سيسيليا فنغ في حوار خاص لـ"ماسبيرو": أرسم الجنة كما أتخيلها

والفن ليس بالضرورة أن يكون جادًا

من تاينان في تايوان إلى إسبانيا والولايات المتحدة، ثم إلى القاهرة التي أصبحت واحدة من المحطات المهمة في رحلتها الفنية والإنسانية، تنقلت الفنانة التايوانية سيسيليا فنغ بين ثقافات متعددة، حملت من كل منها شيئًا إلى عالمها التشكيلي.

 

ض

 

في أعمالها، تتجاور الزهور والطيور والحيوانات مع الرموز المستوحاة من الحضارة المصرية القديمة والثقافة الإسلامية، بينما يحتل الضوء واللون والخيال مساحة أساسية في تجربتها. وتبدو الطبيعة عندها أكثر من مجرد موضوع للرسم؛ إنها بوابة إلى الحلم والحرية والأمل.

بمناسبة معرضها «حديقة البهجة، حيث تتفتح العجائب» المقام في جاليرى بيكاسو بالزمالك ، والذي يستمر حتى 28 سبتمبر 2026، كان لـ«ماسبيرو » هذا الحوار الخاص مع الفنانة سيسيليا فنغ، التي تحدثت عن قصص مجموعة من أعمالها، وعن الجنة كما تراها، والهدهد والرمان وحتحور، وعن الحيتان التي منحتها فرصة للسفر بخيالها عندما أغلقت جائحة كورونا أبواب السفر.

في البداية.. ماذا تقولين لنا عن لوحتك التي تبدو وكأنها تأخذنا إلى عالم مليء بالزهور والفرح؟

أحب أن أبدأ بهذه اللوحة لأنها تحمل معنى مهمًا بالنسبة لي. ستجدون الزهور في كل مكان، وفي وسط هذا العالم الجميل طفلًا صغيرًا سعيدًا يلعب مع الغزلان.

رسمت هذه اللوحة عام 2018، وكانت الفترة التي جاءت بعد الثورة في مصر صعبة على كثير من الناس. شعرنا جميعًا بأننا مررنا بوقت مليء بالتحديات، ولذلك كنا في حاجة إلى شيء من الأمل والنور والجمال.

كنت أحاول من خلال اللوحة أن أصف ما يمكن أن تكون عليه الجنة؛ مكانًا لا يوجد فيه حزن ولا دموع ولا قلق. في الجنة، كما أتخيلها، يشعر الإنسان بالسعادة والأمان، ولا يخشى شيئًا.

لذلك أردت أن تكون اللوحة عالمًا من الفرح، وكأنني أقول للمشاهد: تخيل أنك في مكان لا يوجد فيه أي شيء يدعو إلى الخوف أو الحزن.

تنتقلين في أعمالك بين الخيال والرموز المستمدة من حضارات وثقافات مختلفة.. نرى ذلك بوضوح في عمل من عام 2025، فكيف حضرت مصر القديمة فيه؟

هذه اللوحة تعتمد كثيرًا على الثقافة المصرية القديمة.

ستجدون الثور الذي يحمل قرصًا فوق رأسه، وهو رمز مرتبط بالإلهة حتحور. بالنسبة لي، حتحور تمثل الرعاية والعطاء، وكأنها أم تحمي الأرض والمزارعين وترعى الحياة.

أحببت أن أتعامل مع هذه الرموز بطريقة زخرفية، وأن أجعلها تتكرر وتتجاور داخل اللوحة.

والرمان والهدهد.. ماذا يحمل كل منهما من معنى؟

الرمان بالنسبة لي رمز جميل جدًا. في مصر، كما في ثقافات أخرى، يرتبط بالازدهار والخير وكثرة الأبناء والحظ الجيد.

أما الهدهد، فهو يحمل معنى مختلفًا ومهمًا بالنسبة لي. في القرآن والثقافة الإسلامية نعرف قصة الهدهد مع النبي سليمان، وكيف كان رسولًا ينقل الأخبار والرسائل.

لذلك لم أضع الهدهد في اللوحة باعتباره مجرد طائر جميل، وإنما لأنه يحمل فكرة الرسالة والتواصل.

وفي النهاية أعتقد أن كل إنسان يبحث عن الله، وهذا جزء من طبيعتنا. هناك دائمًا شيء بداخلنا يدعونا إلى الاقتراب من الله.

ولهذا سميت هذه اللوحة «Calling» – «النداء»؛ لأنني أتصور أن الله ينادينا دائمًا، ونحن نحاول أن نصل إليه ونتمسك بالإيمان.

وكأن هناك دائمًا حوارًا بين الإنسان والسماء في أعمالك؟

نعم، وهذا قريب جدًا مما أشعر به.

