مهرجان أفينيون المسرحي في فرنسا.. 80 عاما من الإبداع

تصدح شوارع أفينيون بخطوات متسارعة، ويتردد صدى الملصقات الملونة فى كل زاوية، معلنا الاحتفال بمهرجان "أفينيون أوف"، بنسخته الثمانين .

 
ومهرجان أفينيون، هو واحد من أهم المهرجانات المسرحية في العالم، ويُقام سنويًا في مدينة أفينيون بجنوب شرق فرنسا.. ويقام فى مثل هذا التوقيت من كل عام ، حيث يستمر من 4 إلى 25 يوليو 2024، 
 
 
80 عاما من الابداع
 
80 عاما على انطلاق مهرجان افينيون المسرحى ،الذى اسسه جون فيلار عام 1947، والفكرة التي وُلدت في ساحة قصر البابوات تحوّلت إلى أكبر تظاهرة مسرحية في العالم، وأحد أهم المختبرات الدولية لتجديد فنون العروض المسرحية..
 
 وبعد ثمانين عاماً من التأسيس، يواصل مهرجان أفينيون تأكيد حقيقة بسيطة: كلما أعلن البعض موت المسرح، وجد هذا الفن العريق طرقاً جديدة للعودة إلى الحياة..
 
مسرح مفتوح
 
يُعدّ مهرجان أفينيون أكثر من مجرد مناسبة فنية؛ فهو حدث ثقافي واجتماعي يحوّل المدينة الفرنسية التاريخية إلى مسرح مفتوح. خلال أسابيع المهرجان تختفي الحدود بين الخشبة والشارع، وبين الفنان والمتفرج. الساحات والأزقة والجسور والحدائق تتحول إلى فضاءات للعروض والحوارات والقراءات واللقاءات الفكرية، فيما يتدفق آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم لمتابعة أحدث التجارب المسرحية وأكثرها جرأة.
 
منذ تأسيسه على يد جان فيلار، الذي كان آنذاك مدير "المسرح الوطني الشعبي" (Théâtre National Populaire)، ارتبط المهرجان بفكرة الديمقراطية الثقافية، أي جعل الفن متاحاً للجميع لا حكراً على النخب. ولهذا ما زال حتى اليوم يحتفظ بروحه الأصلية التي تجمع بين العروض الكبرى في قصر البابوات والعروض المجانية التي تنتشر في شوارع المدينة.
 
شعار الدورة الثمانين
 
وتنعقد الدورة الثمانون للمهرجان تحت مسمي "الدفاع عن حق الفن في طرح الأسئلة".
 
قال مدير المهرجان تياجو رودريجيز: "يجب أن يكون أفينيون احتفالاً بالشك الذي يحمله الفنانون، وبقوة الأسئلة التي يستطيع الفن أن يطرحها على العالم، في زمن أصبحت فيه الأجوبة شديدة التبسيط من أجل مزيد من التلاعب".
 
وقد جسّد الملصق الرسمي هذا التوجه عبر خلفية صفراء فوسفورية تتوسطها علامة استفهام سوداء ضخمة مستوحاة من الخطوط الآسيوية، في إشارة إلى أن المسرح ما زال فضاءً للتفكير والنقاش والاختلاف
 
وتضم الدورة الحالية 47 عرضاً رئيسياً وأكثر من 300 فعالية وتقديم فني.
 
كوريا الجنوبية ضيفاً على أفينيون
 
بعد أن استضافت الدورات السابقة لغات وثقافات مختلفة مثل الإسبانية والإنجليزية والعربية، اختارت إدارة المهرجان هذا العام اللغة والثقافة الكوريتين لتكونا ضيف الشرف.
 
يحضر المسرح الكوري بقوة عبر مجموعة من الأعمال التي تستعيد قضايا الهوية والذاكرة والتاريخ.
 
من أبرز هذه الأعمال مسرحية "الوقواق" (Cuckoo) للمخرج الكوري جاها كو، وهي تجربة مسرحية غير تقليدية تجعل ثلاثة أجهزة طهي بالضغط شخصيات رئيسية، ترمز إلى هشاشة العمالة الحديثة في المجتمع الكوري.
 
كما يقدّم المخرج كيونج سونج لي عرض "حكاية جزيرة" (Island Story)، وهو عمل وثائقي مسرحي يستعيد مجزرة عام 1948 في جزيرة جيجو، إحدى أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ الكوري الحديث.
 
الحضور العربي.. من ضيف إلى شريك أساسي
 
لم يعد الحضور العربي في مهرجان أفينيون حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من هوية المهرجان خلال العقود الأخيرة.
 
في دورات سابقة، استضاف المهرجان أعمالاً لفنانين ومخرجين عرب بارزين من مصر ولبنان وتونس والمغرب والعراق وسوريا وفلسطين، كما خُصصت في بعض الدورات برامج كاملة للحوار مع الثقافة العربية المعاصرة. 
 
وشهدت ساحات أفينيون عروضاً لمخرجين مثل فاضل الجعايبي ولطيفة الأحرار وغيرهما من الأصوات التي أسهمت في تعريف الجمهور الأوروبي بتحولات المسرح العربي.
 
