شوقى محمد فرج:حصاد الثورة المصرية

  • الإثنين، 25 فبراير 2013 10:43 ص

رفعت الثورة المصرية عند قيامها فى 25 يناير 2011 شعارا يلخص أهدافها بامتياز: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». إن ترجمة هذا الشعار تعنى بالضرورة بناء نظاما سياسيا يؤكد ويعمق معنى الحرية لجميع أفراد الشعب، كما تعنى ضرورة إعادة صياغة النظام الاقتصادى بما يؤدى إلى زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع،

رفعت الثورة المصرية عند قيامها فى 25 يناير 2011 شعارا يلخص أهدافها بامتياز: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». إن ترجمة هذا الشعار تعنى بالضرورة بناء نظاما سياسيا يؤكد ويعمق معنى الحرية لجميع أفراد الشعب، كما تعنى ضرورة إعادة صياغة النظام الاقتصادى بما يؤدى إلى زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع، وبما يضمن النهوض بمستوى معيشة الفقراء ومحدودى الدخل فى المجتمع المصرى.

والآن، وبعد مرور عامين على الثورة فمن الواجب تقييم ما تم إنجازه وتحديد أولويات ما ينبغى العمل على تحقيقه فى المرحلة المقبلة.
•••
بداية، يتبين أن واقع ما بعد الثورة قد فرض على الحكومات التى تعاقبت بعدها على أن تولى اهتماما كبيرا لاستعادة الأمن وإعادة تدوير عجلة الإنتاج، كما عملت على احتواء الثورة والثوار داخل الأطر القانونية والاستجابة للمطالب الفئوية لمجموعات متزايدة من العاملين بالقطاعين العام والخاص، فى محاولة لامتصاص الآثار المتراكمة عن سوء السياسات المتعلقة بالعمالة والأجور. ومن ثم فيمكن القول بأن أداء حكومات ما بعد الثورة قد انحصر أساسا فى تسيير الأعمال والحفاظ على تماسك الدولة، وهو ما نجحت فى تحقيقه بالنظر إلى الظروف العصيبة التى مرت بها البلاد خلال تلك الفترة.

وفيما يتعلق بوضع أسس نظام سياسى يقوم على الحرية والتعددية والديمقراطية فيمكن القول بأن تقدما كبيرا قد تحقق فى هذا الاتجاه، على الرغم من اختلاف الآراء حول الأولويات والنتائج التى تم التوصل اليها، من قبيل الدستور ــ والذى تم الاستفتاء عليه فى ظل انقسام عميق فى تفكير النخبة حياله، وبخاصة بعض مواده. ومع ذلك فإن وجود إطار حاكم للنظام السياسى، وعدم إمكانية استعادة النظم القمعية والدكتاتورية يمثل الإنجاز الأعظم للثورة المصرية، والذى نأمل أن يحافظ الشعب عليه، وأن تتعمق ثقافة الحوار والعمل الجماعى والديمقراطية والشفافية فى المجتمع المصرى.

أما فيما يتعلق بإعادة صياغة النظام الاقتصادى فيمكن القول بأنه لم يحدث تقدم يذكر فى هذا المجال. ودعنا نتذكر أنه بحلول عام 2011 كانت مصر قد أكملت دورة كاملة يعود بها وضع الاقتصاد إلى ما قبل ثورة 1952: زيادة نسبة المصريين تحت خط الفقر، أرتفاع نسبة العاطلين عن العمل، زيادة الفوارق بين الدخول بدرجات عالية، انخفاض مستوى الخدمات العامة مثل التعليم والصحة (مع انعدام البدائل عند غير القادرين)، استشراء الفساد المالى والادارى.
•••

وفى مواجهة هذه المشكلات أعطت حكومة ما بعد الثورة أولوية كبرى للتوجه لصندوق النقد الدولى للحصول على قرض مقداره 3.8 مليار دولار، وذلك فى ظل غياب توافق حول برنامج لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتصور لدور القروض الخارجية فى تنفيذ مثل هذا البرنامج. وسوف يذكر التاريخ للمجلس العسكرى، برئاسة المشير محمد حسين طنطاوى، رفضه تحميل مصر بقروض وشروط جديدة، تاركا القرار فى هذا الأمر للأجهزة التنفيذية والتشريعية المنتخبة.

