على غرار قصة البطل رفعت الجمال..أو رأفت الهجان كما جاء بالدراما المصرية.. والذي استطاعت المخابرات المصرية زرعه داخل المجتمع الإسرائيلي واستمر هناك 17 عاما .. قام خلالها بإمداد مصر بمعلومات هامة ساعدت في دعم المخابرات المصرية بميعاد ضربة يونيو 1967، كما كان له دور فعال في الإعداد لحرب أكتوبر 1973 ..
نجحت المخابرات المصرية في تجنيد البطل أشرف الطحان في واحدة من أذكى عملياتها للتجسس على العدو الإسرائيلي.
- إعداد بطل في الوقت الذي غرق فيه جنرالات إسرائيل فى نشوة النصر الذي حققوه فى حرب 1967 كان عشرات المهاجرين يتوافدون على إسرائيل جنة الله فى الأرض كما وعدتهم الدعاية الصهيونية..
ومن بين هؤلاء كان "دافى كرينهال" مهاجر سوفيتي نحيل الجسم وضعيف القوة يثير الشفقة بملابسه الرثة وحقيبته البالية وربما لهذا لم يعيره الأمن أى انتباه.. ليتسلم بعدها أوراق إقامته فى إسرائيل في احد المزارع أو "الكيبوتز" ليعملوا بالزراعة .
ولمدة 3 أشهر أخذ دافى يقص حكايته على جميع زملائه المهاجرين فهو يهودي سوفيتي اعتقل الحزب الشيوعي والده وعمره 11 عاما.. ولم يره مرة أخرى حتى توفيت والدته.. وصحبه رجل يوغسلافي إلى تركيا وهناك ركب أحد السفن القادمة إلى إسرائيل ممنيا النفس بأن يحقق أحلامه فى أرض الميعاد.. وتعاطف الجميع معه.
- النبوءة الأولى
كان ديفي جالسا مع رفاقه ويتحدث مع جارته الفاتنة راشيل وأمها العجوز استير وفجأة زاغ بصره وشردت ملامحه وهو يقول بصوت عميق:- لقد أخطأ ( يارون بلونسكى ) كثيرا عندما رفض الاعتراف بما فعل لقد شعر بالخزي و الندم وقرر أن يدفع الثمن وسيدفع قريبا !!
ثم اغشي عليه وسط ذهول زملائه وبعد أن أفاق حاولوا أن يستفسروا منه عن ذلك التصرف إلا أنه أخبرهم أنه لا يتذكر أنه قال شيئا من ذلك .
وتسمرت راشيل وأمها فى مكانها من هول الصدمة فقد كان يارون بلونسكى هذا السبب فى هجرة أسرة راشيل من العراق عندما ارتبط مع ابنتهم راشيل بقصة حب تطورت إلى علاقة غير مشروعة ونتج عنها حمل سفاح..ولكنه رفض الاعتراف به.
وفى الأسبوع التالي مباشرة تلقت راشيل رسالة من أوروبا وبداخلها شيك بمبلغ ضخم يمكن صرفه من أى بنك فى إسرائيل ويحمل توقيعا كاد قلبها أن يتوقف لرؤيته: يارون بلونسكي وعلى ظهر الشيك كانت عبارة "تقبلي اعتذاري" بخط يارون نفسه !!!
- النبوءة الثانية
وفى سهرة صاخبة فى نهاية الأسبوع فاجأ دافى الجميع بنبوءة أخرى عندما زاغ بصره وشردت ملامحه وقال لهم: خسارة أن يتلف محراث جميل كهذا !!! ثم عاد إلى وعيه وأنكر تماما أنه قد قال أى شيء.
وانطلق الشباب يفحصون كل المحاريث فى المزرعة والتي كانت جديدة تماما .. ولكن فى اليوم التالي مباشرة انكسر المحراث الرئيسي فى المزرعة دون أى سبب لينظر الجميع إلى دافى فى ذهول.
وانتشر خبر ذلك العراف فى المزرعة والمزارع المجاورة وبدأ الناس فى التوافد عليه ليطلبوا منه أن يخبرهم بأي نبوءة مستقبلية لهم ورغم أن الشاب كان يرفض ذلك تماما إلا أنه فى بعض الحالات كان يروح فى تلك الحالة العجيبة من الشرود ويدلى بنبوءة هنا وهناك تتعلق بماضي أحد الحاضرين أو مستقبله مما أكد للجميع أنه لا يتحكم فى موهبته ولا يعلم عنها شيئا.
