جسر شبه جزيرة القرم مصطلح لا يكاد يغيب عن الإعلام قليلا إلا وسرعان ما يعود متصدرا نشرات الأخبار، ففي أحدث هجوم استيقظت جزيرة القرم على أصوات انفجارات ضربت جسرها الذي يربط شبه جزيرة القرم بروسيا، مما أسفر عن مصرع شخصان، فيما تبنت أوكرانيا الهجوم الذي وصفته موسكو بـ"الإرهابي"، وفق إعلانات رسمية.
وبين تأكيد أوكراني وتنديد روسي، أعلنت سلطات الجزيرة أن مسار قطارات الجسر لم يتضرر، مشددة على أن شبه الجزيرة ليست معزولة، بينما انتشر عبر تليجرام مقطع فيديو أوضح استهداف جسر القرم وحجم الضرر الذي حل بالجزيرة مما دفع لإعلان حالة الطوارئ في المنطقة وإغلاق حركة المرور.
- بوتين يتوعد بالرد
وفي أول تصريح له حول الانفجارات التي هزت جسر شبه جزيرة القرم أو مايطلق عليه "مضيق كيرتش" أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استيائه الشديد جراء الهجوم متوعدا بالرد، قائلا: "روسيا سترد على هجوم جسر القرم ووزارة الدفاع تعد مجموعة خيارات".
ووصف بوتين الهجوم على جسر القرم بأنه وحشي ولا معنى له من وجهة النظر العسكرية، وأمر بفتح تحقيق مفصل بشأن الهجوم، مؤكدا أنه "يريد مقترحات جدية بشأن ضمان سلامة العبور على جسر القرم".
ووجه بوتين باستئناف الحركة على جسر القرم بأسرع وقت ممكن.
وأعرب بوتين عن ثقته في أنه سيتم تحديد جميع ملابسات الهجوم الإرهابي، وأنه سيتم تفعيل جميع إجراءات الطوارئ على جسر القرم من دون أدنى شك.
وتابع بوتين "لقد أصدرت تعليمات لجهاز الأمن الفيدرالي ولجنة التحقيق وعدد من الإدارات الأخرى بالتحقيق في الحادث بالتفصيل".
ونوه بوتين أنه ينتظر مقترحات محددة لتحسين الأمن على جسر القرم، لأن هذا هو الهجوم الإرهابي الثاني على منشأة نقل ذات أهمية استراتيجية.
وأضاف بوتين: "من المهم الآن تقديم كل الدعم الممكن للأشخاص الذين يجدون أنفسهم في موقف صعب بسبب عرقلة حركة المرور على الجسر، وينطبق هذا أيضا على ركاب القطارات المتأخرة وسائقي السيارات على الطريق السريع".
- طائرات مسيرة وتنسيق أوكراني
إلى ذلك، اتهمت السلطات في القرم أوكرانيا بالهجوم وهو ما أكده مصدر بالجيش الأوكراني، مشيرا إلى أن العملية على جسر القرم تمت بطائراتين مسيرتين، موضحا أنها كانت من تنسيق خاص بين جهازي الأمن والبحرية، مؤكدة أن ضررا كبيرا حدث في امتداد جسر القرم الذي يؤدي إلى البر الرئيسي لروسيا، مناشدة المواطنين بعدم استخدام الجسر بل سلك طريق بري بديل يمر عبر المناطق الروسية الجديدة للذهاب إلى شبه الجزيرة أو منها.
من جانبه، أعلن حاكم شبه جزيرة القرم سيرجي أكسيونوف، إيقاف حركة المرور عند جسر القرم الذي يربط شبه الجزيرة بمنطقة كراسنودار الروسية بسبب "حالة طارئة" عقب انفجارات عنيفة، داعيا المواطنين إلى التزام الهدوء واعتماد المعلومات من المصادر الموثوقة فقط، و مشددا في الوقت نفسه على وجود مخزون كاف من الوقود والغذاء والسلع الصناعية.
كما أكدت سلطات إقليم كراسنودار إيقاف عمل عبارات النقل البحري بين الإقليم وشبه جزيرة القرم بسبب حادث الجسر.
ومنذ الهجوم الذي استهدف جسر القرم في الثامن من أكتوبر العام الماضي تعرضت شبه الجزيرة الأوكرانية التي ضمتها روسيا إلى سلطتها دون اعتراف دولي بتلك الخطوة لعدة هجمات، معظمها بطائرات مسيرة لاسيما في سيفاستوبول.
وفي يونيو الماضي، أكد مسؤولون عينتهم روسيا في منطقتي خيرسون والقرم أن القوات الأوكرانية شنت هجوما صاروخيا على جسر يربط بين خيرسون في جنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.
- ماذا وراء الهجوم على جسر القرم؟
يعد جسر القرم شريان إمداد مهم لحرب روسيا في أوكرانيا، ويبلغ طول جسر القرم 19 كيلومترا فوق مضيق كيرتش وهو الرابط المباشر الوحيد بين شبكة النقل في روسيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو من أوكرانيا في عام 2014.
وكان الجسر مشروعا رائدا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قام بافتتاحه بنفسه عام 2018 أمام حركة المرور على الطرق وسط ضجة كبيرة.
ويتكون الجسر من طريق وسكة حديد منفصلين وكلاهما مدعوم بركائز خرسانية، مما يفسح المجال لمسافة أوسع بأقواس فولاذية عند النقطة التي تمر فيها السفن بين البحر الأسود وبحر آزوف الأصغر.
وللجسر أهمية أيضا كونه يقوم بتزويد الوقود والمواد الغذائية وغيرها من المنتجات لشبه جزيرة القرم، حيث يعتبر ميناء سيفاستوبول القاعدة التاريخية لأسطول البحر الأسود الروسي.
