبر “كامس” والإبن الثاني ”أحمس” وأخدوا على عاتقهم حتمية طرد الهكسوس من مصر.

وتكشف الوثائق الأثرية قصة كفاح طيبة من خلال بردية كتبها طالب مصري يدعى”بنتاورة أو بنتاور” بعد خروج الهكسوس من مصر بحوالي 300 عام موضحًا بداية الصراع والاحتكاك بين حكام طيبة والهكسوس وقصة الاشتباك بين حاكم طيبة “سقتن رع” وملك الهكسوس “أبيبي” أو “أبوفيس” في أولى معارك التحرير والمصدر الثاني لهذه الأحداث هي جدران مقبرة القائد “أحمس بن أبانا” بالكاب الذي شهد على أحداث طرد الهكسوس أثناء خدمته العسكرية.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الملكة تي
سيناء ارض مقدسة
حجر رشيد
امهات عبر التاريخ
الامومة في مصر القديمة
عين جالوت
احتفال العيد
العيدية دنانير

المزيد من مقالات

هل بات القانون الدولي عديم الفائدة، أم أننا نحاكمه بجرائم من ينتهكونه؟

في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...

القانون وحماية الطفل في العصر الرقمي: أمان الأسرة يبدأ من الوعي

لم يعد الطفل يلتقي العالم من باب المدرسة والشارع والبيت فقط، بل صار يلتقيه أيضا من شاشة صغيرة تحمل المعرفة...

المرأة العاملة… طاقة الاقتصاد الكامنة

في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس قوة الاقتصاد بما يعلن عنه، بل بما لا يزال قادرا على تحقيقه. هناك أرقام...

لماذا نحاول إنقاذ من لا يريد أن يتغير؟ متلازمة المنقذ في العلاقات

في بعض العلاقات، لا يكون التعب هو الأكثر إيلاما، بل الإصرار على الاستمرار رغم هذا التعب. قد تجد نفسك تبذل...