بذكرى قصف هيروشيما وناجازاكي.."الرعب" النووي مستمر وجهود مكثفة للسلام

في لحظة فاصلة غيرت وجه التاريخ، دخل العالم عصر "الرعب" النووي الذي لا تزال آثاره حاضرة حتى الآن، وسط حالة عدم الاستقرار الأمني العالمي المستمرة، وتصاعد التوترات والحروب حول العالم.

فمنذ قصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة النووية في 6, 9 أغسطس عام 1945، ظهرت للمرة الأولى قدرة بشرية هائلة على تدمير مدينة كاملة خلال ثوانٍ، تاركة آثارا صحية وإنسانية امتدت لسنوات طويلة بعد انتهاء الانفجار.

وبحلول الذكرى 81 لأول هجوم نووي في تاريخ البشرية.. دعت اليابان، المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود من أجل السلام ونزع السلاح النووي.

وأعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التزام بلادها بالمبادئ الثلاثة غير النووية، مؤكدة أن مأساة هيروشيما وناجازاكي يجب ألا تتكرر داعية إلى عالم خال من الأسلحة النووية.

مخاوف من "هيروشيما أوناجازاكي" أخرى

وقال عمدة هيروشيما كازومى ماتسوى، فى «إعلان السلام» الذى تمت قراءته خلال المراسم السنوية لإحياء ذكرى القصف الذرى، «إن التقليل من وحشية الأسلحة النووية، وقبول استخدام القوة لتحقيق رفاهية الأفراد، يخاطر بدوره من الانتقام العنيف الذى من شأنه أن يؤدى فى النهاية إلى هيروشيما أو ناجازاكى أخرى».

وجاء تحذير ماتسوى بعدما فشل مؤتمر المراجعة الأخير لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، فى التوصل إلى وثيقة توافقية، وفى ظل الصراعات الحالية، والتى تشمل الحرب التى تقودها الولايات المتحدة على إيران، والحرب الروسية الأوكرانية.

تفجيرات هيروشيما وناجازاكي

في 6 أغسطس عام 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على هيروشيما، من خلال قاذفة أمريكية من طراز بي-29 أطلق عليها اسم "إينولا جاي" قامت بالتحليق على علو مرتفع فوق سماء المدينة قبل أن تلقي عليها قنبلة يورانيوم تعادل قوتها التدميرية 16 كيلو طن من مادة الـ"تي إن تي"، شديدة الانفجار.

وبعد 3 أيام من قنبلة هيروشيما، ألقت قاذفة أمريكية أخرى قنبلة بلوتونيوم على مدينة ناجازاكي الساحلية.

ووجهت هاتان القنبلتان ضربة قاضية إلى الإمبراطورية اليابانية التي استسلمت في 15 أغسطس 1945 لتنتهي بذلك الحرب العالمية الثانية.

وأسفر القصف والانفجارات وتداعياتها عن مقتل نحو 140 ألف شخص في هيروشيما و74 ألفا في ناجازاكي، وكانت الغالبية العظمى من الضحايا من المدنيين.

ولم تكن مأساة هيروشيما وناجازاكي في عدد الضحايا فقط، بل في طبيعة السلاح نفسه؛ إذ لم يكن القتل مرتبطًا بالانفجار وحده، بل امتد إلى أمراض الإشعاع والحروق الشديدة وفقدان الأسر وتشوه المدينة والحياة اليومية لسكانها.

وبين هيروشيما وناجازاكي، وجد العالم نفسه أمام حقيقة جديدة: سلاح قادر على قتل عشرات الآلاف في لحظة، ثم مواصلة القتل بصمت عبر الإشعاع والمرض والآثار النفسية والاجتماعية.

لماذا تم استخدام القنبلتين؟

جاء استخدام القنبلتين في الأسابيع الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، فقد كانت ألمانيا قد استسلمت في مايو 1945، بينما واصلت اليابان القتال ضد قوات الحلفاء في المحيط الهادئ وآسيا.

بررت الولايات المتحدة استخدام القنبلتين حينها بأنه وسيلة لإجبار اليابان على الاستسلام وتجنب غزو بري واسع للجزر اليابانية، وهو غزو كان يتوقع أن يسبب خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية واليابانية والمدنيين.

