المقهى الدبلوماسي.. العفو يا صاحب العفو..

"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".. بهذه الكلمات نصح النبي صلى الله عليه وسلم زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تقولها إذا صادفت ليلة القدر.. بحسب رواية احمد والبيهقي والنسائي وغيرهم.. وهذا يعني عظم وعلو وأهمية قيمة العفو الذي لا نطلب غيره من الله إذا كان لنا نصيب ووافقنا ليلة القدر.. فما هو العفو..

العفو لغة: هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه.. واصل لفظ العفو المحو والطمس.. وكل من استحق عندك العقوبة فتركتها فقد عفوت عنه..
والعفو اصطلاحا: هو كف الضرر مع القدرة عليه.. فهو كل من استحق عقوبة.. وقدرة المُعتدى عليه على معاقبة من استحقها.. ويعود حق العقوبة له وحده.. ولكنه تركها فهذا الترك يُسمى عفوا..

وقيل أن العفو والصفح من المترادفات أو المشتركات المعنوية.. فالصفح لغة هو الإعراض عن الذنب.. واصطلاحا هو كف الضرر مع القدرة عليه.. وكل من استحق عقوبة وهو قادر على المعاقبة.. ويعود حقها له وحده فتركها.. فهذا الترك يسمى صفحا..
وقيل: هو ترك التأنيب.. أو ترك التثريب.. او ترك اللوم..

أما العفو فهو ترك عقوبة المذنب.. ويدل عليه قوله تعالى: "فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا" وذلك ترقيًا في الأمر بمكارم الأخلاق.. من الحسن إلى الأحسن.. ومن الفضل إلى الأفضل ..

وقال القرطبي: العفو: ترك المؤاخذة بالذنب.. والصفح هو إزالة أثره من النفس.. صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه..

أما الفرق بين العفو والغفران فهو أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب وإيجاب الثواب فلا يستحق الغفران إلا المؤمن المستحق للثواب.. فيقال غفر الله لك.. والعفو يقتضي اسقاط اللوم والذم ولا يقتضي إيجاب الثواب..

اما الفرق بين العفو والذلِّ فهو أن العفو إسقاط حقِّك جودًا وكرمًا وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام.. فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق.. بخلاف الذُّل.. فإنَّ صاحبه يترك الانتقام عجزًا وخوفًا ..

وجاء العفو أيضا بمعنى ما يفضل عن النفقة، حيث أُمرو ان ينفقوا الفضل في بداية الأمر الى ان فُرضت عليهم الزكاة..
"وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" ﴿219 البقرة﴾
كما يأتي بمعنى الزيادة في الطول.. كما في الحديث الشريف "حفوا الشوارب واعفوا اللحى" ..

لقد ورد لفظ العفو في القرآن الكريم في إحدى وثلاثين آية.. وبمعان متعددة من ضمنها..
جاء من اسماء الله الحسنى في خمس آيات.. منها..
"إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا" ﴿٤٣ النساء﴾
"وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا" ﴿٩٩ النساء﴾
"فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا" ﴿١٤٩ النساء﴾
"إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ" ﴿٦٠ الحج﴾
"وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ" ﴿٢ المجادلة﴾

وكذلك جاء بلفظة الفعل بمعنى السماح.. كالذي ورد في قوله تعالى: "ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"..
وقال تعالى: "اعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"..
ومعنى ذلك اعفنا من العقوبة وسامحنا بأن استر علينا سيئاتنا، فلا تفضحنا يوم الحشر الأكبر، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ..

ومن معاني العفو الاخرى التنازل للمرأة بنصف مهرها عند طلاقها قبل الدخول بها.. قال تعالى: "وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"..

وقال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ"..
والمراد بالمصيبة في سياق الآية الكريمة ما يقع على الانسان من بلاء بسبب ما ارتكبه.. ومعنى "وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" أي أنه تعالى يعفو ويمحو الذنوب التي ليس فيها اعتداء على أحد، ويسترها على المذنبين..