وقد أصبح فيما بعد طريق إمداد رئيسي للقوات الروسية بعد أن دخلت موسكو أوكرانيا في 24 فبراير 2022، وأرسلت قوات من شبه جزيرة القرم للاستيلاء على معظم منطقة خيرسون في جنوب أوكرانيا وبعض مقاطعات زابوروجيا المجاورة.
وحينما هاجمت أوكرانيا العام الماضي جسر القرم، أصدرت طابعا تذكاريا وعليه مشهد من فيلم "تيتانيك" الشهير والجسر مدمر، في إشارة إلى السفينة التي لا تغرق بمعنى أنه الجسر الذي لا يغرق أيضا.
- وعيد روسي
بدورها، اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أوكرانيا بشن الهجوم قائلة "الهجوم على جسر القرم نفذه نظام كييف هذا النظام إرهابي ولديه كل السمات المميزة لمجموعة من مجموعات الجريمة المنظمة الدولية".
وأضافت "يتخذ المسؤولون الأوكرانيون القرارات بمشاركة مباشرة من أجهزة مخابرات وسياسيين في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا".
وتابعت "الولايات المتحدة وبريطانيا مسؤولتان عن كيان دولة إرهابية".
- مرحلة جديدة في الصراع الروسي الأوكراني
يرى مراقبون أن الهجوم يمكن أن يمثل بداية مرحلة جديدة وخطيرة في الصراع الروسي الأوكراني من حيث استهداف المناطق الحيوية، خاصة أن بداية القصف الجوي الكثيف لأوكرانيا من قبل روسيا أتى بعد استهداف جسر القرم، مشيرين إلى وجود محاولات لنقل الصراع لمستويات أخرى بعد فشل أو تعثر الهجوم المضاد ونتائج قمة "الناتو" الأخيرة التي لا تتوافق مع متطلبات النخبة السياسية الحاكمة في أوكرانيا، معتبرين أن الهجوم مرتبط بتعثر الحل السياسي بما يخدم المصالح الغربية، ولا يمكن أن يقع هذا الاستهداف دون موافقة الطرف الغربي وخاصة الولايات المتحدة.
لكن هناك فرضية أخرى تشير إلى أن الهجوم جاء نتيجة الإفلاس السياسي لنظام كييف في محاولة جر المنظومة الغربية بعد الفتور تجاه أوكرانيا .
- إتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية
وفي سياق الأزمة، أعلنت الحكومة الروسية أنها لن تجدد إلتزامها باتفاقية تصدير الحبوب الأوكرانية، التي تم التوصل إليها بوساطة من تركيا والأمم المتحدة في يوليو عام 2022، وقد سمح الاتفاق لأوكرانيا بتصدير الحبوب من موانئها والإبحار بها عبر ممر آمن في البحر الأسود إلى مضيق البوسفور التركي.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف "لسوء الحظ، لم يتم تنفيذ جزء اتفاقيات البحر الأسود المتعلقة بروسيا حتى الآن"، وتابع "لذلك، تم إنهاء الاتفاقية وحالما تتحقق الالتزامات المتعلقة بالجانب الروسي، الجانب الروسي سيعود إلى تنفيذ هذه الاتفاقية على الفور".
ونفى بيسكوف أن يكون قرار روسيا بالسماح بإلغاء الصفقة مرتبطا بغارة أوكرانيا المزعومة على جسر القرم، الذي يربط البر الرئيسي لروسيا بشبه جزيرة القرم المحتلة.
وقال بيسكوف: "هذان موضوعان منفصلان تماما"، وتابع: "حتى قبل الهجوم الإرهابي تم إعلان القرار من جانب الرئيس بوتين، وأكرر مجددا، عندما يتم تلبية الالتزامات المتعلقة بالجانب الروسي باتفاقيات البحر الأسود ستعود روسيا فورا للالتزام بالصفقة".
وأبلغت الحكومة الروسية تركيا وأوكرانيا والأمم المتحدة رسميا أنها ستسمح بانتهاء صلاحية الاتفاقية.
في المقابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إن ممر الحبوب في البحر الأسود يمكن أن يعمل بدون مشاركة روسيا.
وأضاف زيلينسكي "عند الإدلاء بتصريحات بشأن الانسحاب من صفقة الحبوب، تخرق روسيا اتفاقياتها مع تركيا والأمم المتحدة، وأوكرانيا ليس لديها أي اتفاقيات مع الاتحاد الروسي".
وتابع "كان لدينا اتفاقان هما أوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة، واتفاقية أخرى هي روسيا وتركيا والأمم المتحدة، لذلك عندما تقول روسيا إنها أوقفت مشاركتها في صفقة الحبوب، فإنها تخرق اتفاقاتها مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، وليس معنا لم نبرم أي اتفاقيات معهم"، في إشارة إلى روسيا، مؤكدا أن ممر الحبوب بالبحر الأسود يمكن أن يعمل حتى بدون مشاركة الجانب الروسي في الاتفاق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بين محاولات التهدئة ورسائل التهديد .. ومع اقتراب موعد انتهاء الهدنة غدا الأربعاء بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يتزايد الغموض...
بعد 40 يوما من الحرب في الشرق الأوسط، وقبل أقل من ساعتين من الموعد النهائي للدمار الشامل الذي هدد به...
يحل يوم الطفل الفلسطيني هذا العام، ولا تزال صيحات أطفال فلسطين تعلو في وجه صمت دولي عجز عن وقف آلة...
أزمة التضخم في أوروبا تتعمق مع استمرار تداعيات الحروب والصراعات الجيوسياسية، التي أصبحت أحد أبرز المحركات لارتفاع الأسعار في القارة،...