إن التوجه للاقتراض ليس حلا للمشكلات المعقدة التى يعانى منها الاقتصاد المصرى، وإنما هو مسكن يؤجل المشكلة إلى فترات مستقبلية. ولكن يبدو أن مصر قد اعتادت اللجوء إلى هذا الطريق كما أوضح الاقتصادى الكبير د. جلال امين (فى مقال بجريدة الشروق بتاريخ 26 يناير)، حين أشار إلى مناسبات سابقة لجأت مصر فيها للاعتماد على الاقتراض من الخارج رغم ما لهذا الاعتماد من ثمن السياسى واقتصادى باهظ.

ومن الواجب التنويه أن عجز الموازنة ليس مشكلة مصرية فريدة، ولكنه مشكلة تواجهها العديد من الدول بما فيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وعلاجه لا يخرج عن زيادة الإيرادات وخفض المصروفات أو الاثنين معا، كما يطالب الكونجرس الأمريكى الرئيس أوباما. وبالنظر إلى الحالة المصرية نجد أن زيادة الايرادات عن طريق الضرائب محدود الأثر، لأن العبء الضريبى يقع عادة على محدودى الدخل. والحل إذن هو ضرورة تخفيض النفقات، وهو ما يثير موضوع تخفيض الدعم أو ترشيده أو إلغاءه، وهى القضية المطروحة منذ عام 1982 وحتى يومنا هذا دون التوصل إلى توافق حول كيفية التعامل معها.

وكانت جريدة الأهرام قد نشرت فى عددها بتاريخ 4 فبراير ملخص لتقرير وزارة المالية عن الأداء الاقتصادى بعد عامين من الثورة، وأوضح التقرير أن الايرادات العامة زادت فى العام المالى 2011/2012 بما يوازى 35 مليار جنيه فى حين ارتفعت المصروفات بما يعادل 114 مليار جنيه، وهو ما يعنى اضافة 79 مليار جنيه إلى عجز الموازنة، مما أدى إلى ارتفاع نسبته من الناتج المحلى الاجمالى من 9.8% قبل الثورة إلى 10.8% خلال العام الماضى.
•••
إن استمرار الارتفاع فى المصروفات هو أمر لا بد من التحكم فيه عن طريق اعادة النظر فى بنود الإنفاق المختلفة والاتفاق على مبادئ عامة لتخفيض النفقات لا تؤدى إلى زيادة الفوارق بين الدخول وإلى المزيد من التدهور فى المستوى المعيشى لغالبية الشعب.

ونعرض فى التالى بعض من القضايا الواجب حسمها فى هذا الإطار:

• إعادة هيكلة الجهاز الادارى للدولة عن طريق تخفيض عدد الوزارات والتخلى عن سياسة الاستعانة بمستشارين.

• محاسبة المسئولين (بأسعار السوق) عن استخدام السيارات الحكومية ومنع شراء المزيد من السيارات الفارهة.

• ترشيد السفر للخارج فى القطاع الحكومى بحيث يقتصر على المهام التى تستدعى ذلك ضرورة.

• إعادة النظر فى التمثيل الدبلوماسى المصرى فى الخارج، وما إذا كان يستدعى كل هذا التواجد الكبير للبعثات المصرية فى معظم دول العالم، فمصر ليست الولايات المتحدة، وظروفها الاقتصادية لا تسمح بمثل هذا التواجد المتسع وما يستلزمه من انفاق.