- استدعاء البطل إلى تل أبيب
ومع الوقت خرج الأمر من حيز المزارع الريفية البسيطة إلى أرض أكثر صلابة ليفاجأ دافى ذات يوم بضيف من ذوى السترات الرسمية يطلب مقابلته ليخبره أن يستعد للسفر إلى .. تل أبيب !!!
- ابتلعوا الطعم
فى نفس اللحظة وعلى بعد مئات الأميال وفى قلب العاصمة القاهرة .. اندفع مسئول الشفرة إلى مكتب رجل المخابرات الشهير "أمجد " وهو يقول له: لقد ابتلعوا الطعم .. واستدعوه إلى تل أبيب ليبدأ الجزء الثاني من العملية الجنونية التي وضع أمجد خطتها بنفسه.
- بداية الحكاية.. تجنيد أشرف الطحان عندما التقى أمجد مصادفة بذلك الشاب ذو الثياب الرثة التي تدل على فقر شديد و لم يمنع ذلك تلك النظرة العبقرية التي تطل من عينيه .. والتي استغلها الشاب فى التحايل على البسطاء ليحصل على قوت يومه عن طريق إقناعهم بأنه ( شخص مكشوف عنه الحجاب ) وكان لملامحه الغريبة أكبر الأثر فى ذلك.. وليتلقفه أمجد ليتعرف عليه وليعرف منه قصته الحزينة..
- أشرف الطحان .. بطل القصة
اشرف فؤاد الطحان .. شاب مصري.. كان والده فؤاد الطحان من أسرة مصرية بسيطة اقتطعت من قوت يومها لتعليم ابنهم الأكبر أشرف وليحصل على شهادة الهندسة أملا منهم فى أن يرفع مستوى عائلتهم الاجتماعي والتقي فؤاد بالأوكرانية ( هيلجا بتروفا ) وتزوجها وأنجبوا أشرف.. لكن الأب مات قبل أن يرى ابنه فى حادث اليم قبل ولادة أشرف بيوم واحد.
وحتى العاشرة من عمره تعود الطفل على أن يقضى الشتاء فى كنف أمه وجده السوفيتي.. والصيف فى مصر مع عائلة أبيه .. وهكذا نشأ الصبي وهو يجيد التعايش مع العادات السوفيتية والتحدث باللغة الروسية بلهجة أهل أوكرانيا.. بالإضافة إلى عشقه لمصر وتحدثه باللغة العامية.
وفى الحادية عشرة من عمره تتوفى والدته، ليأخذه جده إلى أوكرانيا خلسة بسبب تمسك أهل والده به، وهناك عانى الصبي بسبب فراق مصر وأهل أبيه.. وعندما كبر استطاع الهروب من القبضة الحديدية السوفيتية وظهر فى الإسكندرية وذهب إلى منزل أهل والده وكانت المفاجأة أن المنزل كان قد انهار دافنا معه كل أفراد الأسرة باستثناء ابنة عمه (وفاء ) والتي كان يحبها وكانت تراسله أثناء وجوده فى أوكرانيا .. فبحث عنها فى كل مكان ولم يجدها واسودت الدنيا فى وجهه وانتهى به الأمر وهو بتسول لقمته فى المساجد.. إلى أن تلقفته أيدى المخابرات المصرية.
- "العراف" الرسمي لجنرالات إسرائيل
دارت كل تلك المشاهد فى رأس دافى كرينهال أو أشرف فؤاد وهو جالس فى تلك السيارة التي تقله إلى تل أبيب.
وبعد وصوله ذلك المبنى الأنيق.. قابل زوجة الجنرال "كوهين" أحد قادة الجيش الإسرائيلى.. والتي طلبت إحضار دافى بعد ذيوع صيته وشهرته.
فى تلك الفترة التي كان المجتمع الإسرائيلى غارقا فى شهوة النصر ..وأخذ كل منهم يبحث عن شيء جديد ليتفرد به ببن أقرانه فتم إعداد دافى كرينهال للحفل الذي تقيمه زوجة الجنرال والذي يحضره زوجات الجنرالات الآخرين والجنرالات أنفسهم والذين لم يعيروا دافى أى انتباه على اعتبار أنه مجرد موضة وسوف تزول.
