وثقت دراسة علمية مشتركة صادرة عن جمعية أرخيلون لحماية السلاحف البحرية في اليونان ومركز أشتوم الجميل لإنقاذ السلاحف البحرية في مصر واحدة من أكثر الحالات البيئية تعقيدًا في البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، تمثلت في رحلة إنقاذ السلحفاة البحرية "دريا" من نوع السلحفاة ذات الرأس الكبير (Caretta caretta)، والتي تعرضت لسلسلة متكررة من الإصابات الناتجة عن الأنشطة البشرية قبل أن تتحول قصتها إلى نموذج علمي للتعاون الإقليمي في مجال حماية الحياة البحرية.
وأكدت الدراسة، التي تأتي في إطار شراكة علمية وميدانية بين الجانبين، أن حالة "دريا" تمثل نموذجًا عمليًا للتكامل بين مراكز إنقاذ السلاحف البحرية في دول البحر المتوسط، وتبرز أهمية تبادل البيانات والخبرات في مواجهة التهديدات المتزايدة التي تتعرض لها الكائنات البحرية المهددة بالانقراض.
وشارك في إعداد الدراسة الدكتورة إيريني كاسيماتي من جمعية أرخيلون، والدكتور حسين محمد رشاد، مدير مركز أشتوم الجميل لإنقاذ السلاحف البحرية، الذي قدم قراءة تحليلية موسعة للحالة، مؤكدًا أن "دريا" تمثل نموذجًا حيًا على الترابط البيئي داخل البحر المتوسط، وأن حماية السلاحف البحرية تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود وتكاملًا مستمرًا في تبادل المعلومات والخبرات.
وقال الدكتور حسين محمد رشاد، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إن هذه الحالة تكشف بوضوح حجم الضغوط البشرية المتزايدة التي تتعرض لها السلاحف البحرية، خاصة تلك الناتجة عن معدات الصيد المهملة والصيد العرضي والاعتداءات المباشرة، موضحًا أن تكرار إصابة الكائن نفسه خلال سنوات متعاقبة يعكس استمرار التهديدات البيئية دون معالجة جذرية لسلوكيات الصيد والإدارة البيئية للمناطق الساحلية.
ووفقًا للدراسة، بدأت وقائع الحالة عام 2022 عندما عُثر على السلحفاة في شمال غرب اليونان وهي تعاني من إصابة خطيرة في الرأس نتيجة اعتداء بشري مباشر، حيث جرى نقلها إلى مركز أرخيلون، أحد أقدم مراكز إنقاذ السلاحف البحرية في أوروبا وأكثرها خبرة.
وخضعت السلحفاة هناك لبرنامج علاجي وتأهيلي مكثف استمر 158 يومًا، تضمن تدخلات بيطرية دقيقة ومتابعة مستمرة للحالة الصحية وإعادة تأهيل تدريجية لوظائف السباحة والغوص والتغذية، قبل اتخاذ قرار بإطلاقها مجددًا في البحر المتوسط بعد استقرار حالتها الصحية، مع تزويدها بجهاز تتبع إلكتروني وشريحة تعريفية ضمن برامج الرصد العلمي طويلة المدى.
وأظهرت البيانات التي جُمعت بعد إطلاق السلحفاة أنها عادت إلى مسارات الهجرة الطبيعية داخل البحر المتوسط، قبل أن يتم رصدها لاحقًا على السواحل المصرية بمنطقة الضبعة، وهو ما اعتبرته الدراسة مؤشرًا علميًا مهمًا على نجاح عملية إعادة التأهيل وقدرة السلاحف البحرية على العودة إلى بيئتها الطبيعية حتى بعد التعرض لإصابات شديدة ومعقدة.
وأوضح الدكتور حسين محمد رشاد أن هذه المرحلة تحمل قيمة علمية كبيرة، إذ لا تقتصر على إنقاذ فرد واحد من الكائنات البحرية، بل تتيح فهمًا أعمق لمسارات الهجرة البحرية داخل نظام بيئي مترابط لا تعوقه الحدود السياسية.
غير أن رحلة "دريا" لم تنته عند هذا الحد، إذ سجلت الدراسة تعرضها لانتكاسة جديدة في فبراير 2025 بعد ظهورها على أحد شواطئ الإسكندرية في حالة إعياء شديد، ما استدعى تدخلًا عاجلًا ونقلها إلى مركز أشتوم الجميل لإنقاذ السلاحف البحرية بمحافظة بورسعيد.