وكانت اللغة العربية نفسها ضيفة رسمية للمهرجان في إحدى دوراته الأخيرة، في اعتراف واضح بحيوية الإبداع المسرحي العربي ومكانته في المشهد الثقافي العالمي.
 
أما في الدورة الثمانين، فيبرز الحضور العربي من خلال أكثر من عمل لافت، من بينها عرض "البناء" (Bâtir) للفنان الفرنسي الجزائري سليم جعفري، الذي يستكشف آثار الاستعمار الفرنسي في الجزائر من خلال دراسة العمارة والتخطيط الحضري. ويجمع العمل بين المسرح الوثائقي والأداء الحي، ليطرح أسئلة حول الذاكرة والمكان والعلاقات المعقدة بين التاريخ والمدينة.
 
غير أن الحضور العربي الأبرز يأتي من مصر عبر المخرج والكاتب المسرحي أحمد العطار، الذي يقدّم عرضه الجديد "سلمى… يا حبيبتي" (Salma, mon amour).
 
يستعيد العطار، عبر عنوان يحمل صدى فيلم "هيروشيما حبيبتي" الذي أنجزه المخرج الفرنسي الكبير آلان رينيه عن كتاب مارجريت دورا شهيرا بنفس العنوان، حياة أشخاص يعيشون على هامش الأحداث الكبرى.
 
 ومن خلال مزج المسرح بالسرد والأداء البصري، يتأمل هشاشة الحياة اليومية في منطقة تعيش أزمات متلاحقة، متسائلاً: "كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء حياته بعد أن يتحول العالم من حوله إلى رماد؟".
 
من إبسن إلى عصر الأخبار المزيّفة
 
ومن الأعمال المنتظرة أيضاً التعاون الأول بين المخرجة البرازيلية كريستيان جاطاهي والممثل البرازيلي فاجنر مورا، الفائز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان السينمائي.
 
ويحمل العمل عنوان "المحاكمة – بعد عدو الشعب"، وهو إعادة قراءة معاصرة لمسرحية هنريك إبسن الشهيرة "عدو الشعب". ويناقش العرض قضايا البيئة والعلاقة بين العلم والسياسة والسلطة والحقيقة في عصر المعلومات المضللة.
 
العودة إلى أسطورة "ماهاباراتا"
 
يحمل برنامج الدورة أيضاً بعداً احتفالياً بتاريخ المهرجان نفسه، ففي عام 1985 قدّم المخرج البريطاني الشهير بيتر بروك عرضه الأسطوري "ماهاباراتا" في مقلع بولبون الحجري المهجور قرب أفينيون، في تجربة استمرت تسع ساعات، وأصبحت جزءاً من ذاكرة المسرح العالمي.
 
وفي الدورة الثمانين يعود المهرجان إلى هذا الموقع التاريخي ليستضيف عرض "بوكلان 1، 2، 3" (Poquelin 1, 2, 3) لفرقة STAN الفلامنكية، وهو عمل يمتد لخمس ساعات، ويعيد قراءة عالم موليير بروح معاصرة ساخرة ومتمردة.
 
ختام المهرجان
 
أما ختام الدورة فسيكون في ساحة الشرف الشهيرة داخل قصر البابوات، حيث تقدم فرقة Collectif XY عرض "خطوة العالم" (Le Pas du Monde)، الذي يمزج بين الشعر والموسيقى وفنون السيرك.
 
في هذا العرض تتحول الأجساد إلى عناصر طبيعية متحركة، ترصد التحولات التي تصيب الكائن الحي ومرور الزمن، وكأن المهرجان يريد أن يختتم دورته الثمانين بالصورة ذاتها التي بدأ منها قبل ثمانية عقود: الإنسان في مواجهة العالم، والفن في مواجهة اليقين.

امانى عبد المنعم

امانى عبد المنعم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

مهرجان أفينيون المسرحي في فرنسا.. 80 عاما من الإبداع

تصدح شوارع أفينيون بخطوات متسارعة، ويتردد صدى الملصقات الملونة فى كل زاوية، معلنا الاحتفال بمهرجان "أفينيون أوف"، بنسخته الثمانين .

"السياحة والآثار" بأسبوع..افتتاح مكتبة المتحف الكبير وإعلان ضوابط العمرة قريبا

شهدت وزارة السياحة والآثار العديد من التحركات الايجابية نحو دعم الملفات الهامة الخاصة بالقطاع، وذلك على مدار الأسبوع، نحصر أبرزها...

بقطع أثرية مميزة.. متاحف مصر تحتفل بذكرى حجر رشيد واليوم العالمي للشطرنج

في إطار الدور الثقافي والتوعوي الذي تضطلع به المتاحف المصرية، وتزامنًا مع عدد من المناسبات التي يشهدها شهر يوليو، وفي...

"القاهرة الدولي للمونودراما"..تكريم 4 قامات فنية ومنصات إبداعية بدورته التاسعة

من أجل تنشيط المشهد الثقافي ودعم التجارب المسرحية النوعية، وتحت شعار "من القاهرة.. ينطلق الإبداع"، ينطلق مهرجان القاهرة الدولى للمونودراما،...