وكان الانبهار يملأ دافى من داخله فقد كان كل ذلك قد أخبره به رجل المخابرات المصري أمجد منذ كان فى القاهرة فى أثناء فترة إعداده مما أعطاه ثقة كبيرة وراح يختلط بالحاضرين.
- فضيحة كبرى في إسرائيل .. بطلها العراف
جلس دافي فى وسط زوجات الجنرالات يستمع لأحاديثهم وهم فى انتظار أن يلقى بأحد تنبؤاته.. وفجأة راح فى تلك الحالة التي كان يجيد تمثيلها.. ونظر فى اتجاه زوجة سكرتير وزير الصناعة وقال لها: قصة ميراث بلغاريا لا أساس لها من الصحة.. وانطلق يخبرها عن الكثير من أحداث ماضيها والذي لا يعلمه أحد ثم ختم حديثه بعبارة : ولكن زوجك يواجه خطرا كبيرا جدا ..
ووسط ذهول الجميع اعترفت زوجة السكرتير بصحة كل ما قاله دافى.
فى صباح اليوم التالي وصلت إلى النائب العام الإسرائيلى كومة من الملفات والوثائق التي تثبت تورط سكرتير وزير الصناعة الإسرائيلى فى وقائع فساد ورشوة واستغلال نفوذ وكانت فضيحة كبرى فى إسرائيل وقنبلة انفجرت حول دافى الذي أصبح العراف الرسمي لجنرالات إسرائيل.
- "النبوءات" من إعداد المخابرات
كل النبوءات كانت من إعداد المخابرات المصرية التي نشرت شبكة كاملة حول دافى لتمده بكافة المعلومات التي يستطيع استغلالها بموهبته الفطرية فى إلقاء النبوءات بدءا من نبوءة راشيل ويارون والتي تكبدت المخابرات المصرية المشقة فى سبيل العثور على يارون وإقناعه أنهم أهل راشيل وإجباره على توقيع الشيك والاعتذار..
وأيضا حادثة المحراث التي دبرها عميل أخر كان يعاون دافى فى نفس المزرعة وانتهاء بنبوءة سكرتير وزير الصناعة الذي فضحته المخابرات المصرية
ومع ذيوع صيت دافى أصبح ضيفا دائما على حفلات جنرالات إسرائيل وكان يسير بينهم فى منتهى الحرية ويستمع بنفسه إلى أهم الأخبار والمعلومات ويقوم بنقلها مباشرة إلى القاهرة حيث تستقبلها مجموعة خاصة مهمتها الأساسية هي تلقى المعلومات من ذلك المصدر الخطير الذي أمد القاهرة بمعلومات غاية فى الدقة.
- دافي في الموساد
المخابرات الإسرائيلية اهتمت بدافي مع انتشاره فى المجتمع الإسرائيلى وتم بالفعل اصطحاب دافى إلى مقر الموساد للتحقيق معه ومراجعة أوراقه بل وتم فحصه بجهاز كشف الكذب الذي كان قد تدرب على خداعه على يد رجال المخابرات المصرية وجاءت النتيجة سلبية تماما.
مما أعطاه ثقة بلا حدود فى المخابرات المصرية وتوطدت صلاته بالجنرالات وكبار المسئولين وتسابقوا فى استضافتهم فى منازلهم حتى أنه على مدار السنوات التي قضاها فى إسرائيل من العام 1968 حتى 1973 لم يكن له مسكنا مستقلا.
- خط بارليف .. نبوءة مهمة
وفى أحد الأيام ألقى دافى بنبوءة أخرى على مسامع الجنرال كوهين حيث قال له: "ستثبت جدارتك حقا فى قيادة خط بارليف يا جنرال" ومع دهشة الجنرال وفرحته كانت المفاجأة عندما تلقى تكليف الوزارة له بقيادة الحصون الشمالية فى خط بارليف.
وهنا قام الجنرال كوهين باصطحاب دافى إلى منزله ليقيم هناك فى حجرة صغيرة إقامة شبه دائمة باعتباره العراف الخاص به.
- المهمة المستحيلة.. "العراف" يدخل خط بارليف
فى أواخر عام 1972 .. استقبل دافي رسالة شفرية من المخابرات المصرية تطلب منه القيام بشيء خطير بل ومستحيل ..
