الذكاء الاصطناعي يرسم خريطة القوى الخفية التي تحدد فرص النجاة من السرطان

نجح باحثون في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة جديدة قوية لفهم الأسباب التي تجعل معدلات النجاة من السرطان تختلف بشكل حاد بين دول العالم.

من خلال تحليل بيانات السرطان وأنظمة الرعاية الصحية في 185 دولة، كشف النموذج القائم على التعلم الآلي عن العوامل الأكثر ارتباطا بتحسن فرص البقاء على قيد الحياة، مثل إتاحة العلاج الإشعاعي وشمولية التغطية الصحية والقوة الاقتصادية لكل دولة.

للمرة الأولى يطبق العلماء تقنيات التعلم الآلي لتحديد العوامل الأكثر ارتباطا بنتائج السرطان في معظم دول العالم، وقد نشرت هذه الدراسة في مجلة Annals of Oncology إحدى أبرز الدوريات العلمية المتخصصة في علم الأورام، وتجاوزت المقارنات العامة المعتادة لتقدم رؤية عملية توضح أي التغييرات السياسية أو الإصلاحات الصحية يمكن أن تحدث أكبر أثر في كل دولة على حدة.

كما طور الفريق أداة إلكترونية تفاعلية تتيح للمستخدمين اختيار أي دولة والاطلاع على كيفية ارتباط عوامل مثل الثروة الوطنية وتوافر العلاج الإشعاعي ونطاق التغطية الصحية الشاملة بنتائج السرطان فيها.

وأوضح إدوارد كريستوفر دي الطبيب المقيم في علاج الأورام الإشعاعي بمركز ميموريال سلون كيترينج في نيويورك وأحد قادة الدراسة، أن نتائج السرطان عالميا تختلف بدرجة كبيرة بسبب الفروق في أنظمة الرعاية الصحية الوطنية.

وأضاف أن الهدف كان إنشاء إطار عملي قائم على البيانات، يساعد الدول على تحديد أدوات السياسات الأكثر تأثيرا لتقليل وفيات السرطان وسد فجوات العدالة الصحية.

وأشار إلى أن عدة عوامل برزت بشكل متكرر في التحليل، من بينها الوصول إلى العلاج الإشعاعي والتغطية الصحية الشاملة والقوة الاقتصادية. رغم أن عوامل أخرى لعبت أيضا أدوارا مهمة بحسب السياق الوطني لكل دولة.

اعتمد الباحثون في تحليلاتهم على بيانات الإصابة والوفيات بالسرطان من مرصد السرطان العالمي GLOBOCAN لعام 2022 والتي تغطي 185 دولة.

كما دمجوا هذه البيانات مع معلومات عن أنظمة الرعاية الصحية جمعت من منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة ودليل مراكز العلاج الإشعاعي.

وشملت البيانات مؤشرات مثل الإنفاق الصحي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب الفرد من الناتج المحلي، وعدد الأطباء والممرضين والقابلات والعاملين في الجراحة لكل ألف شخص، ومستوى التغطية الصحية الشاملة وإتاحة خدمات علم الأمراض، ومؤشر التنمية البشرية وعدد مراكز العلاج الإشعاعي، ومؤشر عدم المساواة بين الجنسين، ونسبة التكاليف الصحية التي يدفعها المرضى من جيوبهم الخاصة.

تم تطوير نموذج التعلم الآلي بواسطة الباحث ميلت باتيل المؤلف الأول للدراسة وهو متخصص في الكيمياء الحيوية والإحصاء وعلوم البيانات وإصلاح النظم الصحية.

وأوضح أن استخدام هذه النماذج يتيح تقديم تقديرات وتوقعات خاصة بكل دولة مع الإقرار بقيود البيانات السكانية العامة، لكنه أكد أن النتائج يمكن أن توجه التخطيط لأنظمة السرطان عالميا.

يقيس النموذج فعالية رعاية السرطان باستخدام ما يعرف بنسبة الوفيات إلى الإصابات، وهي مؤشر يعبر عن نسبة حالات السرطان التي تنتهي بالوفاة، ويستخدم لتقدير جودة وفعالية الرعاية الصحية.

