في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة بناء مراكز البيانات حول العالم مدفوعة بسباق محموم للهيمنة على الذكاء الاصطناعي، تصطدم الطموحات التكنولوجية ذات الصلة بقيود الطاقة والبنية التحتية، مع تصاعد اعتراضات المجتمعات المحلية على التكلفة البيئية والاقتصادية لهذه المنشآت.
والمعروف أن مراكز البيانات هي منشآت مادية مخصصة لتخزين، ومعالجة، وإدارة البيانات والتطبيقات الحيوية الخاصة بالمؤسسات والشركات، وتعتمد عليها شبكة الإنترنت بالكامل. وتتكون من خوادم، وأنظمة شبكات، ومزودات طاقة، وأنظمة تبريد وتحكم.
وذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن الدول لطالما استضافت مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للكهرباء، تشكل البنية الأساسية للإنترنت والخدمات الرقمية، غير أن طفرة الذكاء الاصطناعي رفعت الطلب على القدرة الحاسوبية إلى مستويات غير مسبوقة، وأطلقت موجة توسع في المنشآت العملاقة التي تديرها كبرى شركات التكنولوجيا، وبالتبعية زيادة الطلب على الطاقة.
وبحسب تقرير لجامعة الأمم المتحدة (الذراع الأكاديمي للمنظمة الأممية)، تجاوز استهلاك مراكز البيانات للكهرباء في العام الماضي إجمالي استهلاك عدد كبير من الدول مجتمعة، وسط توقعات بأن يرتفع الطلب على الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة بحلول عام 2035.
ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، استحوذت مراكز البيانات على نحو 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي في عام 2024، لكن هذه الحصة مرشحة لأكثر من الضعف بحلول 2030، بما يعادل استهلاك اليابان من الكهرباء حاليا، فيما تبدو الضغوط أشد في المناطق التي تتركز فيها المنشآت العملاقة، إذ قد تستحوذ مراكز البيانات على 25% إلى 30% من إجمالي استهلاك الكهرباء محليا، ما يضع شبكات الطاقة أمام تحديات متزايدة في ظل سرعة التوسع.
وحول السباق على الحوسبة والطاقة، أوضحت "فورين بوليسي" أن الولايات المتحدة والصين وأوروبا الغربية تستحوذ مجتمعة على نحو ثلاثة أرباع القدرة العالمية لمراكز البيانات. وتتصدر الولايات المتحدة هذا السباق، مع وجود أكثر من 1500 مركز بيانات قيد التطوير، إضافة إلى نحو 3000 منشأة عاملة، في ظل مساعي الإدارة الأمريكية لتعزيز التفوق الأمريكي في الذكاء الاصطناعي.
ولمواكبة الطلب المتزايد، لفتت المجلة إلى أن شركات تكنولوجيا كبرى اتجهت إلى إنشاء محطات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي داخل مواقعها، بدلا من الاعتماد الكامل على الشبكات العامة، سعيا إلى تأمين إمدادات سريعة ومستقرة للطاقة. لكن التوسع يواجه اعتراضات سياسية ومجتمعية متزايدة، إذ درست 15 ولاية أمريكية على الأقل فرض قيود مؤقتة على إنشاء مراكز جديدة.
وفي المقابل، تمضي الصين في تعزيز قدراتها، مستفيدة من توافر الأراضي وانخفاض تكلفتها وسرعة تنفيذ المشروعات، فضلا عن اعتمادها على الفحم في توفير الجزء الأكبر من الكهرباء اللازمة لهذه المنشآت.
ومع ذلك، لا تزال القدرة الحاسوبية لمراكز البيانات العاملة في الصين -وفقا للمجلة- أقل من نصف نظيرتها الأمريكية، فضلا عن أن بكين تواجه قيودا في الحصول على الرقائق المتقدمة ومعدات تكنولوجيا المعلومات عالية الأداء، في ظل القيود الأمريكية على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي.
أما بالنسبة لأوروبا، فإن اقتصاداتها تواجه معضلة مختلفة. ففي أيرلندا، على سبيل المثال، ارتفع استهلاك مراكز البيانات إلى مستويات تجاوزت استهلاك جميع المنازل الحضرية مجتمعة، ما دفع الحكومة إلى وقف الموافقات على إنشاء مراكز جديدة. كما تسببت المعارضة المحلية في القارة الأوروبية في تأجيل استثمارات أو إلغائها بقيمة تقارب 42 مليار دولار.
وأكدت المجلة الأمريكية أن الأسواق الناشئة، تسعى في المقابل، إلى اقتناص نصيب أكبر من الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات، خاصة أن نحو نصف مستخدمي الإنترنت عالميا يعيشون في مناطق لا تستحوذ إلا على 10% من القدرة العالمية لمراكز البيانات.
وفي هذا السياق، تتمتع دول مثل إندونيسيا وماليزيا والهند بميزة تنافسية كبيرة تتمثل في انخفاض تكاليف إنشاء المنشآت والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة مقارنة بالولايات المتحدة. كما تبرز البرازيل وكندا وفرنسا ضمن الأسواق الجاذبة للمستثمرين، غير أن استقطاب الاستثمارات لا يضمن سهولة تنفيذها. ففي الهند، قدمت الحكومة حوافز ضريبية تمتد لعقدين للشركات الأجنبية المشغلة لمراكز البيانات، وروجت لمشروع تعتزم "جوجل" استثمار 15 مليار دولار فيه. لكن المشروع يواجه اعتراضات قانونية ومجتمعية تتعلق باستهلاك المياه والكهرباء وتأثيراته المحتملة على محمية طبيعية مجاورة، ما دفع السلطات إلى بحث سياسة جديدة لحماية المستهلكين من ارتفاع فواتير الطاقة.
وعليه، فإن مستقبل مراكز البيانات لن يتحدد بحجم الاستثمارات أو سرعة بناء الخوادم وحدهما، بل بقدرة الدول على توفير الكهرباء والمياه والبنية التحتية من دون تحميل المجتمعات المحلية تكاليف التوسع. ومع تحول القدرة الحاسوبية إلى أحد أصول الاقتصاد العالمي، سيصبح التوفيق بين متطلبات الذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة والقبول المجتمعي شرطا أساسيا في هذا السباق.
وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956
يشارك معهد بحوث الإلكترونيات في فعاليات النسخة الدولية السابعة من المنتدى الأفروآسيوي للابتكار والتكنولوجيا، حيث تولت الدكتورة شيرين محمد عبد...
في إطار أعمال النسخة المشتركة من ندوة المسافر العالمية (World Passenger Symposium) التابعة للاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، والتي عُقدت...
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة بناء مراكز البيانات حول العالم مدفوعة بسباق محموم للهيمنة على الذكاء الاصطناعي، تصطدم الطموحات...
أعلنت شركة جوجل إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد Gemini 4 Carbon، مع تحسينات كبيرة في البرمجة والمهام المستقلة والأمن السيبراني،...