فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على حسن: لازمته فى كل تحركاته لأبعـــده عـن أصـــدقـاء السوء وتعــاطى الـمكيـفــات

فنان الشعب سيد درويش المولود في ۱۷ مارس ۱۸۹۲ أيقونة مصرية لا تبلى بالتقادم رغم أنه توفى شابا في عن عمر ٣٢ عاما، فقد استطاع بموسيقاه أن يشكل حالة فنية خاصة جدا، ويمكن القول إنه نسج ثوب فنه من خيوط البسطاء، لأنه جاء من وسطهم، فموسيقاه باقية بيننا رغم وفاته في ريعان شبابه؛ إذ توفى قبل أن يتم عامه الثاني والثلاثين، وترك ألحانا تغنى بها الشعب وما زالت محفورة في الوجدان...

منذ صغره طرق أبوابا عديدة، فبعد العمل مع الحرفيين في سن الخامسة عشرة بدأ يغني في الأفراح والموالد مرددا ما أتم حفظه من أناشيد وتواشيح دينية، ليستطيع أن يتكسب عيشه ويقول أسرته، فخلع ملابس الشيوخ وبدأ يعني تاركا الدراسة. وذات مرة صادف أثناء جلوسه على أحد المقاهي ممثلا يدعى "محمد عطا الله" الذي سمع صوته وأعجب به واقترح عليه أن يعمل في فرقة تمثيلية يملكها شقيقه أمين عطا الله. وبالفعل التحق بالفرقة، وبعدها أصبحالشيخ سيد درويش مشهورا، لدرجة أنه أنشأ فرقة مسرحية خاصة به. وكان يقوم بدور البطل، لكنه لم يكن يجيد فن الإدارة، حيث كان مسرحه في حي سيئ السمعة يكثر فيه وجود الجنود الأجانب، لذلك كان الإقبال ضعيفا، وتوقفت الفرقة وبدأ يعود إلى التأليف الموسيقى، ثم سافر إلى بلاد الشام كمحطة عمل عاد بعدها إلى الإسكندرية فنانا بملامح جديدة. وعمل في الأفراح الشعبية حتى عرفه أهل الإسكندرية، ثم بدأت أمواج الحياة ترفعه إلى أعلى، فذاع صيته وتردد اسمه في الأوساط الفنية، حتى جاء الشيخ "زكريا أحمد" بتكليف من الشيخ " على محمود" للذهاب للإسكندرية لإحضار الشيخ سيد درويش، وذهب الشيخ زكريا إلى كوم بكير واخترق الأزقة المظلمة والحارات، حتى وصل إلى مقهى يجلس عليه الشيخ سيد درويش وتقدم الشيخ زكريا وقال له "قوم بينا، ودخلا بيتا وصعدا للدور الرابع وعلى ضوء الكلوب الباهت راح يغني الشيخ سيد أحدث ألحانه فجلس عشر ساعات يسمعه دون أن يدرك الوقت بعدها ذهب بصحبته إلى القاهرة.

في البداية لم يرض الجمهور عنه ما أصابه بإحباط شديد، وفضل أن يعود إلى الإسكندرية التي أصبحت مدينته الوحيدة التي تعترف به، ورغم ذلك كانت تمر عليه فترات يعاني فيها من ضائقة مالية فكان بكل تواضع ودون أي تنازلات فنية أمام لقمة العيش ينزل إلى الأرض ليرفع "قصعته". يحملها كعامل بناء مرة أخرى أو أن يعمل كاتب حسابات في متجر زوج شقيقته الكبرى، لكنه عاد من الإسكندرية مرة أخرى ليقدمه الشيخ "سلامة حجازي"، وتحديدا في شهر يوليو ۱۹۱۸ قام بتلحين أول رواية له وكانت في فرقة "جورج أبيض" عندما قرر أن يتحول إلى المسرحالغنائي كوسيلة لإخراج الناس من هموم الحرب العالمية الأولى، وكان أول لحن له أوبريت "فيروز شاه". وهو بداية نجاحه وكان سبب شهرته بالقاهرة.