الإنسان الصغير في اللوحة يحاول أن يمسك بالإيمان، أو أن يصل إليه. بالنسبة لي، الله يحبنا، وهناك دائمًا دعوة للعودة إليه والاقتراب منه.

في أحدث أعمالك، نجد عالمًا أكثر طفولة ومرحًا.. هل هناك قصة شخصية وراءه؟

نعم. هذه اللوحة من عام 2026، وهو العام الذي أصبحت فيه جدة.

عندما أصبحت لدي حفيدة صغيرة، بدأت أرى العالم بطريقة مختلفة. الطفل الصغير وهو يكبر أمامك يمنحك قدرًا كبيرًا جدًا من الفرح.

فكرت أن أرسم شيئًا يمكنني من خلاله أن أحكي لها هذه المشاعر.

استخدمت ألوانًا وأشكالًا تشبه الحلوى، ووضعت الـGummy Bear، لكي تصبح اللوحة أكثر طفولية ومرحًا ولعبًا.

أنا أؤمن أن اللوحة ليست بالضرورة شيئًا شديد الجدية. يمكن للفن أن يكون مرحًا، ويمكن للفنان أن يستمتع وهو يرسم.

وعندما أرسم هذه الأعمال أشعر بالفرح والبهجة، وأتمنى أن ينتقل هذا الشعور إلى المشاهد، وأن يشعر بالسعادة نفسها التي شعرت بها أثناء الرسم.

وفي العمل نفسه يظهر الهدهد مرة أخرى، إلى جانب أجواء تذكرنا بالحكايات العربية و«ألف ليلة وليلة».. كيف ولدت هذه الفكرة؟

أحب الثقافة العربية وحكايات «ألف ليلة وليلة»، ولذلك أردت أن أستحضر شيئًا من هذا العالم، لكن بطريقة مختلفة.

بدلًا من المصباح السحري، استخدمت إبريقًا سحريًا، لكن الذي يخرج منه ليس الجني، وإنما الـGummy Bear الصغير.

وأضفت كرة القدم أيضًا، لأنني كنت أرسم العمل في وقت كانت فيه أجواء كرة القدم العالمية حاضرة بقوة.

أحب أن أجمع هذه الأشياء المختلفة معًا، وأن أجعل اللوحة عالمًا ممتعًا ومليئًا بالمفاجآت.

من عالم الطفولة والخيال ننتقل إلى لوحة «حب الأم».. لماذا اخترتِ الحوت؟

هذه اللوحة من عام 2021، وهو عام لا يمكن أن ينساه أحد، لأن العالم كله تقريبًا كان يعيش ظروف جائحة كورونا، وأغلقت الحدود ولم يعد السفر والتنقل كما كان من قبل.

أنا وزوجي اعتدنا على السفر كثيرًا، ولذلك شعرت وقتها برغبة شديدة في السفر.

لكنني قلت لنفسي: إذا لم أستطع السفر في الواقع، يمكنني أن أسافر بخيالي.

ومن هنا بدأت أرسم الحيتان بكثرة خلال عامي 2021 و2022. كنت أشعر أنني أستطيع السفر معها، حتى لو لم أستطع السفر بجسدي.

وفي هذه اللوحة تحديدًا، يظهر الحوت الكبير مع صغيره، لأن الحوت الأم يحمي صغيره ويرعاه.

ولهذا سميتها «حب الأم» – Mother’s Love.

حتى الزهور الموجودة في اللوحة تحمل شكلًا قريبًا من القلب، لتؤكد معنى الحب والرعاية.

يبدو أن الزهور بالنسبة لك ليست مجرد عنصر جمالي.. هل وراءها دائمًا حكاية؟

الزهور جزء مهم جدًا من حياتي ومن فني.

هناك لوحة رسمتها في الخريف، وكانت وراءها قصة شخصية جدًا.

في ذلك الوقت تعرض زوجي لحادث ولم يكن يستطيع الحركة، وكنت أعتني به. وكان أطفالي لطفاء جدًا معي، وحاولوا أن يخففوا عني.

كل يوم أحد كانوا يشترون لي باقةمن الزهور

وفي أحد أيام الأحد أحضروا لي زهور التوليب.

التوليب لا يستمر طويلًا؛ بعد أيام قليلة تنتهي الزهور وتذبل. لذلك قررت أن أرسمها، حتى أحتفظ بها في الذاكرة إلى الأبد.

وهكذا أصبحت اللوحة بالنسبة لي وسيلة لحفظ لحظة جميلة، وحفظ حب أطفالي واهتمامهم بي في ذلك الوقت.

كما سمعت من بعض الناس أن التوليب له حضور كبير في الفن الإسلامي، وأن شكل الزهرة يشبه في نظر البعض طريقة كتابة لفظ الجلالة «الله»، ولذلك نجد التوليب حاضرًا كثيرًا في الفنون والزخارف الإسلامية.

