"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة حصرية عبر (موقع أخبار مصر) نقدم سلسلة مقالات لا تكتفي بسرد التواريخ، بل تفتش في ضمير الزمن لتبوح بأسرار الحجر وحكايات البشر؛ نكشف فيها الستار عن صفحات مطوية من مجدنا الوطني، لنعيد قراءة الهوية المصرية برؤية معاصرة تربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل." واليوم حكايتنا عن المسحراتي في المجتمعات العربية، شخصية تراثية صنعها رمضان
د. عبد الرحيم ريحانعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للآثار
اشتهر المسحراتي في كافة المجتمعات الإسلامية لا سيما العربية وارتبط تواجده بشهر رمضان المبارك وتتعدد الروايات الخاصة بأول ظهور للمسحراتي، فهناك من أرجعها إلى الرسول صلى الله علية وسلم، الذى طلب من بلال بن رباح بأن يوقظ المسلمين فى شهر رمضان ليتسحروا، ومنهم من أرجعها إلى عصر الفاطميين لتتوالى من بعدهم على مر العصور، ورغم إختلاف الروايات وتعددها حول أول ظهور للمسحراتى، تظل تلك الشخصية التراثية حاضرة في كافة المجتمعات وتعكس جانب هام من طقوس الشهر الكريم والاحتفال به على المستوى الشعبي.
وفي هذا الصدد نرجع لدراسة تاريخية للدكتورة سهام عبد الباقي محمد باحثة أنثروبولوجية – كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة
المسحراتي في المعاجم العربية اسم وجمعها مسحراتية وهو لفظ يٌطلق على من يقوم بإيقاظ الناس لتناول السحور خلال شهر رمضان. وقد اشتٌق لفظ مسحراتي من كلمة سَحَر، وتعنى آخر الليل قبل أذان الفجر لذا يبدأ المسحراتي بمٌباشرة مٌهمة إيقاظ الناس قبل أذان الفجر بحوالي ساعتين ليترك لهم الوقت الكافي لتناول سحورهم والاستعداد لصلاة الفجر.
كان أول ظهور للمسحراتي في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي أصدر أمراً بأن ينام الناس مبكرين بعد صلاة التراويح فكان البديل أن يقوم الجنود بإيقاظ النيام بالدق على أبواب البيوت بالعصا ليتسحروا وأول من قام بإيقاظ الناس للسحور هو الوالي "عنبسة ابن إسحاق" سنة 228 هـ فكان يسير على قدميه من مدينة العسكر في الفسطاط حتى مسجد عمرو بن العاص متطوعًا، مناديًا "عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة".
حظيت مهنة المسحراتي في مصر باحترام وتقدير شعبي بعد أن قام بها الوالي بنفسه، ثم اعتمد المسحراتي في إيقاظ المصريين على الطبلة يحملها المسحراتي وهو يردد بعض الأناشيد والابتهالات والقصص الشعبية كحكايات ألف ليلة وليلة، وأبو زيد الهلالي، وعلي الزيبق.
وفي العصر المملوكي تولى مهنة المسحراتي "ابن نقطة"، وكان المسحراتي الخاص بالسلطان الناصر محمد، وكان شيخ طائفة المسحراتية في عصره وصاحب فن "القومة" وهي الابتهالات, وكان لكل منطقة أو حي مسحراتي خاص بها وكان غالبيتهم يمرون قبيل رمضان على البيوت ليكتبوا أسماء الناس على حوائط بيوتهم لينادوا عليهم بأسمائهم لإيقاظهم، كما كان ينادي على الأطفال تحفيزًا لهم على إنتظاره ومقاومة النوم ليتمكنوا من السحور الذي يمد أجسادهم الصغيرة بالطاقة اللازمة للصوم ، فكان بذلك يقوم بدور تربوي وإجتماعي، لذا حظيت تلك الشخصية بحب شعبي كبير من الكبير والصغير، لما بينها وبين الناس من معرفة، ومودة.
كان كثيرًا ما يأتي شهر رمضان في الشتاء القارص ورغم ذلك لم يكن هذا البرد ليمنع المسحراتي من إيقاظ الناس ولهذا أحبة الناس وبادلوه مشاعر المودة والمحبة، وكان غالبًا لا يكتفى المسحراتي بمهنته لأنها موسمية ترتبط بالشهر الكريم فقط، لذا كان يمارس طيلة العام أنواعًا متعددة من الأنشطة كالزراعة، التجارة، الصناعة المعمار.......الخ. فإذا ما أتى العيد يطرق المسحراتي الأبواب ليتقاضى أجرة من أهل الحي، أو المنطقة اللذين حرص على إيقاظهم طيلة شهر كامل، وغالبًا ما كانت تتراوح أجرته ما بين كعك العيد ، أو بعض الحلوى أو عيدية وكان الناس يجزلون له العطاء تقديرًا لجهوده المبذولة ويصافحونه ويهنئنونه بالعيد.
المسحراتي في المجتمعات الاسلامية
يعرف المسحراتي ببلاد المغرب باسم "النفار" مأخوذة من نفر لأنه يقوم بالنفخ على آلة النفخ النحاسية الطويلة الشهيرة، والتي ما زالت موجودة بين أهل القرى والأحياء الشعبية، وينشد "لا إله إلا الله لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ربي وحده، لا شريك له هو الوحيد سبحانه" وينفخ بالنفار 3 مرات.
بينما يعرف المسحراتي في لبنان بـ "الطبال" ويرتدي الملابس التقليدية والزي الشعبي اللبناني ممثلاً في العباءة أو الدشداشة البيضاء، مستخدمًا الطبلة متقاضيًا مبلغ من المال آخر أيام شهر رمضان الكريم.
وفي تركيا يطلق على المسحراتي اسم "الضافونجو" كما تقيم البلدية مسابقات فنية لاختيار المسحراتي على أساس براعته في قرع الطبول والأناشيد المسجوعة لتحفيز النيام على الاستيقاظ وقت السحور.
ويعود تاريخ المسحراتي في بغداد إلى عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي قبل أكثر من عشرة قرون، ومنذ ذلك التاريخ يحافظ العراقيون على هذا التقليد ويعدونه موروثًا شعبيًا يرتبط بعادات وتقاليد شهر رمضان، ويعرف المُسحراتي في العراق بـ(أبو الدمام) أو (أبو طبيلة) ينقر نقرات متتالية على الطبلة بعدها يصيح ثلاث مرات(سحور، سحور، سحور) وهكذا حتى قبل اذان الفجر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...
"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...
تشير العديد من الأبحاث الحديثة إلى أن الصيام ليس فقط مفيداً للجسم، بل يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية على...