وتولت الفرق الطبية بالمركز، بقيادة الدكتور حسين محمد رشاد، تشخيص الحالة وعلاجها بالتنسيق المباشر مع خبراء جمعية أرخيلون في اليونان، في نموذج عملي للتعاون بين مراكز الإنقاذ العاملة في دول البحر المتوسط.
وأوضحت الدراسة أن الفحوصات الطبية كشفت عن وجود سنارة صيد عالقة بالمريء، وهي من أخطر الإصابات الناتجة عن الصيد العرضي أو التخلص غير الآمن من معدات الصيد في البيئة البحرية، نظرًا لما تسببه من التهابات داخلية حادة قد تؤدي إلى نفوق الحيوان إذا لم يتم التدخل السريع.
وأشار رشاد إلى أن التعامل مع الحالة تطلب درجة عالية من الدقة، حيث نجح الفريق الطبي، بمشاركة الأستاذ الدكتور إيهاب هلال، في استخراج السنارة دون مضاعفات خطيرة، وهو ما شكل خطوة حاسمة في إنقاذ حياة السلحفاة وتهيئة الظروف اللازمة لتعافيها.
وبعد التدخل العلاجي دخلت السلحفاة مرحلة جديدة من العلاج والتأهيل استمرت 111 يومًا داخل مركز أشتوم الجميل، خضعت خلالها لمتابعة بيطرية دقيقة وبرامج تغذية متخصصة وتأهيل تدريجي لاستعادة سلوكها الطبيعي داخل البيئة البحرية.
وأكد الدكتور حسين محمد رشاد أن هذه المرحلة كانت من أهم مراحل التعافي، لأنها اختبرت قدرة السلحفاة على استعادة وظائفها الحيوية بصورة كاملة قبل اتخاذ قرار إعادة إطلاقها في البحر.
وفي 23 مايو 2025، أُعيد إطلاق السلحفاة "دريا" داخل محمية أشتوم الجميل، في خطوة وصفتها الدراسة بأنها تتويج لمسار طويل من التعاون العلمي بين مصر واليونان وجهد مشترك بين فرق بيطرية وبحثية متعددة التخصصات.
ولفت رشاد إلى أن إعادة إطلاق السلحفاة لا تمثل نهاية القصة، وإنما بداية مرحلة جديدة من المتابعة والرصد العلمي طويل المدى، بهدف ضمان استقرارها داخل بيئتها الطبيعية ومراقبة تحركاتها المستقبلية.
وأكد أن التعاون بين مركز أشتوم الجميل وجمعية أرخيلون يمثل نموذجًا متقدمًا للشراكات البيئية في البحر المتوسط، يقوم على تبادل البيانات والتدخل السريع وبناء قاعدة معرفية مشتركة، مشددًا على أن حماية السلاحف البحرية أصبحت مسؤولية إقليمية مشتركة تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين دول الحوض المتوسطي لمواجهة التهديدات المتزايدة التي تتعرض لها هذه الكائنات المهددة بالانقراض.
وخلصت الدراسة إلى أن حالة "دريا" لا تمثل مجرد عملية إنقاذ فردية، بل نموذجًا علميًا متكاملًا يبرهن على قدرة التعاون الدولي على إحداث أثر ملموس في حماية التنوع البيولوجي البحري وتعزيز فرص بقاء الأنواع المهددة بالانقراض في مواجهة الضغوط البشرية المتصاعدة في البحر المتوسط.
وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956
كشفت دراسة جديدة أن إسفنجة المطبخ اليومية قد تكون من أكثر الأدوات المنزلية احتواءً على البكتيريا، إذ غالباً ما تؤوي...
أشار إيجور مانيفيتش، طبيب الأنف والأذن والحنجرة، إلى أن دخول الماء إلى الأذن قد يؤدي إلى التهابها، لأن الرطوبة المتبقية...
يحذّر أطباء أمراض القلب بشدة من مخاطر محتملة قد تشكلها بعض الأجهزة الإلكترونية، منها سماعات AirPods، على الأشخاص الذين يعتمدون...
أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية عرض أولى حلقات سلسلة «فرسان الهيئة»، والتي تسلط الضوء على النماذج الملهمة من الكوادر الطبية...