لكن هذا التبرير ظل موضع نقاش تاريخي وأخلاقي طويل، فهناك من يرى أن القنبلتين عجلتا بإنهاء الحرب، وهناك من يرى أن استهداف مدينتين مأهولتين بالسكان لم يكن ضرورة، خصوصًا مع اقتراب اليابان من الهزيمة وتزايد الضغط العسكري والسياسي عليها.

نهاية الحرب .. وبداية الرعب النووي

لم تنهِ القنبلتان الحرب فقط، بل فتحتا مرحلة جديدة في تاريخ العالم، فمنذ عام 1945، أصبح السلاح النووي حاضرًا في معادلات السياسة الدولية، وبدأت دول كبرى في بناء ترسانات نووية تحت عنوان الردع وحفظ التوازن.

ومع أن الأسلحة النووية لم تُستخدم في حرب مرة أخرى منذ هيروشيما وناجازاكي، فإن وجودها بقي مصدر قلق عالمي، فالخطر لم يعد نظريًا بعد عام 1945، فقد رأى العالم ما يمكن أن يفعله السلاح الذري بمدينة مأهولة بالسكان، وما يمكن أن يتركه من آثار على الناجين والأجيال اللاحقة.

وفي كل عام، تعود مراسم الذكرى في هيروشيما وناجازاكي لتذكير العالم بما حدث، ولإحياء شهادات الناجين المعروفين باسم “هيباكوشا”، الذين ظلوا يحملون الذاكرة الحية للقصف وآثاره الصحية والنفسية والاجتماعية.

اليابان.. رسالة سلام لعالم خالٍ من السلاح النووي

اليوم، لا تتعامل اليابان مع هيروشيما وناجازاكي بوصفهما مدينتين شهدتا حدثًا تاريخيًا فقط، بل بوصفهما مركزين عالميين لذاكرة السلام. ففي كل عام، تقام مراسم تذكارية في المدينتين، وتُقرع أجراس السلام، وتُقرأ أسماء الضحايا، وتعود الدعوات إلى عالم خالٍ من السلاح النووي.

وتكتسب الذكرى هذا العام بُعدًا إضافيًا؛ إذ تحل بعد 81 عامًا على قصف هيروشيما، وسط تحذيرات مستمرة من تزايد الاعتماد على خطاب الردع النووي في ظل توترات دولية متصاعدة، ويعكس ذلك أن رسالة هيروشيما لم تعد موجهة إلى الماضي، بل إلى الحاضر أيضًا.

فالمدينة التي دُمّرت عام 1945 أعادت بناء نفسها، لكنها لم تسمح لذاكرتها أن تختفي.

وناجازاكي، هي الأخرى، تحولت من مدينة عرفت القنبلة الثانية إلى مساحة رمزية للدعوة إلى السلام ونزع السلاح النووي، وبين المدينتين بقيت الرسالة واحدة: أن الذاكرة ليست حزنًا فقط، بل تحذيرًا.

وتكتسب الذكرى أهمية إضافية مع استمرار التوترات الدولية، وعودة الحديث عن الردع النووي في أكثر من ساحة، فكلما تصاعدت النزاعات، عاد سؤال هيروشيما وناجازاكي إلى الواجهة: هل تعلّم العالم الدرس، أم أن الذاكرة النووية تضعف مع مرور الزمن؟

إن استذكار القنبلتين لا يعني العودة إلى الماضي فقط، بل التنبيه إلى المستقبل، فالقوة التي أُطلقت فوق هيروشيما وناجازاكي عام 1945 لم تكن حدثًا عابرًا، بل بداية عصر كامل تعيش البشرية تحت ظله حتى اليوم.

معاهدة عدم الانتشار النووي

معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويةNon Proliferation Treaty (NPT) فى أول يوليو عام 1968 هي معاهدةٌ دولية ذات أهمية حاسمة، تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية وتكنولوجيا الأسلحة النووية وتعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والنهوض بهدفي نزع السلاح النووي ونزع السلاح العام الكامل.