كما عمل مع على الكسار لسنوات طويلة، وكان تعاونه مع الكسار أخصب فترة إنتاج قضاها في تلحين اوبريتات منذ عام ١٩١٩ حتى عام ۱۹۲۳، وكان آخر أعماله المسرحية تلحين أوبريت «الانتخابات» لكنه فارق الحياة قبل إتمامه.

وكما كانت تربطة علاقة بعلى الكسار كانت له علاقة قوية بالمطرب حامد مرسى الذي أطلق عليه "درويش" بلبل مصر الوحيد والتقى به وتعرف عليه في الإسكندرية، وأعطاه "درويش" أحد ألحانه، وبذلك كان أول من غنى أغنية سيد درويش الشهيرة زوروني كل سنة مرة، وظل عامين يغني كل ألحان سيد درويش، وسافر معه في رحلة إلى الشام لمدة 7 أشهر كاملة. وطوال هذه الرحلة ظل ملتصقا به.

وفي شهر سبتمبر من عام ١٩٥٦ ذهب مندوب مجلة «الراديو المصري» في الأسكندرية إلى ثلاثة من أصدقاء سيد درويش المقربين، وطلب إليهم أن يتحدثون عن بعض ذكرياتهم معه. كما تحدث إلى نجل الفقيد عما يشاع عن اعتراضه الدائم على تسجيل ترات أبيه، وعن بعض المواقف التي يذكرها لوالده.. وقد نشرت المجلة ذكرياتهم عنه في العدد رقم ۱۱۲۲ الصادر بتاريخ ١٥ سبتمبر ١٩٥٦، فماذا قالوا؟

قال الشيخ مفرح محمود» مؤذن و مقرئ مسجد على البدوي بكوم الدكة كنت في الحادية عشرة من عمري، وحفظت جزءا من القرآن في عهد شیخ کتاب سیدی أحمد الخياشي" لتحفيظ صغار التلاميذ، وذات يوم جاءت سيدة كانت تسكن بجوارنا، وعهدت إلى ابنها الصغير سيده، وكان في السادسة من عمره، وأوصتني به، وقد واليته عناية خاصة لما تميز به من سرعة حافظة. ولما تقدم بعض الشيء بدأت أتردد عليه في منزله كل يوم لا راجع له ما حفظه حتى أصبحت أحد أفراد الأسرة. وكنت أنادي والدته بأمي»، ولما أنشئت مدرسة حسن حلاوة في الحي واخترت فيها أخذت تلميذي وصديقي سید درویش» معى، وكانت بين الدروس حصة للأناشيد كان المدرس يحفظ التلاميذ خلالها بعض الأناشيد القديمة، وكان سيده أول من يحفظها ويلقيها إلقاء جيدا بصوته الرخيم.

وفي هذه المرحلة بدأ الشيخ سيد» يغرم بتتبع وتقليد الشيخ حسن زهري اشهر مرتلى القصائد الدينية في ذلك. الوقت، كما كان يقلد المقرئ المشهور الشيخ أحمد نداء، وكان طلبة المعهد يلتفون حوله معجبين، وذات يوم دعانا

أستاذنا في المعهد المرحوم الشيخ أحمد الشياسي، إلى إحياء خاتمة كان قد أقامها بمناسبة مولد حفيد له، وفي تلك الليلة أبدع سید درویش، وبرزت مقدرته بشكل واضح ادهش المدعوين. وكان حين أذن لا يزال في الرابعة عشرة من عمره وأخذته وعدنا إلى كوم الدكة، ولكنه غافلني وعاد مرة ثانية إلى السهرة حيث استمر في الغناء حتى الفجر، وقد سمعه تری ترکی فدعاه ليحيى الليلة التالية عنده، وأقبل «سيد» يزف إلى الخبر وهو يكاد يطير من الفرح، وأخبرني بأن المدعوين جمعوا له جنيهين ونصف جنيه تقديرا له، وأخذني وأسرع بي إلى سوق، حيث ابتاع عمامة جديدة وقماشا لجبة جديدة، ثم ذهبنا إلى ترزى ليصنع له الجبة، وأمره "سيد" أن ينتهى منها في نفس اليوم.... وفوجئت بأن الثرى التركي أعد سرادقا ضخما احتشد فيه جمهور وخشيت ألا يستطيع «سيد» إطراب هذا الجمع الكبير ولكنه خيب ظني وظل ينشد حتى الفجر بين إعجاب الموجودين ودهشتهم من قدرته، وتوالت بعد ذلك السهرات والليالي على سيد درويش وأصبح لنا أمرة يتفقون باسمنا مع أصحاب الحفلات.

