أكرم مراد: «حمزة علاء الدين»حمل النوبة على أكتافه إلى أمريكا واليابان

95 عاما على ميلاد «ملك العود والطار»..

حمزة علاء الدين ملحن ومطرب نوبى بوجهه الأسمر وحضوره الطاغى، هذا النوبى الذى جاء من أقصى الجنوب ليغزو أقصى العالم ويحظى بمكانة عالمية عظيمة فى أوروبا وأمريكا واليابان وفى قلوبنا نحن أيضا ، تمكن فى وقت قليل من اختراق جدران العالمية السميك، وذلك من خلال توغله فى المحلية بأوتار العود والطار النوبى، خطف "حمزة" قلوب الغرب؛ لقبته صحيفة لوس أنجلوس تايمز بـ (والد الموسيقى النوبية، وصحيفة نيويورك تايمز صنفته من أعظم العازفين على آله العود، بعد تهجير النوبيين فى الستنيات بسبب بناء السد العالى حمل على عاتقة حفظ التراث النوبى من الاندثار فأصدر ألبومه الأول وحقق نجاحا كبيرًا فى أمريكا وأوروبا، ثم قدم ألبومه الثانى "إسكاليه" وتعنى بالغة النوبية " الساقية"، فقدم 14 اسطوانة والكثير من الألحان كموسيقى تصويرية لبعض الأفلام العالمية، منها الموسيقى التصويرية لفيلم  the black Stallion للمخرج "فرنسيس فورد كوبولا"، وترك "حمزة الدين" إبداعات وأعمالا موسيقية وغنائية لأفلام تسجيلية و وثائقية عن بلاد النوبة أيضاً ليعرف العالم أجمع بفنون مجتمعه ويدخل بهم عالم النغم الموسيقى النوبى الفسيح، وأخر ألبوم له عام 1999 بعنوان أمنيه، فكان خير سفير للفن المصرى النوبى فى العالم، وقبل أيام من حلول ذكرى مرور 95 عاما على ميلاد حمزة علاء الدين؛ أسطورة العود والطار، تحدثت مع ابن شقيقته الملحن "أكرم مراد" عنه، فقال لي إن خاله ينتمي لعائلة صوفية عريقة؛ من مواليد قرية توشكى القديمة في 10 يوليو 1929، وكان لنشأته الصوفية الأثر الكبير عليه، فجده عبدالله كان شيخ متصوف، وهذه الروحانيات تشبع بها تكوين الطفل حمزة فأثرت على موسيقاه فعزف موسيقاه فى أمريكا وغنى كلمات فى مدح النبى، الامر الذى جعل مجموعة من الأمريكان يعتنقوا الإسلام بسببه.

 سألته عن مسار خاله الدراسي؟

قال أكرم: خالي بدأ مسيرته الفنية بدراسته للموشحات فى معهد إبراهيم شفيق، بعدما ترك عمله فى السكة الحديد الذى التحق به فور تخرجه من قسم هندسة الكهرباء بجامعة فؤاد الأول، ثم استكمل دراسته لآلة العود فى معهد الملك فؤاد للموسيقى "معهد الموسيقى العربية حاليا" حتى عين مدرسا للموسيقى فى مدرسة "عنيبة" بالنوبة، وبعد غرق النوبة وتهجير أهلها، قرر خالى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وظل بها 15 عاما دون أن يزور مصر على الإطلاق، وهناك حقق شهرة كبيرة، لكنه لم يلق اهتماما مصريا إلا حينما جاء مع الفرقة الأمريكية  "غربتقولديد" فى حفل أقيم عند سفح الأهرامات عام 1978 كضيف شرف، وجاء مرة أخرى عندما دعاه وزير الثقافة الأسبق "فاروق حسنى" للعزف والغناء فى  افتتاح المتحف النوبى بأسوان، وأثناء وجوده  بأمريكا تولى العديد من وظائف التدريس كمؤلف موسيقى وأستاذ للموسيقى العرقية بجامعات أوهايو وواشنطن وتكساس.

وأضاف: فى الثمانينيات أقام 13 عام فى اليابان حيث حصل على منحه دراسية لدراسة أوجه الشبه بين آله العود الشرق وآله بيوا اليابان وهى آله تشبه العود ، كان خالى عاشقا للشعب اليابانى ويصفه بالشعب المؤدب الراقى وتزوج منه فى سن الستين بزوجته اليابانية "نبرا".

  فى رأيك لماذا لم ينل فى مصر  الشهرة التي حققها فى الخارج؟

قال: كان هو المسئول عن استقبال الفرق القادمة من مصر فى اليابان وفى مرة من المرات سافر إلى اليابان فرقة الموسيقى العربية وصاحبهم طول الرحلة فى آخر يوم عرفهم بنفسه وبأنه حمزة الدين  وعزف لهم على العود  وقال لهم: تتعاملون مع شخص لا تعرفون من هو، وكانت معهم المذيعة نجوى إبراهيم، وفرحوا بأنه حمز الدين الموسيقى العالمى، كل الفنانين المصريين الذين يذهبون إلى اليابان عند  عودتهم إلى مصر لم  يذكر  أحد منهم أسمه حتى الإعلامين منهم.

