لغز "بلوزيوس".. كشف أثري استثنائي بشمال سيناء

بعد ستة أعوام من أعمال الحفائر الأثرية بتل الفرما بمدينة بلوزيوم الأثرية بشمال سيناء.. أعلنت وزارة السياحة والآثار عن اكتشاف البعثة الأثرية المصرية من المجلس الأعلى للآثار، بقايا معبد فريد من نوعه، للإله "بلوزيوس".

ويقدم لنا د. عبد الرحيم ريحان دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، دراسة تحليلية لكشف معبد الإله بلوزيوس بالفرما وأهمية مدينة الفرما الأثرية ومجهودات الدولة في تطويرها.

يقول د. عبد الرحيم لموقع "أخبار مصر" أن هذا الكشف الأثري بسيناء يأتي قرب توقيت احتفال مصر بعيد تحرير سيناء 25 إبريل.

وأوضح أن بداية الكشف عن هذا المبنى تعود إلى عام 2019، حين عثرت البعثة على جزء لا يتجاوز 25% من منشأة دائرية مشيدة من الطوب الأحمر، يرجع إلى العصر اليوناني الروماني بالفرما، ورُجّح حينها أنها تمثل مبنى مجلس الشيوخ بالمدينة... إلا أن استكمال أعمال الحفائر خلال المواسم اللاحقة أتاح الكشف الكامل عن المبنى، الذي تبيّن أنه ذو تصميم معماري ضخم ومعقّد،
يتوسطه فناء دائري يبلغ قطره نحو 35 متراً، تحيط به قنوات وخزانات للمياه، مع مداخل متعددة من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية، بينما تعرضت الجهة الشمالية لتدمير كبير.

كما قام فريق العمل بدراسات ميدانية متعمقة، بالتوازي مع مقارنة علمية بنماذج معمارية مماثلة من العصرين الهلنستي والروماني خارج مصر.

وأضاف أن المبنى استخدم بعد ذلك كمحجر حيث انتزعت الأحجار والطوب والأعمدة من أماكنها الأصلية لاستخدامها في تشييد مبان أخرى في عصور لاحقة داخل المدينة.

أهمية إستراتيجية لموقع بلوزيوم

يمثل هذا الكشف دليلاً جديدًا على الأهمية التاريخية والاستراتيجية لمدينة بلوزيوم، التي كانت بوابة مصر الشرقية ومركزًا حيويًا للتبادل التجاري والثقافي عبر العصور. كما يعكس ثراء منطقة شمال سيناء بالمواقع الأثرية التي لا تزال تحمل العديد من الأسرار.

منشأة مائية مقدّسة

وعن أسباب تغيير وظيفة المبنى في الإعلان السابق من مجلس شيوخ إلى منشأة مائية مقدّسة مرتبطة بطقوس دينية حاليا..

أوضح د. عبد الرحيم ريحان أن هناك عدة نقاط تشمل التخطيط الكامل للمبنى الذي يتوسطه فناء دائري قطره 35 م تحيط به قنوات وصهاريج للمياه مع مداخل متعددة من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية، والشمالية ، والمقارنة العلمية بنماذج معمارية مماثلة من العصرين الهلنستي والروماني خارج مصر وكان يجب التنويه لهذه النماذج ووجه المقارنة.

وأضاف أنه خلال مناقشة علمية مع عدد من أساتذة الآثار من بينهم جون إيف كاريه ماراتراي أستاذ الآثار الكلاسيكية بجامعة السوربون بباريس أسفرت عن إعادة تفسير المبنى حيث ثبت أنه لا يمكن أن يكون مجلسا مدنيا بل هو منشأة مائية مقدّسة مرتبطة بطقوس دينية.

معبد الإله بلوزيوس

وقال ريحان أنه جاء في تعريف المبنى المكتشف في إعلان الوزارة أنه بقايا معبد الإله بلوزيوس ويتكوّن من حوض دائري ضخم قطره 35 م متصل بفرع النيل البيلوزي حيث كان يملأ بالمياه المحمّلة بغرين النيل في دلالة رمزية على الارتباط بالإله "بلوزيوس" (Pelusios) الإله المحلي لمدينة "بلوزيوم" القديمة (المعروفة حاليا بتل الفرما) الذي ارتبط اسمه بالكلمة اليونانية “بيلوز” بمعنى الطين إشارة إلى طمي النيل مما يرمز إلى الخصوبة والتجدد وقدسية المياه في الطقوس الدينية القديمة وهناك قرية قريبة من الموقع اسمها "بلوظة" تحريف بيلوزيوم.

الفرع البيلوزي من النيل

ويوضح أن الفرع البيلوزي من النيل هو أحد أفرع دلتا نهر النيل المندثرة وكان يقع عند نهاية مدينة پيلوزيوم شرق مدينة بورفؤاد الحالية والذي أطلق عليها المسلمون الفرما,

وكان لنهر النيل سبعة أفرع: التانيسي كان يصب عند الطرف الشرقي لبحيرة المنزلة، المنديسي مرَّ بمحافظة الدقهلية، الفاتيميتي فرع دمياط الحالي، السبنيتي مرَّ بمحافظة الغربية، البولبيتي فرع رشيد الحالي، الكانوبي كان مصبه بالقرب من مدينة كانوب القديمة (حاليا أبو قير).

أهمية الفرما وآثارها

وعن أهمية مدينة الفرما يقول د. عبد الرحيم ريحان : تقع الفرما على بعد 35 كم شرق مدينة القنطرة شرق، وهى المدينة المقصودة في الآية رقم 67 بسورة يوسف "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ" حين طلب نبي الله يعقوب من أبنائه أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة والفرما هي المدينة متعددة الأبواب منذ عصر مصر القديمة والتي بنيت على أنقاضها المدينة الرومانية متأثرة بفلسفة العقيدة المصرية وهي بوابة الدخول إلى مصر عبر العصور وعرفت عند اليونان باسم بيلوزيوم.