كيف كان يلحن أغانيه ؟!

وقال محمد على حواش تابع سید درويش ورفيق حياته

تعرفت إلى (سید درویش) حوالی عام ۱۹۱۲، وسافرت معه في رحلته إلى الشام مع فرقة سليم عطا الله، ولازمته بعد ذلك حتى وفاته.. ولما عاد من الشام بدأ يعني في مقاهي الكورنيش كما كان يدرس الموسيقى الهواة في نادي الموسيقى الشرقية، وحضر الشيخ سلامة حجازي إلى الإسكندرية واستمع إليه في ملهى كرياكو»، وكان يعنى توشيحا اندلسيا من تلحينه من مقام النهاونده مطلعه: «منيتي على اصطباری، فأعجب به الشيخ سلامه وقرر أن يصحبه إلى القاهرة حيث لحن رواية "فيروز شاه الفرقة جورج أبيض. وذات يوم حضر نجيب الريحاني و بدیع خیری، واستمعا إلى الحان الرواية فاعجبا بها، وقررا أن يتعاقدا مع سيد درويش»، وبحثا عنه كثيرا فلم يعثرا عليه، فناداني (نجيب الريحاني) ووعدني بمبلغ كبير إذا أنا أحضرته إليه، وكنت أعلم أنه في جلسة خاصة مع بعض أصدقائه، وكنت أعلم أيضا أنه سيرفض الخروج معى المقابلة

(الريحاني)، فدخلت عليه متصنعا الاضطراب وأخبرته أن أعز صديقاته قد حضرت من الإسكندرية وأنها تشاجرت في مسرح الريحانی، فقام معى مسرعا إلى هناك؛ حيث وجد (الريحاني) في انتظاره ولم يتركه إلا بعد أن وقع معه عقدا بمرتب شهری محترم

وكان رحمه الله يقدر المسئولية إلى أبعد حد، حتى إنه كان يحيس نفسه أسابيع بأكملها لينتهي من تلحين الرواية في موعدها المحدد، وكان يحلو له التلحين في إحدى الحدائق التالية

حيث كان يجتمع مع بعض أصدقائه الفنانين، ويظل معهم في فكاهة ومرحتم إذا به يتركنا فجأة وينتحى مكانا بعيدا، ويخرج من جيبه كلمات الأغنية ويبدأ في تفهمها وتلحينها دون أن تسمع له صوتا، وفجأة يعود إلينا ليسمعنا لجنه الجديد، وكثيرا ما كان يمضى الليل بأكمله على هذه الحال، وكانت أحرج الأوقات بالنسبة إليه هي تلك التي يحفظ فيها ألحانه للمطربين وأعضاء الفرقة، وكثيرا ما كان يفقد اعصابه ويتور، بل ويسقط مغشيا عليه إذا تكرر خطأ المطرب في أداء اللحن.

كان يشترك في الاجتماعات الوطنية

وقال الدكتور على حسن» من كبار أطباء الإسكندرية:

