"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة حصرية عبر (موقع أخبار مصر) نقدم سلسلة مقالات لا تكتفي بسرد التواريخ، بل تفتش في ضمير الزمن لتبوح بأسرار الحجر وحكايات البشر؛ نكشف فيها الستار عن صفحات مطوية من مجدنا الوطني، لنعيد قراءة الهوية المصرية برؤية معاصرة تربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل."
د. عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة
ترجع فكرة موائد الرحمن إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في أيام الفاطميين وهو ما يطلق عليها سماط الخليفة وموائد الرحمن وكان القائمين على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون راتبًا كبيرًا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان الكنافة والقطايف وغيرها وهناك أيضا دار الفطرة ومهمتها إعداد الكعك وما شابه لتوزيعه في ليالي الفطر والعيد وتعد بالقناطير لتوزع على مجموع المصريين في القاهرة كما كان يحرص الخليفة على إقامة مائدة إفطار رمضان تسمى سماط بحضور رؤساء الدواوين والحاكم والوزراء وكانت في هذا الوقت القاهرة مدينة خاصة للخليفة وخاصته وفرق الجيش المختلفة طبقًا لدراسة أثرية لعالم الآثار الإسلامية الدكتور علي أحمد الطايش رحمة الله عليه.
وتعددت الأسمطة (جمع سماط) الرسمية التي كان يحضرها الخليفة الفاطمي بنفسه فكان السماط يمد في قاعة الذهب بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان وفي العيدين والمولد النبوي وخمسة موالد وهى مولد سيدنا الحسين والسيدة فاطمة والإمام على والحسن والإمام الحاضر بالإضافة إلى "سماط الحزن" في يوم عاشوراء.
فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان رتب عمل السماط كل ليلة بقاعة الذهب إلى السادس والعشرين منه ويستدعى له قاضى القضاة ليالي الجمع توقيرًا له ويحضر الوزير فيجلس في صدر السماط فإن تأخر كان ولده أو أخوه وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب.
ويقول المؤرخ المقريزي عن سماط رمضان بقاعة الذهب " وكان قد تقرر أن يعمل أربعون صينية حلوى وكعك وأطلق برسم مشاهد الضرائح الشريفة لكل مشهد سكر وعسل ولوز ودقيق ويعمل خمسمائة رطل حلوى تفرق على المتصدرين والقرّاء والفقراء ثم يجلس الخليفة في منظرة القصر ويتوافد كبار رجال الدولة ويتلو المقرئون القرآن الكريم ثم يتقدم خطباء الجامع الأنور وجامع الأزهر وجامع الأقمر مشيدين في خطبتهم بمناقب الخليفة ثم ينشد المنشدون ابتهالات وقصائد عن فضائل الشهر الكريم ".
الموائد في العصر المملوكي
اشتهر العصر المملوكي في مصر بتوسعة الحكام على الفقراء والمحتاجين في شهر رمضان ومن مظاهر هذه التوسعة صرف رواتب إضافية لأرباب الوظائف ولحملة العلم والأيتام ولا سيما من السكر الذي يتضاعف كمية المستهلك منه في هذا الشهر بسبب الإكثار من عمل الحلوى.
واشتهرت في هذا العصر الأوقاف الخيرية التي كان يخصصها الأمراء والسلاطين لإطعام الفقراء والمساكين في شهر رمضان عن طريق موائد الرحمن وتوزيع الطعام المجهز عليهم والذي كان يشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان فقد نصت وثيقة وقف السلطان حسن بن قلاوون على الآتي " يصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان ثمن عشرة قناطير من لحم الضأن وثمن أربعين قنطارا من خبز القرصة وثمن حب الرمان وأرز وعسل وحبوب وتوابل وأجرة من يتولى طبخ ذلك وتفرقته وثمن غير ذلك مما يحتاج إليه من الآلات التي يطبخ بها فيطبخ ذلك في كل يوم من أيام الشهر الكريم".
ولم تقتصر هذه الأوقاف الخيرية على موائد رمضان وتوفير الطعام للفقراء والمساكين بل امتدت رسالتها إلى التوسعة عليهم يوم عيد الفطر ليعيشوا فرحة هذا اليوم وبهجته فكان ينص الواقفون على شراء كميات من الكعك والتمر والبندق لتوزيعها على المستحقين والفقراء.
وذكرت وثيقة وقف السلطان قايتباي" يصرف في كل سنة تمضى من سني الأهلة في يوم عيد الفطر توسعة لأرباب الوظائف بالجامع المذكور أعلاه ما مبلغه من الفلوس الموصوفة أعلاه ألفا درهم يوسع الناظر - أي ناظر الوقف - بذلك عليهم في يوم عيد الفطر على حسب ما يراه".
وقد استمرت موائد الرحمن مرتبطة بشهر رمضان عبر العصور الإسلامية المختلفة وظل الأغنياء يتسابقون إليها كل عام ويعدون لها العدة
باب الخيرات
"باب الزهومة" بشارع المعز لدين الله الفاطمي هو أحد تسعة أبواب بالسور الذي كان يحيط بالقصر الشرقي الكبير الذي أنشأه جوهر الصقلي قائد جيوش الفاطميين بمصر بأمر مولاه الخليفة المعز لدين الله وأنشأ مدينة القاهرة عام 358 هـ واختط قصرًا لإقامة المعز لدين الله أطلق عليه اسم القصر الشرقي الكبير وأدار عليه سورًا محيطًا به له تسعة أبواب أحداها يقال له باب الزهومة. ويشير الباحث الآثاري أبو العلا خليل إلى علاقة باب الزهومة بشهر رمضان حيث كان يطلق على هذا الباب أيضاً باب الزفر لأن اللحوم وحوائج الطعام التي كانت تدخل إلى مطبخ القصر من هذا الباب كان يشتمها المارة وكان يخرج من المطبخ المذكور مدة شهر رمضان ألف ومائتا قدر من جميع الألوان في كل يوم يفرق على أصحاب الحاجات والضعفاء ويشغل موقع هذا الباب حالياً بشارع المعز قاعة الحنابلة بالمدرسة الصالحية التي أنشأها الصالح نجم الدين أيوب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...
نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...