والمعاهدة هي التعهد الملزِم الوحيد بهدف نزع السلاح الذي قطعته الدولُ الحائزة للأسلحة النووية على نفسها في معاهدةٍ متعددة الأطراف.

وبعد أن فُتح باب التوقيع على هذه المعاهدة في عام 1968، دخلت حيز النفاذ في عام 1970. ومنذ دخولها حيز النفاذ، أصبحت تشكل حجر الزاوية في النظام العالمي لعدم الانتشار النووي. وقد انضمت إليها 191 دولة طرفا، من بينها الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية، لتصبح بذلك في مقدمة اتفاقات نزع السلاح المتعددة الأطراف من حيث عدد الأطراف فيها.

مصر.. مشاركة في صياغة المعاهدة والتصديق عليه

انطلاقاً من دور مصر الحضارى الرائد، وإدراكا منها بخطورة الأسلحة النووية على الإنسانية، وإيمانا منها بأهمية الحيلولة دون انتشارها، فقد كانت مصر إحدى الدول التى أسهمت فى مشاورات صياغة المعاهدة ومن أولى الدول التى وقعت عليها فى الأول من يوليو عام 1968 ثم صدقت عليها فى فبراير 1981.

وتتضمن المعاهدة أحكاما موضوعية توائم بين حق الدول غير المشروط فى الانتفاع بالتكنولوجيا السلمية للطاقة النووية وبين الالتزامات التى تتعهد بها تجاه عدم استخدامها فى أغراض عسكرية.

ومن أهم أحكام المعاهدة:

- تعهد الدول غير الحائزة للأسلحة النووية بألا تصنع أو تحصل على أى أسلحة نووية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ولتحقيق هذا الغرض، تقوم تلك الدول بتوقيع اتفاقية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش على منشآتها النووية تعرف باسم اتفاقية الضمانات.

- تعهد الدول الأطراف بالمعاهدة بتسهيل وتشجيع التعاون فيما بينها بهدف زيادة وإنماء الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ولا يستثنى من ذلك أنشطة إثراء اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم.

- أقرت المعاهدة بحق أى مجموعة من الدول فى عقد معاهدات إقليمية لخلو مناطقها من أى أسلحة نووية بما يعزز السلم والأمن على الصعيدين الدولى والإقليمى.
تعهدت الدول الحائزة على الأسلحة النووية بمواصلة المفاوضات بهدف وقف سباق التسلح النووى وعقد معاهدة بشأن نزع سلاحها النووى.

- كفلت المعاهدة لكل الدول الأطراف، فى إطار ممارسة سيادتها الوطنية، حق الانسحاب من المعاهدة إذا رأت أن أحداثا ذات صلة بموضوع المعاهدة قد أضرت بمصالحها القومية.

تاريخ المعاهدة

منذ بداية العصر النووي وقصف هيروشيما وناجازاكي في عام 1945 باستخدام الأسلحة النووية، أصبح جليا أن تطوير الدول لقدرات نووية قد تمكنها من تحويل التكنولوجيا والمواد النووية لاستخدامها في الأسلحة.

وهكذا، أصبح السعي إلى تفادي مشكلة عمليات التحويل هذه مسألة محورية في المناقشات المتعلقة باستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية.

وانطلقت في عام 1946 جهود أولية تهدف إلى إنشاء نظام دولي يمكِّن جميع الدول من الحصول على التكنولوجيا النووية مع توفير الضمانات المناسبة، إلا أن هذه الجهود توقفت في عام 1949 دون تحقيق هذا الهدف، بسبب وجود خلافات سياسية كبيرة بين الدول الكبرى. وبحلول ذلك التاريخ، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق قد أجرتا اختبارات لأسلحة نووية وشرعتا في زيادة مخزوناتهما من هذه الأسلحة.

وفي ديسمبر 1953، عرض الرئيس الأمريكي دوايت د. أيزنهاور مقترحا بشأن ”تسخير الذرة من أجل السلام“ عرضه على الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء دورتها الثامنة، وحثّ على إنشاء منظمة دولية تعنى بتعميم التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب قيام بلدان إضافية بتطوير أسلحة نووية. وأسفر مقترحه عن إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 1957، وأُوكلت إليها المسؤولية المزدوجة عن تعزيز التكنولوجيا النووية وممارسة الرقابة عليها. وفي عام 1958، بدأت الوكالة أنشطتها في مجال تقديم المساعدة التقنية.