كانت عيادتي بحي الباب الجديد" مقرا للاجتماعات الوطنية التي كنا ننظم خلالها الإضرابات والمظاهرات أثناء ثورة ١٩١٩ ضد المحتل، وقدم علينا ذات يوم مع بعض الأصدقاء شاب متين البنيان علمنا فيما بعد أنه الموسيقى سيد درويش.. وعلمنا كذلك أنه كان متصلا ببعض الأصدقاء زعماء الحركة الوطنية وقتذاك، وبدأ يشترك معنا في اجتماعاتنا الوطنية، ولاحظنا عليه حمامه الشديد ووطنيته الصادقة التي مكنته من تلحين عدد من الأناشيد الممتازة كانت خير عون لنا في حركتنا، وكانت أقوى أثرا من الخطب والمنشورات، لأن الناس كانوا يحفظونها بسرعة عجيبة ويرددونها في كل مكان، فأقبلنا عليه جميعا وبدأنا تلازمه في كل تحركاته لتبعده عن أصدقاء السوء، وعن تعاطي المكيفات التي كانت قد بدأت تؤثر على صحته.... وأشهد أنه كان يستجيب لنا ويداوم على صحبتنا والاشتراك في اجتماعاتنا وبدأت صحته للتحسن بالفعل، وأذكر انى كثيرا ما كنت أغلق عيادتي وأعطل عملی کی الازمة وأمنعه من الاتصال بأصدقائه القدماء.. حتى غافلنا ذت ليلة ولبي دعوة بعض هؤلاء الأصدقاء وقضى معهم سهرة حمراء في منزل يحي (كليوباترا) أسرف خلالها في كل شيء، ويقال إنه قضى ليلته في غرفة مفتوحة النوافذ تطل على البحر مباشرة. فأصيب بحمى شديدة قضت عليه وهو في ريعان شبابه.

ان أزيف فن سيد درويش

وقال محمد البحر» نجل سيد درويش لا أريد أن أذكر كل ما قمت به وما تحملته في سبيل بعث تراث أبي وتسجيله، فهذا أقل واجبات البنوة... ويكفيني أن أؤكد ما يعلمه الكثيرون من أنه ما من باب إلا و طرقته كي أخرج الحان «سید درویش» إلى أسماع الناس وأنه ما من مناسبة تمر إلا واتجهت فيها إلى المسئولين وغير المسئولين كي يساعدوني على بعث هذا التراث.. وها أنذا أعود فأؤكد يصفتي الحارس القضائي على تراث سيد درويش أني أمد يدى وأبذل كل ما أملك من جهد وخبرة لكل يد مخلصة تمتد لتحقيق هذا الأمل الذي كرست له حياتي... كل ما في الأمر أني لن أستطيع أن أزيف فن سيد درويش، ولن أقبل أن يقدم بصورة مشوهة تسيء إلى ذكراه... أما ذكرياتي عن أبي فهي كثيرة، وأكتفى بأن أروى لك هاتين الحادثتين اللتين توضحان ناحية غريبة في خلقه، فقد كان رحمه الله عنيفا سريع الغضب، ولكنه كان في نفس الوقت رقيقا إلى أبعد حد ولعلك سمعت عن قصته مع بائع الفاكهة الذي أساء إليه في الحديث، فما كان منه إلا أن قلب له العربة بما فيها، فلما رأه بيكي يكي هو الآخر وأعطاه كل ما في جيبه من نقود.

ومرة أخرى كنت أنزل على السلم الأشترى خيرا، وكان الظلام دامسا، ولم يكن من عادته أن يعود إلى المنزل في مثل هذا الوقت، فأخذت أغنى إحدى أغانيه وعنوانها (حلم) ومطلعها:

أنا رأيت روحي في بستان كان وقتها البدر يلالي ... وتمضى كلمات الأغنية تصف كيف التقى المحب بحبيبته في الحلم، وأخذ يضمها ويقبلها، وبينما أنا أرفع صوتي قائلا: (وحضنتني وحضنتها وباستنى وبوستها)، إذا بيد قوية لمسك بي في الظلام، وإذا بصوت أبي يفاجئني قائلا: هي مين اللي حضنتك ... مش تقوللي عشان أشوفها حلوة ولا وحشة، وما كدت أطمئن إلى مداعبته ولهجته الحانية حتى فاجأتني صفحاته القوية وصياحه وهو يقول: (أنا متى قلتلك ستين مرة من عايز اسمعك بتغنى ابدا يا ابن ........

نعم.. فقد كان أبي لا يريد أن تكون . لى أي صلة بالموسيقى والغناء بعد الذي قاساه منهما في حياته.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص