ن نشاط جهاز المخابرات الإسرائيلي في إيران لم يقتصر على اغتيال الشخصيات السياسية والعسكرية وعلماء الطاقة الذرية، أو شن الهجمات السيبرانية والأمنية على المنشآت النووية فحسب، بل امتد كذلك إلى مذكرات ضباط الموساد والأعمال الدرامية.
يعود وجود الموساد في إيران إلى عهد الشاه "محمد رضا بهلوي"؛ حيث تولى عملاء المخابرات الإسرائيلية تدريب أقرانهم الإيرانيين من منظمة الاستخبارات والأمن القومي (السافاك).
أيام طهران
يعد كتاب "أيام طهران (ימי טהראן)" لضابط المخابرات الإسرائيلي "يعقوب نمرودي" أحد أهم الكتب التي تُؤرِّخ لنشاط الموساد في إيران إبان العصر البهلوي. نشرت "دار معاريف" في تل أبيب هذا الكتاب عام 2010، ثم ظهرت ترجمته الفارسية بالاسم نفسه "روزهاى تهران" على يد بَاحِثَي التاريخ السياسي "ميثم عرب سُرخي" و"مرتضى سلماني"، ونشرتها "مؤسسة الدراسات التاريخية وموسوعة الثورة الإسلامية" في طهران عام 2022.
لعب "نمرودي" دورًا رئيسًا في تأسيس مكتب للموساد في طهران، وتعزيز العلاقات الاستخباراتية والأمنية بين جهازي المخابرات الإيراني والإسرائيلي، فضلًا عن مشاركته في تأسيس "السافاك".
يروي "نمرودي" في هذا الكتاب مذكراته الشخصية أثناء وجوده في إيران، عقب تعيينه الملحق العسكري لإسرائيل من عام 1955 حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. كما يتطرق إلى العمليات السرية بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة وإسرائيل، وفي مقدمتها فضيحة "إيران كونترا (إيران جيت)" عام 1985 التي شهدت بيع أسلحة أمريكية إلى إيران خلال حربها مع العراق مقابل إطلاق سراح سبعة رهائن أمريكيين احتجزهم حزب الله اللبناني في بيروت، على أن تتولى إسرائيل عملية استلام الأسلحة وتسليمها.
ويشير "نمرودي" في الكتاب إلى أن إيران كانت آنذاك واحدة من أهم ساحات التنافس الاستخباراتي في الشرق الأوسط بين الأمريكيين والإسرائيليين والروس؛ نظرًا لموقعها الجيوسياسي وأهميتها في إدارة صراعات المنطقة. فقد كانت الولايات المتحدة تطلق على "محمد رضا شاه" لقب "شرطي الخليج"؛ باعتباره يحمي المصالح الأمريكية وأمن الملاحة في منطقة الخليج، ويضمن استمرار إمدادات النفط والغاز الطبيعي عبرها في مواجهة النفوذ السوفيتي المتنامي آنذاك.
طهران
من أبرز الأعمال الدرامية التي ترصد تسلل الموساد في إيران، هو المسلسل الإسرائيلي المثير للجدل "طهران (טהרן)". المسلسل من تأليف "موشيه زوندر" و"عمري شينهار"، وإخراج "دانيال سيركين"، وبطولة مجموعة من الممثلين الإسرائيليين والأمريكيين ذوي الأصول الإيرانية، من بينهم: نيف سلطان، شاون طوب، نافيد نيجهبان، ليراز تشارهي، ميناشي نوي، شيرفين ألينابي، والممثلة الأمريكية المعروفة جلين كلوز.
تولَّت إنتاج المسلسل بشكل مشترك شركات: دونا برودكشنز Donna Productions، وشولا شبيجل برودكشنز Shula Spiegel Productions، وبيبر بلاين برودكشنز Paper Plane Productions.
المسلسل مكون من ثلاثة أجزاء، ويبلغ عدد حلقات كل جزء 8 حلقات. بدأ عرض الجزء الأول من 27 يونيو 2020 إلى 22 يوليو، والجزء الثاني من 6 مايو 2022 إلى 17 يونيو، والجزء الثالث من 9 ديسمبر 2024 إلى 27 يناير 2025، وتولت إذاعته كل من قناة (كان 11) الإسرائيلية، ومنصتي البث الرقمي (أبل تي في بلس) Apple TV+، و(نتفليكس) Netflix.
قصة المسلسل
تدور الأحداث في إطار الصراع السرمدي بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والإيرانية حول "تامار رابينيان (نيف سلطان)"، ضابطة موساد إسرائيلية من أصل يهودي إيراني؛ وُلِدت في إيران خلال العصر البهلوي، لكنها نشأت وترعرعت في إسرائيل.
عقب خدمتها في "الوحدة 8200" التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، تنضم إلى جهاز الاستخبارات والمهام الخاصة (الموساد)، حيث تُسند إليها مهمة تعطيل منظومة الدفاع الجوي في إيران كي تتمكن المقاتلات الإسرائيلية من قصف مفاعل نووي دون خسائر بشرية، ومنع طهران من امتلاك قنبلة ذرية.