وفي عام 1961، أنشئ نظام ضمانات مؤقت متعلق بالمفاعلات النووية الصغيرة تمت الاستعاضة عنه في عام 1964 بنظام يشمل المنشآت الأكبر حجما، وجرى توسيع نطاقه خلال السنوات التالية ليشمل المزيد من المنشآت النووية (الوثيقة IN

FCIRC/66 وتنقيحاتها). ووفقا لأحكام الضمانات الواردة في المعاهدة (الفقرة 4 من المادة الثالثة) وُضع اتفاق ضمانات شاملة (INFCIRC/153) لكفالة مراعاة تطبيق الضمانات على ”جميع الخامات أو المواد الانشطارية الهامة في جميع النشاطات النووية السلمية المباشرة داخل إقليم تلك الدولة، تحت ولايتها، أو المباشرة تحت مراقبتها في أي مكان آخر، وذلك لغاية وحيدة هي التحقق من عدم تحويل هذه المواد إلى أسلحة نووية أو أجهزة متفجرة نووية أخرى“.

وبعد ذلك بسنوات، تتوجت الجهودُ الرامية إلى تعزيز فعالية وكفاءة نظام الضمانات الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتماد مجلس محافظي الوكالة في شهر مايو 1997 البروتوكول النموذجي الإضافي (INFCIRC/540). وفي الوقت الراهن، يبلغ عدد الدول التي لديها بروتوكول إضافي ساري المفعول 136 دولة.

وفي إطار الأمم المتحدة، نوقش مبدأ عدم الانتشار النووي أثناء المفاوضات التي تجريها المنظمة منذ عام 1957، واكتسب هذا المبدأ زخماً كبيراً في أوائل الستينيات من القرن العشرين.

وبحلول منتصف الستينيات، برزت معالم الهيكل المتوخى لمعاهدةٍ تكرس عدم الانتشار النووي كقاعدة من قواعد السلوك الدولي، وبحلول عام 1968 تم التوصل إلى اتفاق نهائي على إبرام معاهدة تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية، وتتيحُ التعاون في مجال استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وتنهضُ بهدف نزع السلاح النووي.

ونصت المعاهدة، في المادة العاشرة منها، على عقد مؤتمر بعد مرور 25 عاما على دخولها حيز النفاذ لاتخاذ قرار بشأن استمرار نفاذ المعاهدة إلى أجل غير مسمى أو تمديدها لفترة أو فترات محددة جديدة.

وبناء على ذلك، وافقت الدول الأطراف في المعاهدة في مؤتمر استعراض معاهدة عدم الانتشار وتمديدها المعقود في مايو 1995 - دون تصويت - على تمديد المعاهدة إلى أجل غير مسمى، وقررت مواصلة عقد مؤتمرات الاستعراض كل خمس سنوات.

 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير عرب وعالم

بذكرى قصف هيروشيما وناجازاكي.."الرعب" النووي مستمر وجهود مكثفة للسلام

في لحظة فاصلة غيرت وجه التاريخ، دخل العالم عصر "الرعب" النووي الذي لا تزال آثاره حاضرة حتى الآن، وسط حالة...

السعودية تستقبل 19.5 مليون حاج ومعتمر من الخارج خلال 2025

تحت شعار "شرف _ وأثر".. يستعرض برنامج خدمة ضيوف الرحمن أبرز المنجزات التي حققها وما أثمرت عنه المبادرات والمشروعات من...

ملك الشمال.. آندي بورنهام رئيس وزراء بريطانيا القادم

في خطوة نحو مقر "داونينج ستريت"، فاز آندي بورنهام بزعامة حزب العمال البريطاني، ليصبح رئيس وزراء بريطانيا السابع خلال 10...

قمة الناتو بأنقرة.. الإنفاق الدفاعي ومستقبل الشراكة بين أوروبا وواشنطن

وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ التحالف الممتد منذ عام 1949، وفي ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة...