حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
كثيرًا ما نسأل أنفسنا بعد علاقة مُرهِقة:كيف انجذبتُ إلى هذا الشخص من البداية؟كيف تجاهلتُ الإشارات الواضحة؟ولماذا نكرر التجربة ذاتها، رغم وعينا ورغبتنا الصادقة في علاقة مختلفة؟
اللافت أن معظم هذه الأسئلة لا تُجاب من سطح العلاقة، بل من عمق النفس. فبعض اختياراتنا العاطفية لا تُصنع بقرار واعٍ، بقدر ما تُدار من منطقة خفية داخلنا… منطقة التعلّق.
الانجذاب العاطفي: ليس دائمًا قرارًا واعيًا
نميل إلى الاعتقاد أن الانجذاب نتيجة منطقية للإعجاب أو التوافق، لكن الواقع النفسي أكثر تعقيدًا.فالانجذاب العاطفي في كثير من الأحيان يحدث قبل التفكير، ويُبنى على إحساس مألوف أكثر منه إحساسًا آمنًا.
العقل الواعي يسأل: هل هذا مناسب؟أما اللاوعي فيسأل: هل هذا يشبه ما أعرفه؟
وهنا تبدأ المفارقة: قد ننجذب إلى من يعيد إلينا شعورًا قديمًا - حتى لو كان مؤلمًا - لأنه مألوف.
التعلّق: الجذر الخفي للاختيارات العاطفية
التعلّق ليس ضعفًا، بل آلية نفسية طبيعية تتكوّن في سنواتنا الأولى، حين نتعلّم كيف نقترب من الآخرين، وكيف نطلب الحب، وكيف نحتمي من الفقد أو الرفض.
ومن دون الدخول في تصنيفات معقّدة، يمكن القول إن أنماط التعلّق الأساسية تنعكس لاحقًا في علاقاتنا العاطفية:
من تعلّم أن الحب غير ثابت، قد يتعلّق بقلق.
من تعلّم أن القرب مؤلم، قد ينسحب أو يتجنّب.
ومن اختبر أمانًا نسبيًا، قد يقترب دون خوف مفرط.
المشكلة لا تكمن في وجود نمط تعلّق، بل في عدم الوعي به.
لماذا ننجذب إلى من لا يمنحنا الأمان؟
لأن النفس البشرية لا تبحث دائمًا عمّا هو صحي، بل عمّا هو مألوف.فاللاوعي لا يُجيد التمييز بين “ما أحتاجه” و“ما اعتدت عليه”.
ولهذا نسمع كثيرًا عبارات مثل:
“لا أشعر بالانجذاب إلا لمن يتعبني”
“الهادئون لا يلفتون انتباهي”
“حين يكون متاحًا، أشعر بالملل”
هذه ليست دلائل خلل في القدرة على الحب، بل مؤشرات على أن الانجذاب مرتبط بنمط قديم لم يُفكَّك بعد.
حين يتقاطع التعلّق مع الإدراك
كما أشرنا سابقًا في حديثنا عن الإدراك، فإننا نرى في العلاقات ما نبحث عنه أو ما نخشاه.والتعلّق يوجّه هذا البحث.
من يخشى الهجر، يبالغ في تفسير الصمت.ومن اعتاد الرفض، يتوقعه حتى في أبسط الخلافات.ومن تعلّم أن الحب يُنتزع، ينجذب إلى من لا يمنحه بسهولة.
وهكذا، لا نختار الشخص فقط، بل نختار القصة التي نعرف كيف نعيش داخلها.
هل يعني هذا أننا محكومون بتجاربنا الأولى؟
بالطبع لا.الوعي هو نقطة التحوّل.
حين نُدرك نمط تعلّقنا، يتحوّل الانجذاب من اندفاع إلى ملاحظة.نتعلّم أن نُبطئ، أن نميّز بين الشغف والراحة، وبين التوتر والاهتمام.
فليس كل انجذاب دعوة للاستمرار،وليس كل شعور قوي دليلًا على حب صحي.
كيف نكسر دائرة الانجذاب اللاواعي؟
1. الاعتراف بالنمطملاحظة ما يتكرر دون جلد للذات.
2. الفصل بين الأمان والإثارةفالعلاقة الصحية قد تكون أهدأ، لكنها أعمق.
3. إبطاء الاندفاع العاطفيلأن التعلّق السريع غالبًا يخفي احتياجًا لا وعيًا.
4. إعادة تعريف القربالقرب لا يعني الذوبان، ولا يجب أن يكون مؤلمًا ليكون حقيقيًا.
5. العمل على العلاقة مع الذاتفكلما زاد شعورنا الداخلي بالأمان، قلّ انجذابنا لما يستنزفنا.
ليست كل علاقة مؤلمة قدرًا،ولا كل انجذاب رسالة من القلب.
أحيانًا، ما نسمّيه “حبًا” هو صدى لتجربة قديمة تطلب الفهم، لا التكرار.وحين نمنح وعينا فرصة أن يسبق اندفاعنا، نبدأ في اختيار علاقات لا تشبه جراحنا… بل تشبه ما نستحقه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...
في عام 2017، داخل أحد مراكز رعاية المسنين في مدينة أوساكا اليابانية، كانت سيدة في الثمانين من عمرها تجلس بهدوء...