تسافر "تامار" إلى طهران سِرًا، لكن بسبب فشل المهمة، تجد نفسها عالقةً في مسقط رأسها؛ حيث تكتشف جذور نشأتها وماضيها المنسي، وتتعرف على مجموعة من الناشطين السياسيين المعارضين لنظام الجمهورية الإسلامية، ثم تتوالى الأحداث.
التصوير، الحبكة، المغزى
صُوِّر المسلسل في أثينا بالكامل، حيث بذل صناع العمل جهدًا كبيرًا لإعادة بناء العاصمة الإيرانية بدقة متناهية ومحاكاة معالمها البارزة؛ بما فيها بوابة جامعة طهران الرئيسة، شارع الثورة "انقلاب"، مطار الإمام الخميني، مقرات المؤسسات والإدارات الحكومية من الداخل، بالإضافة إلى البيوت الإيرانية التقليدية.
وفقًا لما يذكره كاتب السيناريو "موشيه زوندر"؛ فإنه حاول بالتعاون مع المخرج "دانيال سيركين" تقديم صورة واقعية عن طهران المعاصرة إلى الجمهور العالمي؛ وهي صورة قلما ظهرت في الأعمال التلفزيونية والسينمائية الغربية، حيث قضى كلاهما فترة طويلة يجريان أبحاثًا عن إيران بعد الثورة وأحاديث مطولة مع أكاديميين وعملاء في الأمن السيبراني بالموساد وعشرات الإيرانيين المنفيين خارج البلاد ليقدما صورة دقيقة عن طهران المعاصرة بقدر الإمكان.
ويقول "زوندر": "إن هدفه الأساسي من كتابة هذا المسلسل كان تصحيح الصورة المغلوطة عن إيران كونها تريد تدمير إسرائيل. إن الإيرانيين يصفون الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر وإسرائيل بالشيطان الأصغر. أنا لا أُعرِّف نفسي من هذا المنظور، لكنني أتفهمهم؛ فقد شاركنا في الإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق وإعادة الشاه الشاب محمد رضا بهلوي الذي كان مستبدًا وحليف إسرائيل، كما قمنا بتدريب عملاء منظمة الاستخبارات والأمن القومي (السافاك) التي قامت بممارسات قمعية ووحشية في حق الشعب الإيراني".
اتساقًا مع ما ذكره "زوندر"؛ بُنيت حبكة المسلسل في الأساس على فكرة الصداقة بين الشعبين الإيراني والإسرائيلي على عكس عداء حكومتيهما؛ وهي رؤية لم تحظ بشعبية أو تحقق نجاحًا في كلا البلدين، رغم الإصرار الإعلامي الدولي، ولا سيما الأمريكي، على تأييدها عن طريق تسليط الضوء على نشاط المعارضة الإيرانية في الخارج؛ حيث نرى متظاهرين يرفعون عَلَمي إيران الملكي (الأسد والشمس) وإسرائيل جنبًا إلى جنب.
تامار: حب ومعارضة وحنين إلى الماضي
بطلة المسلسل "تامار" هي فتاة إسرائيلية، تعمل ضابطة في الموساد، هاجرت عائلتها من مدينة إصفهان إلى إسرائيل منذ سنوات طويلة، وعند عودتها إلى طهران تتحول مهمتها إلى ذريعة بحثٍ عن الجذور؛ حيث تكتشف أن لها خالة تُدعى "آرزو (إيستي يروشالمي)" تُقيم في طهران ومتزوجة من مسؤول رفيع المستوى في السلطة القضائية.
تصل فكرة "صداقة الشعبين" إلى ذُروتها عندما تعصي "تامار" أوامر رئيسها، وتدخل في علاقة عاطفية مع شاب إيراني يهوى القرصنة الإلكترونية يُدعى "ميلاد كاهاني (شيرفين ألينابي)"، يقدمه المسلسل رمزًا للشباب الإيراني المعارض؛ حيث تُقرر المضي قدمًا في تنفيذ عمليتها بمساعدته.
على الرغم من الانتقادات الحادة التي وُجِهت إلى المسلسل بسبب تقديمه صورة نمطية عن النظام والمعارضة في إيران، والرؤية الإسرائيلية أحادية الجانب التي تخدم السردية الغربية عن إيران، حقق المسلسل نجاحًا جماهيريًا كبيرًا أثناء عرضه، وفاز بجائزة "إيمي" كأفضل عمل درامي عام 2021.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظم المجلس الأعلى للثقافة محاضرة "يوم بلا شاشات.. استعادة التوازن الرقمي"، القتها الدكتورة هبة السمري، العميد الأسبق لكلية الإعلام بجامعة...
يفتتح الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، معرض "12 تون"، للدكتور حاتم شافعى، وذلك فى السادسة مساء الثلاثاء الموافق...
لم تعد سير كبار الفنانين مجرد صفحات في كتب التاريخ أو تسجيلات قديمة تعيش في أرشيف الإذاعة والتلفزيون، بل أصبحت...
ينظم المركز القومي للترجمة ندوة "نجيب محفوظ بلغات العالم"، احتفاءا بالذكرى العشرين لرحيل أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ، واستعادة لمسيرته...