حيث روي عن أمير المؤمنين انه قال: "ألا اخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله ؟ هي قوله تعالى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" قال(عليه السلام )فسرها الرسول الأكرم (صل الله عليه واله وسلم ): (ما اصابكم من مرض او عقوبة او بلاء في الدنيا فبما كسبت ايدكم، والله تعالى أكرم من ان يثني العقوبة.. وما عفا الله تعالى عنه في الدنيا فالله سبحانه أحلم من أن يعود بعد عفوه) ..

وجاء العفو والصفح والغفران في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" ..
فالعفو هو ترك المعاقبة على الذنب.. والصفح هو الاعراض وترك المذنب دون عقاب وتوبيخ.. والغفران هو ستر الذنب وعدم اشاعته ..

وقال رسول الله (صل الله عليه واله وسلم ): "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله سبحانه إلا رفعه الله تعالى"..
وجاء رجل الى الرسول الأكرم (صل الله عليه واله وسلم ) فقال له يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت الرسول الأكرم ولم يجب الرجل مما اعاد الرجل سؤاله، فصمت الرسول الأكرم ايضا، فلما كان في الثالثة قال (صل الله عليه واله وسلم ) له: "اعفو عنه في كل يوم سبعين مرة"..

هذا هو العفو كما تعلمناه وعلمناه عن الله ورسوله..

وبينما أنا في حالة أتأرجح فيها بين العفو والصفح والغفران.. شعرت بمن يربت على كتفي وانا بين اليقظة والنوم على مقعدي بالمقهى الدبلوماسي.. وقد تيبست يدي على فنجان قهوتي الفرنسية .. والتي تجمدت هي الأخرى دون ان اخذ منها رشفة واحدة.. وإذا بصديقي العزيز يقول.. هو يعني إيه العفو الرئاسي ده.. يعني الريس يقدر يخرج أي حد محكوم عليه في السجن.. ولا انا فاهم غلط..

فاعتدلت وابتسمت.. وشعرت ان العفو ورايا ورايا.. وقلت له..
من صلاحيات الرئيس الدستورية واللي منحها له دستور سنة 2014 في المادة 155 انه لرئيس الجمهورية حق اصدار قرار بالعفو الرئاسي عن المسجونين أو تخفيف عقوبتهم، ولا يتم العفو الشامل إلا بموافقة غالبية أعضاء مجلس النواب..
والعفو الرئاسي يشمل نوعين من القرارات هما العفو الشامل والعفو عن باقي أو جزء من العقوبة..

بشرط انه لا يكون محكوما عليه في قضية مخلة بالشرف ولا قضايا قتل عمد ولا إخلال بأمن الوطن.. ولا ان يكون من المحكوم عليهم في الجرائم الخاصة بالجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من الخارج والداخل.. والمفرقعات والرشوة وجنايات التزوير.. والجرائم الخاصة بتعطيل المواصلات.. والجنايات المنصوص عليها في القانون الخاص بالأسلحة والذخائر.. وجنايات المخدرات والإتجار فيها.. وجنايات الكسب غير المشروع ..

ولا أن يكون محكوما عليه في قضايا الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لإستثمارها.. والجرائم المنصوص عليها في قانون الطفل.. والجناية المنصوص عليها في قانون مكافحة غسل الأموال..

ويحق للرئيس العفو عن العقوبة كاملة أو تخفيفها حتى في عقوبة الإعدام يحق له تخفيفها إلى السجن المؤبد مثلا..

كما أن قرارات العفو الرئاسي من اختصاصات رئيس الجمهورية ومن أعمال السيادة.. وليس هناك شروط معينة للاختيار.. فقد يختار الرئيس المعفى عنهم وفقا لإعتبارات صحية.. أو إنسانية.. أو وفقا للمصلحة العامة.. أو قد يرى أن هناك تجاوزا في معاقبة البعض فيصدر قرارا بالعفو عنهم..

وإلى هنا قام صديقي واقفا ومغادرا وهو يقول .. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنا.. فاجبته قائلا.. اللهم أمين يارب العالمين..

وللحديث بقية..
لمزيد من المقالات

المقهى الدبلوماسي.. سوريا.. إلى أين!؟

حمودة كامل

حمودة كامل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر بشتاك

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص