المفتي: الاختلاف سنة كونية.. والصيام مدرسة لترسيخ أدب الحوار

أكد فضيلة المفتي الأستاذ الدكتور نظيرعياد أن الاختلاف بين البشر ليس ظاهرة عارضة أو مجرد صدفة تاريخية، بل هو سنة كونية أرادها الخالق، وحقيقة إنسانية متجذرة في أصل التكوين البشري. وأوضح فضيلته أن هذا التنوع يمثل ثراءً للوجود وتعددية إيجابية تسهم في عمارة الأرض، ولا ينبغي أن يتحول بأي حال إلى صراع أو شقاق بين الناس مشدداً على أن السؤال الجوهري ليس في وقوع الاختلاف، بل في "كيفية" إدارته.

 

وأكد فضيلة المفتي في حديثه ببرنامج (مع فضيلة المفتي) أن الصيام يتجاوز في أبعاده التربوية مجرد الإمساك المادي عن المفطرات، ليصبح "مختبراً أخلاقياً" ومدرسة متكاملة لتهذيب النفس الإنسانية وإعادة صياغة سلوك الفرد.

و إن الصيام، في جوهره، ممارسة عملية تهدف إلى ضبط نزوات اللسان وتربية القلب على المراقبة الإلهية. فهو ليس امتناعاً سلبياً، بل هو فعل إيجابي لضبط الانفعالات الجامحة وتعزيز الرقابة الذاتية، مما يهيئ المسلم للتعامل مع الآخرين بتعقل واتزان، محولاً الصبر على الجوع إلى صبر على المواقف والآراء المخالفة.

وأضاف فضيلته أن الصيام يعلمنا أن الانتصار الحقيقي ليس في الغلبة، بل في "قوة الضبط والمراقبة". فحين ينطق الصائم بكلمة "إني امرؤ صائم" في وجه من سابه، فهو لا ينسحب ضعفاً، بل يعلن "انتصار القيم على الغضب". تكمن الحكمة هنا في "تأجيل رد الفعل" حتى تسكن ثورة النفس ويهدأ الانفعال، تطبيقاً عملياً لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.

يؤصل فضيلة المفتي لمفهوم "الخلاف المحمود" الذي يقوم على نقد الفكرة لا هدم صاحبها، ورد الحجة دون المساس بالكرامة الإنسانية. فالصيام يربي في الإنسان الهدوء النفسي الذي يمنعه من تحويل الخلاف الفكري إلى عداء شخصي. وهنا يبرز التوجيه القرآني: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؛ فكل جدال يفتقر إلى "الحسنى" ويفتقد "الأدب" هو جدال مذموم شرعاً وعرفاً، لأنه يستهدف الإسقاط لا الإبانة.

وأشار فضيلته إلى أن الكلمة في لحظات الخلاف هي "جسر" للعبور نحو الفهم أو "جرح" غائر يؤدي إلى القطيعة. ويشدد المفتي على ضرورة وزن الكلمات بميزان التقوى قبل إطلاقها، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بيه فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". فالتجرؤ والاستخفاف بالآخر يقطع حبال الود، بينما الوقار في الطرح يفتح مغاليق العقول.

وأضاف أن هناك علاقة طردية بين "جوع الجسد" و"رقة القلب"؛ فجوع الصيام يكسر حدة الكبر والتعالي، ويذكر الإنسان بضعفه البشري. وحين يرق القلب، يسهل على المحاور الاعتراف بالخطأ وقبول احتمالية صواب الآخر، متمثلاً القاعدة الذهبية: "لعلي أخطئ ولعلك تصيب". إن البحث عن الحق هو الغاية، أما البحث عن "الغلبة" فهو من ثمار "الأنا" المتضخمة التي يسحقها الصيام.

لتحويل القيم المجردة إلى ممارسات سلوكية، يضع فضيلة المفتي دليلاً عملياً للحوار البناء يتلخص في إصلاح النية بستحضار نية "بيان الحق" لا "الانتصار للذات"؛ فالمحاور المخلص يبحث عن الحقيقة أينما وجدت، وحسن الاستماع نصف الحوار فإعطاء الطرف الآخر فرصة كاملة للتعبير، فالاستماع هو المفتاح الأول للفهم المتبادل، ونتخاب الألفاظ اللطيفة فالالتزام بالكلمة الطيبة التي هي "صدقة"، وتجنب الألفاظ المنفرة التي توصد أبواب القلوب، واستحضار هدف "القلب السليم" فإدراك أن "الرابح الحقيقي" في أي سجال ليس من أفحم خصمه، بل من خرج بقلب سليم خالٍ من "الضغينة" والشحناء.

واختتم فضيلته حديقه قائلاً إن مدرسة الصيام التي تروضنا على الصبر على الجوع والعطش، هي ذاتها التي يجب أن تروضنا على الصبر على الاختلاف وتعدد الرؤى. وكما نكف أيدينا عن الطعام تعبداً، وجب أن نكف ألسنتنا عن الأذى صوناً لكرامة الإنسان، إن الهدف الأسمى هو أن نجعل من صيامنا جسراً للتفاهم، ومدرسة للتواضع، وميزاناً دقيقاً نزن به الكلمات والمواقف، لنتحول من "تأزم الأفكار" إلى "تكامل العقول"، وبذلك تستقيم حياة الفرد وتسمو المجتمعات.

برنامج "مع فضيلة المفتي" يعرض يوميًا خلال شهر رمضان على شاشة القناة الأولى.

لمتابعة البث المباشر للقناة الاولي .. اضغط هنا

مروة عز الدين

مروة عز الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نصائح هامة للحفاظ على الصحة وتعزيز المناعة خلال الصيام
استشارية تغذية تقدم نصائح للصائمين في رمضان من أجل صحة أفضل
استشارية نفسية: رمضان فرصة ذهبية لتحويل العادات السيئة إلى صفات إيجا
الشيخ بلال خضر
استشاري التغذية بالمعهد القومي للتغذية د. هبة سعيد
عالم بالأوقاف لبرنامج "نور في قلبي":رمضان هو "الوقود الروحي" للمؤمن
الأشهر الحُرم فرصة لتزكية النفس ومضاعفة الأجر
تعرف على الغذاء المسبب الأول للسرطان وتليف الكبد مع (بنصبح عليك)

المزيد من التليفزيون

أستاذ دراسات إيرانية: استهداف القيادة سيُوحِّد الداخل الإيراني

أكد الدكتور محمد السيد عبد المؤمن، أستاذ الدراسات الإيرانية، أن أي استهداف للقيادة الإيرانية يُنظر إليه داخليًا باعتباره اعتداءً على...

كاتب صحفي: واشنطن تسعى لتغيير داخلي في النظام الإيراني 

قال الكاتب الصحفي علي المرعبي، إن هناك ارتياحًا أوروبيًا لمقتل المرشد الإيراني، معتبرًا أن النظام منذ 1979 لم يلتزم بعلاقات...

خبير أمني: المواجهة بين واشنطن وطهران حرب استراتيجية مفتوحة

أكد الدكتور أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة حرب استراتيجية مفتوحة...

باحث سياسي: مقتل علي خامنئي يشعل مواجهة إقليمية واسعة 

أكد الباحث السياسي زيد تيم أن دخول حزب الله اذرع إيران في المنطقة على خط المواجهة كان متوقعاً تماماً، خاصة...