• تركيز الانفاق على التعليم قبل الجامعى وتحويل الجامعات الحكومية إلى مؤسسات غير هادفة للربح وقادرة على تدبير مواردها الذاتية بنفسها، وذلك تحت إشراف المجلس الأعلى للجامعات. كذلك ينبغى اخضاع الجامعات والمدارس الخاصة للضرائب والاشراف الجدى على ما تقدمه من برامج.

• الاكتفاء بصحيفة يومية مملوكة للدولة، وكذلك بمحطة تلفزيون واحدة، وطرح البقية فى برنامج لخصخصة الإعلام.

إن مثل هذه القضايا وغيرها تستدعى مشاركة جميع القوى السياسية والفئات الاجتماعية لدراستها والتوصل إلى توافق حول أنسب السبل الممكنة للعامل معها، بما يمكن السلطة التنفيذية من اتخاذ القرارات مطمئنة بانها تمثل الإرادة الشعبية الضرورية لنجاح أية برامج اقتصادية.

وأقترح فى هذا الصدد انعقاد مؤتمر موسع يضم المتخصصين وممثلى المجتمع المدنى تحت رعاية رئيس الجمهورية وذلك بهدف دراسة البرنامج المقترح من صندوق النقد الدولى، وكذا البرنامج الواجب اتباعه لتخفيض عجز الموازنة واعادة صياغة النظام الاقتصادى وبنود العقد الاجتماعى الجديد.
•••
لقد كانت حكومات ما قبل ثورة يناير تعتبر الاتفاقات مع صندوق النقد الدولى من قبيل أسرار الدولة غير المتاحة للشعب، وذلك فى الوقت نفسه الذى يعرف العالم كله بتفاصيل تلك الاتفاقات التى تعرض على مجلس إدارة الصندوق، وهو الذى يضم ممثلين عن كل الدول. كما كانت تلك الحكومات تصر على أن هذه الاتفاقات مصرية 100% رغم أن الجميع يعلم خير العلم انها اتفاقات نمطية لا تتباين إلا فى اسم الدولة والمدى الزمنى المحدد لتنفيذ البنود المختلفة.

والآن وبعد الثورة فهناك فرصة لا تعوض لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة والشعب عبر المشاركة الإيجابية والشفافية المطلقة. كذلك فإن مناقشة الاتفاق مع الصندوق فى إطار برنامج متكامل لمعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة سوف يوضح أبعاد ومعالم الطريق لشباب هذا الوطن، بحيث يتبين العلاقة الواضحة بين التضحيات المطلوبة والأهداف المرجوة.

إن الاتفاق مع صندوق النقد الدولى حول القرض المقترح والمقدر الآن بما يساوى 4.8 مليار دولار سيعد انجاز للحكومة، ولكن يبقى أن الانجاز الأعظم هو فى التوصل إلى توافق مجتمعى حول خارطة طريق لمعالجة المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، يكون برنامج الصندوق مجرد أحد بنودها، وبما يضمن عدم العودة إلى الاقتراض إلا لتنفيذ المشروعات الاستثمارية لزيادة الطاقة الإنتاجية.
نقلا عن الشروق

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

من الحرف إلى الإنسان .. سراج في عتمة البيان

ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يمر على الأسماع عابرا، ومنها ما يستقر في النفوس، وطائفة تتجاوز أثرها المباشر لتغير حياة...

المسيحيون صنعوا عروسة وحصان المولد هدية للمسلمين

في ذكرى المولد النبوي تعود بنا الذاكرة لآلاف السنين حيث استمد المصري موروثاته الشعبية من تاريخه العريق الذي استمر حيا...

" الإعلامي متعدد المهارات " الوظيفة الأغلى في سوق الإعلام الرقمي !

عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا...

قانون الإجراءات الجنائية الجديد: ما الذي يحتاج المواطن إلى معرفته؟

قانون الإجراءات الجنائية هو الطريق القانوني الذي تسير فيه الدعوى الجنائية من لحظة وقوع الجريمة أو الإبلاغ عنها، مرورًا بجمع...