"المدجاي" عيون مصر الساهرة

كيف واجه الفراعنة لصوص المقابر ومؤامرات الاغتيال؟

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية. لم يكن مفهوم الأمن عند المصري القديم مجرد سلطة لفرض النظام، بل كان عقيدة دينية وفلسفية تهدف للحفاظ على "ماعت" (التوازن الكوني والعدالة المطلقة).

د. علي أبو دشيش

خبير الآثار المصرية ومدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث

 

من هنا، انبثق جهاز شرطة "المدجاي" والعيون الساهرة التي جابت الأسواق، وحرست المعابد، وطاردت لصوص المقابر، ليرسموا لنا صورة مذهلة لدولة المؤسسات التي قدّست القانون.


"أول جهاز شرطة في التاريخ"

لم تكتفِ العقلية المصرية القديمة ببناء المعجزات الهندسية، بل أسست "دولة القانون" التي قامت على مبدأ "ماعت" (العدل والتوازن الكوني).


الكلاب والقرود.. أول "K9" في التاريخ


في مفاجأة تاريخية، كانوا المصريين القدماء الرواد في استخدام الحيوانات المدربة أمنياً؛ حيث استعانت الشرطة بالكلاب البوليسية والقرود لتعقب المجرمين والقبض على اللصوص في الأسواق والجبانات، وهي الصورة التي تظهر بوضوح في النقوش الأثرية، حيث تظهر القردة وهي تمسك بالمجرمين من أرجلهم لمنعهم من الفرار.


من هم "المدجاي"؟

شهد جهاز الشرطة تطوراً نوعياً في الدولة الوسطى والحديثة، بظهور قوات "المدجاي". هؤلاء لم يكونوا مجرد حراس، بل قوة نظامية متخصصة ترتدي زياً موحداً، وتتمتع بمهارات تتبع مذهلة في الصحراء، مما جعلهم "الدرع الواقي" للملك والمقدسات.


أقسام متخصصة (شرطة للأسواق وأخرى للنيل)


كان النظام الأمني المصري القديم يضاهي الأنظمة الحديثة في تخصصاته، ومنها:

شرطة الأسواق: لمراقبة المكاييل والموازين ومنع الغش.

الشرطة النهرية: لتأمين شريان الحياة (النيل) وحماية السفن التجارية.

شرطة المقابر: التي خاضت معارك ضارية ضد لصوص الذهب في وادي الملوك.

الصندوق الأسود".. برديات تفضح الجرائم الكبرى

ومن الوثائق التاريخية "الصندوق الأسود" لعالم الجريمة، ومن أهمها:

بردية تورين القضائية: التي وثقت "مؤامرة الحريم" لاغتيال رمسيس الثالث، وكيف تم تشكيل لجنة تحقيق ملكية انتهت بإعدام المتورطين، بل ومعاقبة القضاة المرتشين.

برديات سرقات المقابر: التي كشفت عن صراع أمني وإداري بين عمدة شرق طيبة وغربها، مما يثبت وجود نظام "محاضر" ومعاينة لمسرح الجريمة منذ آلاف السنين.

عقوبات رادعة

نظام العقوبات:
كانت تتدرج من الجلد (100 جلدة) والأشغال الشاقة في المناجم، وصولاً إلى الإعدام بالحرق أو "الخزق" في جرائم الخيانة العظمى، وذلك لضمان "التطهير" وحرمان المجرم من الحياة الأخرى، لذا كان "الشرطي المصري القديم هو الحارس الأمين لحلم الخلود".

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

علي ابو دشيش
علي ابو دشيش

المزيد من مقالات

القانون ومواجهة خطاب الكراهية في العصر الرقمي

تبدأ كثير من الأزمات الكبيرة بكلمات قيلت باستخفاف، أو سخرية رددت حتى اعتادها الناس، أو خطاب أخذ يصف بعضهم بعضا...

المرأة قلب الأسرة النابض.. من رحمها يبدأ أمن المجتمع

لم تعد معركة الأسرة الحديثة تُخاض عند الأبواب، بل أصبحت تدور في صمتٍ داخل الغرف المغلقة، حيث يجلس الأبناء لساعات...

الفراشة والصرصار.. لماذا لا نحكم كما نعتقد؟

في موقف بسيط، قد نقف جميعا على نفس رد الفعل تقريبا. نرى فراشة، فنبتسم، نراقبها، وربما نشعر بشيء من الراحة...

فوائد واضرار لحوم الاضاحي

تعد اللحوم الحمراء من الأطعمة المحببة للعديد من الأفراد، وهي مصدراً غذائياً أساسياً، لاحتوائها على البروتينات وجميع الأحماض الأمينية الأساسية...