لا أعرف مدى دقة هذا التفسير، لكنني أحببت الفكرة، وأحببت أن أرى كيف يمكن لزهرة واحدة أن تحمل كل هذه المعاني.

«الجنة» أيضًا من الأفكار التي تتكرر في أعمالك.. كيف تتخيلينها؟

أعتقد أن كل إنسان يحلم بالجنة.

الكتب المقدسة تتحدث عن جمالها بطريقة تجعلنا نشعر بأنها أجمل من أي شيء يمكن أن نتخيله.

بالنسبة لي، الجنة مكان لا يوجد فيه القلق أو الدموع أو الحزن. مكان تشعر فيه بالحرية والسعادة، ولا تخاف من أي شيء.

في إحدى لوحاتي تخيلت شخصًا يسير في مكان مرتفع جدًا، لكنه لا يخاف من السقوط؛ لأنه يعرف أن الله سيمسك به ويحميه.

هذه بالنسبة لي هي فكرة الجنة: أن تشعر بالأمان الكامل.

وفي معرض «حديقة البهجة، حيث تتفتح العجائب» يبدو أن العنوان نفسه يلخص جانبًا كبيرًا من عالمك.. هل تريدين أن تمنحي المشاهد مساحة للهروب إلى الخيال؟

نعم، بالتأكيد.

أحب أن يأخذ المشاهد شيئًا من الفرح الذي أشعر به وأنا أرسم.

أنا لا أريد دائمًا أن أقدم لوحة تحتاج إلى أن يقف أمامها الإنسان وهو يفكر في شيء شديد التعقيد. أحيانًا أريد فقط أن أقول له: تعالَ إلى هنا، انظر، ابتسم، واستمتع.

يمكن أن يكون الفن مكانًا للراحة، ويمكن أن يمنحنا فرصة لأن نحلم.

وهذا ما أحاول أن أقدمه في أعمالي؛ عالمًا تتجاور فيه الطبيعة والخيال والذكريات والحب، وتتحول فيه الزهور والطيور والحيوانات والرموز إلى حكايات عن الإنسان والحياة.

بين تايوان ومصر وإسبانيا والولايات المتحدة وغيرها من المحطات.. كيف أثرت هذه الرحلة الدولية في لغتك الفنية؟

أعتقد أن العيش والتنقل بين ثقافات مختلفة يجعل الإنسان يرى العالم بطريقة أوسع.

كل مكان أعيش فيه أو أزوره يترك شيئًا بداخلي. أحب أن أتعلم من الثقافات المختلفة، وأن أجد الطريقة التي يمكن من خلالها أن تلتقي هذه الثقافات داخل عملي.

وربما لهذا تجدون في لوحاتي عناصر من الحضارة المصرية القديمة، وإشارات إلى الثقافة الإسلامية، وأجواء من الحكايات العربية، إلى جانب الطبيعة والخيال والذكريات الشخصية.

أنا أؤمن أن الفن يستطيع أن يكون لغة تتجاوز الحدود.

وفي النهاية، عندما ننظر إلى الطبيعة أو الحب أو الأمومة أو الحلم أو الإيمان، نجد أنها أشياء يفهمها الإنسان في أي مكان في العالم.

ولهذا أحب أن أترك في لوحاتي مساحة للجميع؛ مساحة للدهشة، وللحلم، وللبهجة.

 

ض
ض
ض

مروة عز الدين

مروة عز الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أمل
لينا أسامة
معرض
معرض
“بساطة”
تطوير انطونيادس
معرض عاطف طلبة
مصر التي احبها

المزيد من فن وثقافة

سيسيليا فنغ في حوار خاص لـ"ماسبيرو": أرسم الجنة كما أتخيلها

من تاينان في تايوان إلى إسبانيا والولايات المتحدة، ثم إلى القاهرة التي أصبحت واحدة من المحطات المهمة في رحلتها الفنية...

فيلم "القصص" يمثل مصر في أوسكار 2027

أعلنت اللجنة المشكلة لترشيح فيلم يمثل مصر في أوسكار 2027، عن اختيار فيلم "القصص" للمخرج أبو بكر شوقي، حيث حصل...

وزيرة التضامن تشهد افتتاح الملتقى الدولي لفنون ذوي القدرات الخاصة "أولادنا"

تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، شهدت الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي افتتاح أعمال الدورة العاشرة من...

مسرح أم كلثوم بقصر ثقافة المنصورة يشهد احتفالية اليوم المصري للموسيقى

شهد مسرح أم كلثوم بقصر ثقافة المنصورة احتفالية فنية نظمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، احتفاء بذكرى...