ولتفسير تأثير كل عامل استخدم الباحثون منهجية SHAP التي توضح مساهمة كل متغير في النتيجة النهائية ما يجعل قرارات النموذج أكثر شفافية وقابلية للفهم.

أوضح باتيل أن الهدف لم يكن مجرد وصف الفوارق بل الانتقال إلى توجيه عملي لصناع القرار عبر خرائط طريق قائمة على البيانات، تبين بدقة أي استثمارات صحية ترتبط بأكبر أثر محتمل في كل دولة.

ومع تزايد العبء العالمي للسرطان يمكن لهذه الرؤى أن تساعد الدول على ترتيب أولوياتها وتقليص فجوات النجاة بطريقة أكثر عدالة وفعالية خاصة في البيئات محدودة الموارد.

أظهرت النتائج أن العوامل المؤثرة تختلف بوضوح من دولة إلى أخرى، ففي البرازيل كانت التغطية الصحية الشاملة العامل الأكثر ارتباطا بتحسن النتائج، بينما لعبت عوامل أخرى مثل خدمات علم الأمراض وعدد الممرضين دورا أقل حاليا، ما يشير إلى أن تعزيز التغطية الصحية قد يحقق أكبر المكاسب.

أما في بولندا فبرز توافر العلاج الإشعاعي ونصيب الفرد من الناتج المحلي ومستوى التغطية الصحية الشاملة باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرا، ما يعكس نجاح التوسع في التأمين الصحي وإتاحة الرعاية مقارنة بالإنفاق الصحي العام.

وفي دول مثل اليابان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ظهر نمط أوسع، حيث ارتبطت معظم مؤشرات النظام الصحي بتحسن نتائج السرطان، غير أن العامل الأبرز كان كثافة مراكز العلاج الإشعاعي في اليابان، بينما كان نصيب الفرد من الناتج المحلي هو المؤثر الأكبر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

قدمت الصين صورة أكثر تعقيدا، إذ ساهم كل من ارتفاع الدخل واتساع التغطية الصحية وزيادة الوصول إلى العلاج الإشعاعي في تحسين النتائج، في حين كان الإنفاق المباشر من جيوب المرضى وحجم القوى العاملة الجراحية أقل تأثيرا حاليا.

وتشير النتائج إلى أن الأعباء المالية المباشرة لا تزال عائقا رئيسيا رغم التقدم السريع في تطوير النظام الصحي ما يستدعي تركيزا أكبر على تقليل المدفوعات المباشرة وتعزيز التغطية الشاملة.

داليا رشوان

داليا رشوان

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

Gemini 1.5 Pro
"مانتيس" تطلق أول روبوت صناعي سريع يعمل دون حواجز
جوجل
جوجل تطلق ثورة الإنتاج البصري في المنطقة العربية بدقة 4K
الذكاء الاصطناعي
اليابان تطوّر روبوتا يعمل بالذكاء الاصطناعي لفحص أنظمة القطارات المغنا
روبوت
محطات الطاقة النووية

المزيد من علوم وتكنولوجيا

ميتا تفعل ميزة تنبيه أولياء الأمور عند بحث أطفالهم عن محتوى "إيذاء النفس"

أعلنت شركة "ميتا " (Meta)، المالكة لمنصتي "فيسبوك" و"إنستجرام"، عن إطلاق ميزة أمان استباقية جديدة تقوم بإرسال تنبيهات فورية إلى...

كشف علمي يبشر بعلاجات جديدة لمرض السكري

قال باحثون إن مرض السكري أقل شيوعاً بين الأشخاص الذين يعيشون على المرتفعات العالية حيث مستويات الأكسجين منخفضة مقارنة بمن...

جوجل تشعل ثورة الذكاء الاصطناعي: إطلاق Gemini 1.5 Pro بقدرات فائقة

أعلنت شركة Google عن إطلاق الإصدار الجديد من نموذجها الرائد للذكاء الاصطناعي Gemini 3.1 Pro يعد هذا النموذج هو الأحدث...

الوخز بالإبر يساعد في علاج الصداع النصفي

أظهرت دراسة طبية جديدة نتائج واعدة حول فعالية الوخز بالإبر في الحد من الصداع النصفي "بدون هالة"، أحد أكثر أنواع...