اذدهرت الفرما في العصر الروماني وكشف بها عن قلعة لها سور كبير مبنى بالطوب الأحمر ومسرح روماني بالطوب الأحمر والأعمدة الجرانيتية، ومدرجاته بنيت بالطوب اللبن وغطيت بالرخام الأبيض يتسع لحوالي تسعة آلاف متفرج وهو المسرح الوحيد في مصر المكتملة كل عناصره المعمارية حيث أن المسرح الروماني بالإسكندرية قاعة محاضرات أو قاعة استماع فقط.

محطة للعائلة المقدسة

يضيف أنه تعد الفرما من أهم محطات العائلة المقدسة قادمة من فلسطين عبر سيناء، وقد سارت العائلة المقدسة قادمة من فلسطين إلى غزة، ثم (رافيا) رفح، ثم رينوكورورا (العريش)، وأوستراكين (الفلوسيات)، والقلس (تل المحمدية) وبلوزيوم (الفرما) التي أصبحت ملجأ للرهبان حيث تنسك فيها القديس إبيماخس الشهيد.

وفي عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني 409-450م عاش بها إيسودوروس الذي كتب عدة مقالات في الدين وجهها إلى أعدائه وأحبائه وأطلق عليه إيسودوروس الفرمي.

وانتشرت بالفرما الكنائس وأهمها تل مخزن الذي يقع في الجزء الشرقي من المدينة وقد وصف جون كليدا الآثاري الفرنسي التل عام 1909 وأول حفائر به قامت بها منطقة شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عام 1988 ومن خلال ثلاثة مواسم حفائر تم اكتشاف كنيسة على طراز البازيليكا المكون من صالة وجناحان جانبيان وحجرات مخصصة للزوار من الحجاج المسيحيين القادمين من القدس قاصدين جبل سيناء كما تضم مدفنا به رفات.

الفتح الإسلامي

كما سار في طريق الفرما عمرو بن العاص رضي الله عنه لفتح مصر سنة 19هـ، 640م، فنزل العريش ثم أتى الفرما وبها قوم مستعدون للقتال فحاربهم وهزمهم وحوى عسكرهم ومضى إلى الفسطاط.

والفرما كان حصنا على ضفة البحر يحل إليه ماء النيل بالمراكب من تنيس ويخزن أهله ماء المطر في الجباب وكان بعض أهله مسيحيون وبعضهم من العرب وبنى بها الخليفة المتوكل على الله حصنا على البحر تولى بناؤه عنبسة بن اسحق أمير مصر في سنة 239هـ، 853م عندما بنى حصن دمياط وحصن تنيس، كما كشف بها عن حمامات ساخنة وباردة مبنية بالطوب الأحمر في الجهة الشمالية من الفرما ومنطقة صناعية لصناعة الزجاج والبرونز والفخار.

تطوير الفرما

وعن الفرما في العصر الحالي وأهتمام الدولة بتطويرها يقول: قامت الدولة بتطوير الفرما باعتبارها من المحطات الرئيسية التي باركتها العائلة المقدسة في مصر حيث تم رفع كفاءة البنية التحتية بالفرما والمناطق المحيطة ورصف الطريق المؤدي للموقع بطول 4 كم والمتفرع من طريق (العريش - القنطرة) وتشجيره ورفع كفاءة الطريق وإنارة طريق الفرما وتمهيد طرق داخلية بطول 6 كم وإنارة وتشجير المنطقة وإنشاء سور لحماية المنطقة الأثرية البالغة 300 فدان وترميم الكنائس الأثرية المكتشفة وإنشاء مركز سياحي شاطئي وبيئي ومركز للحرف التراثية البدوية ومظلات للزائرين وخدمات سياحية متكاملة.

واستخدام الواقع الافتراضي الهولوجرام والليزر لتوثيق وإظهار الأجزاء المندثرة من آثار المنطقة وإقامة متحف ومركز للحرف التراثية من الكليم البدوي ومنتجات سعف النخيل وتجفيف البلح والقواقع البحرية وزيت الزيتون.

كشف اثري
كشف اثري
كشف اثري
كشف اثري
كشف اثري

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المتحف المصري الكبير

المزيد من تقارير منوعة

لغز "بلوزيوس".. كشف أثري استثنائي بشمال سيناء

بعد ستة أعوام من أعمال الحفائر الأثرية بتل الفرما بمدينة بلوزيوم الأثرية بشمال سيناء.. أعلنت وزارة السياحة والآثار عن اكتشاف...

كنوز الطبيعة في خطر.. شواطئ العالم تتآكل ونصف السواحل قد تزول قبل نهاية القرن

كنوز طبيعية ساحرة.. تتعانق فيها اليابسة مع البحر.. نلجأ اليها للاستمتاع بها وربما لغسل همومنا وتجديد نشاطنا.. لكنها أصبحت اليوم...

المتاحف المصرية تحتفي بالمناسبات الثقافية والوطنية في إبريل

في إطار الاحتفال بالمناسبات الثقافية والوطنية التي يشهدها شهر إبريل من كل عام، وفي مقدمتها يوم التراث العالمي، ويوم المخطوط...

رعاية اليتيم.. ضمير العالم الذى بدأ من مصر القديمة

في الجمعة الأولى من شهر أبريل، يحتفل المصريون بيوم اليتيم، تذكيرًا بحق هؤلاء الأطفال في الرعاية والحنان.. وهذا اليوم ليس...