وفى اليوم التالي وبينما كان الجنرال يحكى لزوجته المتاعب والصعوبات التي تواجهه على خط بارليف وفى وجود دافى الذي يستمع ويخزن كل تلك المعلومات .. فاجأ دافى الجنرال بسؤال غريب: كيف يبدو خط بارليف من الداخل؟ ولصعوبة السؤال اندفع الجنرال يسأله فى شك؟ ولماذا تسأل هذه أمور سرية ؟؟ وهنا زاغ بصر دافى وشردت ملامحه كعادته عند إلقاء النبوءات وقال: الجنرال كوهين .. خط بارليف .. التاريخ !!!!
وانتفضت زوجة الجنرال من مقعدها وهى تسأله عما يعنيه وربط الجميع بين تلك النبوءة وبين سؤاله عن خط بارليف من الداخل.. إذن الجنرال كوهين سيدخل التاريخ بقيادته لخط بارليف.
وأقنعت الزوجة زوجها بضرورة أن يصطحب دافى معه إلى داخل خط بارليف.. لعله تأتيه نبوءة أخرى توضح الأمور.. واقتنع الجنرال بدوره وتم تحديد موعد لكي يصطحب دافى معه وكان هذا ما طلبته المخابرات المصرية حرفيا من دافى وهو محاولة الدخول إلى خط بارليف بأي طريقة !!
- تفاصيل أقوي خط دفاعي عسكري بالتاريخ
فى الموعد المحدد فى أوائل مارس 1973 كان دافى جاهزا للذهاب مع الجنرال إلى خط بارليف بتلك السترة الجديدة ذات الأزرار الكبيرة اللامعة التى تخفي آلة تصوير دقيقة تحوى ميكروفيلما خاصا لالتقاط كل الصور الممكنة لخط بارليف من الداخل لكشف تفاصيل اقوي خط دفاعي عسكري عرفه التاريخ وكان هذا هو هدف تلك العملية العجيبة من البداية.
وذهب دافى إلى خط بارليف وتجول داخله بمنتهى الحرية بصحبة الجنرال ليلتقط كمية هائلة من الصور من كل الزوايا لكافة التحصينات الداخلية للخط المنيع.
- بفضل العراف..بناء نموذج كامل ثلاثي الأبعاد لحصون خط بارليف
وبعد عودته سلم دافى الميكروفيلم إلى عميل آخر والذي قام بنقله إلى القاهرة وراح الرجال يراجعون ويدرسون كل الصور الملتقطة ليتمكنوا فى النهاية من صنع نموذج كامل ثلاثي الأبعاد لحصون خط بارليف كما تمكن الجيش من إقامة وحداته بالحجم الطبيعي ليتدرب عليها رجال الصاعقة والكوماندوز انتظارا للحظة الحسم .
- نهاية المهمة
استمر دافى فى أداء مهمته من داخل منزل الجنرال كوهين قائد الجبهة الشمالية لخط بارليف حتى أواخر عام 1973 عندما استلم برقية من المخابرات تطلب منه مغادرة إسرائيل فورا حيث تم نقله إلى روما وهناك وجد أمجد فى انتظاره ليستقلا طائرة إلى مصر مباشرة.
وعرف دافي بنفسه سبب ترحيله المفاجئ عندما اندلعت حرب أكتوبر بعد أسبوع واحد من وصوله إلى مصر.
لقد خشيت المخابرات المصرية على عميلها أن ينكشف بعد الحرب عندما يبحث الإسرائيليون عن المصدر الذي سرب كل تلك المعلومات الخطيرة وآثروا إنهاء العملية حفاظا على حياة عميلهم.
وفى القاهرة .. علد دافى إلى اسمه الحقيقي أشرف فؤاد الطحان.. و وجد كل الرعاية من المخابرات المصرية لتثبت المخابرات المصرية مرة أخرى أنها لا تنسى أى رجل من رجالها الذين يضحون بحياتهم فداء للوطن الأعظم .... مصر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نقلة نوعية شاملة تشهدها المرأة المصرية خلال السنوات الأخيرة ، عكست توجهًا واضحًا نحو دعمها وتمكينها على مختلف المستويات.. وبمناسبة...
في إطار دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يسهم في بناء اقتصاد قائم على...
مع التصعيد العسكري الخطير وتهديده للأمن الإقليمي بالشرق الأوسط.. بعد الضربات الأمريكية - الإسرائيلية لإيران.. والهجمات الإيرانية على عدد من...
في إطار التزام الدولة بتطبيق منظومة صحية حديثة تقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكفل حق كل مواطن في الحصول على...