نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

أجرى عدد من الباحثين دراسة نُشرت في مجلة "Cell" العلمية طوروا خلالها نموذجاً للذكاء الاصطناعي يحمل اسم "أونكوفورمر" (Oncoformer)، يتعلم من السجل الصحي المتراكم للمريض ليكشف أنماطاً قد تسبق ظهور السرطان، كما يساعد في تقدير مرحلة المرض والتنبؤ بالاستجابة للعلاج ورصد احتمالات عودة الورم.

اعتمد النموذج على بيانات صحية طولية لأكثر من 3.67 مليون شخص، في واحدة من أكبر الدراسات التي تستثمر السجلات الطبية الروتينية لإعادة تعريف دورها، من أرشيف يوثق الماضي إلى أداة قد تساعد في استشراف المستقبل ، ولكي يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الإشارات المبكرة للسرطان، احتاج إلى ما يشبه مكتبة ضخمة من التجارب البشرية.

اعتمد الباحثون على مشروع صيني واسع يحمل اسم COMPASS، يضم السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من 3.67 مليون شخص، تشمل نحو 17.7 مليون زيارة سريرية، إلى جانب صور الأشعة السينية للصدر ونتائج الفحوص الروتينية. ولم يكتف الباحثون بذلك، بل اختبروا النموذج أيضاً على مجموعات بيانات مستقلة، من بينها بيانات البنك الحيوي البريطاني، للتحقق من قدرته على العمل خارج البيئة التي دُرّب فيها.

إن  أهمية الدراسة لا تكمن في حجم البيانات وحده، بل في الطريقة التي تعامل بها الذكاء الاصطناعي معها. فبدلاً من قراءة كل تحليل أو صورة أشعة بمعزل عن غيرها، تعامل مع التاريخ الصحي للمريض بوصفه قصة متصلة تتكشف أحداثها عبر الزمن ، وباستخدام تقنية "المحوّلات" (Transformers)، التي تقوم عليها النماذج اللغوية الحديثة، استطاع تتبع تسلسل الأحداث الطبية وربطها ببعضها، بحثاً عن أنماط قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها.

ولا تكمن أهمية "أونكوفورمر" في قدرته على اكتشاف السرطان فحسب، بل في أنه يحاول استشرافه قبل أن يصبح واضحاً سريريا ، فقد أظهر النموذج دقة مرتفعة في التمييز بين المصابين بالسرطان وغير المصابين عبر أنواع متعددة من الأورام، محققاً مؤشراً بلغ 0.956 على مقياس AUROC، وهو مقياس يُستخدم لتقييم قدرة النماذج على التمييز بين الحالات الصحيحة والخاطئة ، كما تمكن من التنبؤ باحتمال ظهور السرطان قبل التشخيص السريري بما يصل إلى عام، محققاً مؤشراً بلغ 0.869.

ولا تعني هذه النتائج أن النموذج أصبح جاهزاً ليحل محل برامج الفحص المعتمدة، لكنها تشير إلى أن البيانات المتوفرة أصلاً في المستشفيات قد تحمل مؤشرات مبكرة للمرض لم تكن تُستثمر بالشكل الكافي. وإذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في دراسات مستقبلية، فقد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة وتوجيههم إلى الفحوص المناسبة في وقت مبكر، وهو ما قد يحسن فرص العلاج ويقلل الحاجة إلى التدخل في المراحل المتقدمة من المرض.

كما لم يقتصر أداء "أونكوفورمر" على اكتشاف السرطان أو التنبؤ بخطر الإصابة به، بل امتد إلى تقييم مرحلة الورم بدقة، محققاً متوسط أداء تجاوز 0.90 عند مقارنة تقديراته بنتائج الفحص المرضي بعد الجراحة. ويعني ذلك أن النموذج لا يكتفي بالإشارة إلى وجود المرض، بل يساعد أيضاً في رسم صورة أوضح عن مدى تقدمه.

ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ وجد الباحثون أن بعض الأنماط التي تعلمها النموذج ارتبطت بمسارات جينية معروفة في السرطان، وهو ما يمنح تفسيراً بيولوجياً لقراراته ويخفف من الانتقاد الشائع لأنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها "صندوقاً أسود" يصعب فهم آلية عمله.

شيرين عبدالهادي

شيرين عبدالهادي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اكتشاف دور الجينات الوراثية في رسم مسار مرض السرطان
اكتشاف السرطان متأخرًا لدى الرجال
روسيا تعلن عن إرسال روبوت إلى محطتها الفضائية
ابتكار مركبات لمكافحة سرطان الثدي والسكري
تخليق مشتقات (البيريدين-2-ون) لمكافحة الأورام والسكري
ذكاء اصطناعي يرافق الشخص أثناء التمرين لمنع الإصابات
السرطان
مكافحة السرطان

المزيد من علوم وتكنولوجيا

بيت الزكاة يطلق مشروع إنشاء مركز متخصص لعلاج الأورام بـ"الحسين الجامعي"

شارك «بيت الزكاة والصدقات» في أعمال تطوير مستشفى الحسين الجامعي، عن طريق دعم عدد من الأقسام الحيوية وتطويرها وتزويدها بأحدث...

أمريكا تحظر الروبوتات الشبيهة بالبشر لدواعٍ أمنية

أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) عن فرض قيود جديدة على الروبوتات الشبيهة بالبشر وغيرها من الروبوتات المتطورة، إضافة إلى...

الخط الشبحي .. ابتكار جديد يحمي الخصوصية ويعجز عنه الذكاء الاصطناعي

طور علماء خطا جديدا مضادا للذكاء الاصطناعي، أطلقوا عليه اسم "Ghost Font" (الخط الشبحى)، يعتمد على الحركة في كتابة الرسائل،...

الببتيدات.. ما بين الوعود الكبيرة والأدلة العلمية المحدودة

أصبحت الببتيدات واحدة من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في مجال طب إطالة العمر، إذ يرى مؤيدوها أنها قد تساعد في...