نجح باحثون من جامعة مينيسوتا في اكتشاف طريقة غير متوقعة للتحكم في الخصائص الإلكترونية للمعادن على المستوى الذري، وذلك من خلال تغيير سمك طبقة معدنية بمقدار بضعة نانومترات فقط، ويعتقد العلماء أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام جيل جديد من التقنيات الإلكترونية والحفزية والكمومية.
نشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، وركزت على مادة معدنية تعرف باسم ثاني أكسيد الروثينيوم (RuO₂)، وهي مادة تتميز بموصليتها الكهربائية العالية وتستخدم في العديد من التطبيقات الإلكترونية المتقدمة.
يعتمد الاكتشاف على ظاهرة تعرف باسم الاستقطاب البيني (Interfacial Polarization)، وهي ظاهرة تنشأ عند منطقة التلامس بين مادتين مختلفتين، وقد تمكن الباحثون من استغلال هذه الظاهرة لتغيير ما يعرف بدالة الشغل السطحية للمعدن بأكثر من إلكترون فولت واحد، وهو تغير كبير جدا في عالم المواد الإلكترونية.
ودالة الشغل هي مقدار الطاقة اللازمة لإخراج إلكترون من سطح المادة، وتعد من أهم الخصائص التي تحدد كيفية تفاعل المادة مع الكهرباء والضوء والمواد الأخرى، ولذلك فإن القدرة على تعديلها تعني عمليا القدرة على إعادة تشكيل سلوك المادة الإلكتروني دون تغيير تركيبها الكيميائي.
المثير في الدراسة أن العلماء حققوا هذا التأثير ببساطة عن طريق تغيير سمك الطبقة المعدنية ببضعة نانومترات فقط، ولفهم أهمية ذلك يكفي أن نعلم أن النانومتر يساوي جزءا من مليار جزء من المتر.
وقد وجد الباحثون أن التأثير الأبرز ظهر عندما بلغ سمك طبقة ثاني أكسيد الروثينيوم نحو 4 نانومترات فقط، أي ما يقارب سماكة شريط واحد من الحمض النووي.
في العادة ينظر إلى ظاهرة الاستقطاب على أنها خاصية تميز المواد العازلة أو المواد الكهروضغطية والفيروكهربائية، بينما لا تنسب عادة إلى المعادن بسبب وجود الإلكترونات الحرة التي تميل إلى إلغاء أي استقطاب داخلي.
لكن الدراسة الحالية أظهرت أن التصميم الدقيق للواجهة بين المواد يمكن أن يسمح بتثبيت هذا الاستقطاب حتى داخل نظام معدني، وهو أمر كان يعتبر صعبا للغاية من الناحية النظرية والتجريبية.
وعندما وصلت الطبقة المعدنية إلى السماكة الحرجة البالغة 4 نانومترات، لاحظ الباحثون حدوث تحول مهم في ترتيب الذرات داخل المادة.
ففي السماكات الأقل كانت الذرات واقعة تحت تأثير إجهاد ناتج عن المادة الموجودة أسفلها. أما عند هذه السماكة الحرجة، فقد بدأت البنية الذرية بالانتقال إلى حالة أكثر استقرارا واسترخاء.
ورافق هذا التحول البنيوي تغير كبير في الخصائص الإلكترونية للمعدن. وبفضل تقنيات تصوير متقدمة للغاية تمكن العلماء من رؤية الإزاحات الذرية الدقيقة التي حدثت داخل المادة وربطها مباشرة بالقياسات الإلكترونية.
وقد أظهرت النتائج أن حركات ذرية صغيرة للغاية، لا تتجاوز أجزاء ضئيلة من النانومتر، كانت كافية لإحداث تغيرات كبيرة في السلوك الإلكتروني للمعدن.
ويشير هذا إلى أن ترتيب الذرات داخل المادة لا يحدد خواصها الميكانيكية أو البنيوية فقط، بل يمكن أن يؤثر بشكل مباشر وقوي على خصائصها الإلكترونية أيضا.
وتحمل هذه النتائج أهمية خاصة لمجالات عديدة، ففي صناعة الإلكترونيات يمكن أن تتيح هذه التقنية تطوير مكونات أصغر وأكثر كفاءة مع إمكانية ضبط خصائصها بدقة كبيرة.
وفي مجال الحفز الكيميائي تلعب دالة الشغل دورا أساسيا في تحديد كيفية تفاعل الجزيئات مع سطح المادة. ولذلك فإن القدرة على تعديلها قد تساعد في تصميم محفزات أكثر فعالية للعمليات الصناعية وإنتاج الطاقة.
أما في مجال التقنيات الكمومية فإن التحكم الدقيق في الخواص الإلكترونية على المستوى الذري يعد أحد المتطلبات الأساسية لتطوير الحواسيب الكمومية والأجهزة الإلكترونية فائقة الحساسية.
ومن الناحية العلمية الأساسية يقدم الاكتشاف دليلا جديدا على أن الحدود الفاصلة بين المواد المختلفة ليست مجرد مناطق انتقالية، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات هندسية قوية تسمح بالتحكم في المادة بطرق لم تكن متاحة من قبل.
ويعتقد الباحثون أن هذه النتائج قد تؤسس لفرع جديد من هندسة المواد يعتمد على تصميم الواجهات الذرية بدقة للتحكم في الخصائص الإلكترونية للمعادن، بدلا من الاعتماد فقط على تغيير التركيب الكيميائي أو إضافة عناصر جديدة.
وبعبارة أخرى فإن العلماء أظهروا أن تحريك الذرات لمسافات متناهية الصغر قد يكون كافيا لتغيير سلوك معدن كامل، وهو اكتشاف قد يحمل آثارا بعيدة المدى على مستقبل الإلكترونيات والمواد المتقدمة والتقنيات الكمومية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
كشف طبيب الأسرة البريطاني الدكتور دين إيجيت عن إرشادات قد تساعد المرضى في تحقيق أقصى استفادة ممكنة فى علاج حالاتهم...
نجح علماء من مختبرMRC للبيولوجيا الجزيئية في كشف النقاب عن آلية دفاعية خلوية داخلية غير معروفة من قبل تُسمى التهام...
بدأت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" ضمن خطة لإنشاء قاعدة قمرية واسعة، في طلب مركبات هبوط وروبوتات جوالة وطائرات مسيرة، وذلك...
تعتزم وكالة الفضاء الأوروبية إطلاق مهمة فضائية جديدة، لدراسة كيفية استجابة الدرع المغناطيسي للأرض للطقس الفضائي ، و من المقرر...