 قلت: ولكن الموسيقار يحيى خليل هذه الشهرة فى مصر!؟

قال: خالي تعرف فى بداية وجوده فى أمريكا بالموسيقار يحيى خليل،  وكان خليل يعرف قدر هذا الفنان وقدر  الموسيقى المختلفة والعالمية التى كان يقدمها و عندما  يأتى خالى إلى القاهرة كان يقوم " يحيى" بدعوة الوسط الفنى بالقاهرة ليعرفوا حمزة ويجلسون معه و تعرف فى هذه الجلسات على حميد الشاعرى وعلى الحجار وغيرهم الكثير، ويفعل هذا دائما يحيى خليل عند كل زيارة لخالى إلى مصر.

 وكيف كانت علاقته بالفنانين النوبين؟

علاقتهم جيدة بهم وكان يزور بيتنا الملحن أحمد منيب عند تواجد خالى بمصر، وكذلك كان يستقبل على كوبان  عنذ سفره إلى أمريكا أو إلى  اليابان  وكانت علاقته بمحمد منير غير جيدة.

 كان حمزة ول مـطرب غير  أوروبــى يعتلــى مــســرح الأمــم المتحدة.. فماذا عن ذلك؟

عام 1964 دعى للغناء فى اليوم العالمى للسلام على مسرح الأمم  المتحدة، وكان أول مطرب عربى يقف على هذا  المسرح، وكان هناك اعتراض من قبل إدارة الحفلة على ارتداءه الجلباب النوبى على المسرح، ولكنه أصر على ألا يتنازل  عن هويته التى تتمثل فى الجلابية، وأمام إصراره وافقت الإدارة وبعد الحفلة بيوم  وجهت إدارة الحفلة له دعوة عشاء فذهب إلى الدعوة وهو يرتدى  أحدث بدلة وعندما سألوه لماذا قال امس كنت الفنان الذي أعبر عن بلادى واليوم أنا  حمزة الشخص العادى.

 عاصرت خالك بعض السنوات كلمنا عنها؟

منذ الصغر وأنا أسمع عن خالى وعن الموسيقى الذى يقدمها فى أمريكا واليابان، وجاء أول مرة إلى مصر وأنا  عمرى 13 عاما، جاء بدعوة  من وزير الثقافة للأفتتاح المتحف النوبى، وجاء معه فرقه أمريكية وذهب للنادى النوبى واختار نوبيين ليشاركوا معهم، وأصر على  أن أشارك  أنا وأخى كرم بالعزف على الدف معهم، وبعد انتهاء الحفلة قدمنا للجمهور وقال لهم ولاد اختى التوأم. 

 وكيف كانت الأوقات العائلية التى جمعتكم؟

أشقاء حمزة 6 أولاد وبنت حمزة الأول ثم عادل وطاهر وجميل وعامر وعبدالله ووالدتى عائشة، فكانوا يتجمعون بمنزل العائلة بحى عابدين، ويتجمع كل الأحفاد فى جلسات كلها سمر وفرح وجزء أيضا لحل مشاكل الأسرة، وأثناء هذه الجلسات سمع  ألحانى بالصدفة وقال لى استمر فى طريقك  واهتم  بموهبتك بالدراسة، وكانت الخطابات التى يرسلها لى كلها دروس فى المزيكا وفى الحياة، وهو الذى علمنى كيف اقرأ النوتة الموسيقية ولنا جلسات أخرى فى لعب الشطرنج وكان يحرص على السفر إلى النوبة ويقول أن جو بلاد النوبة هو الجو الذى يشحن بداخله الفن.

 هل تتذكر أجواء يوم حفل افتتاح المتحف النوبى؟

أتذكر فى نهاية الحفل وقف وتحدث مع الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، وقال له أشكرك على أنك دعوت كل هؤلاء السياسيون لا ليتحدثوا فى السياسة ولكن ليستمعوا للفن والموسيقى.

 ماذا يقول عن نفسه؟

كان يقول أنا أثرت فى العالمية فأخذوا من موسيقاى الدف وأدخلوه فى موسيقاهم، وأنا لم أخذ منهم وظللت محتفظا بهويتى التي لم تتأثر بالموسيقى الغربية.

 لكنه كان مولعا بموسيقى الجاز!؟

كان يقول لأنها الأقرب للموسيقى الأفريقية.

  ما الذى تركة حمزة علاء الدين؟

غيب الموت خالى عن عالمنا بعد أن ترك خلفه تاريخا حافلا بالإنجازات، وبعد رحلة قضاها عبر مدن العالم المختلفة، كان نتاجها ما يزيد على 14 ألبوما موسيقيا، منها موسيقى النوبة عام 1964، والعود عام 1965، اسكالية عام 1968، وعام 1987 ألبوم كسوف، أغنية النيل عام 1982، وورد النيل عام 1995، وفى عام 1996 ألبوم Avallobie souned Darivs، إلى  جانب عدد من الأفلام والمسرحيات العالمية التى تحمل بين مشاهدها موسيقاه، بالإضافة لتوليه مناصب التدريس فى الموسيقى بعدد من الجامعات  الأمريكية، وفى 25 مايو 2006 بمنطقة "بيروكلى" بكاليفورنيا رحل عن عالمنا على إثر مضاعفات حدثت بعد إجراء عملية جراحية بأحد المستشفيات، وودعه أكثر من 1500 شخص من عشاقه فى هذه الولاية الأمريكية.

انتهى كلامي مع الملحن أكرم مراد، ابن شقيقة أسطورة العود والطار المطرب العالمي حمزة علاء الدين، بينما أتذكر هنا حوارًا نادرًا عمره 30 عاما بعنوان "اليابان ترقص وأمريكا تغنى مع حمزة"، نشر على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون بالعدد رقم 3076 بتاريخ 26 فبراير 1994. الحوار كان عبارة عن جلسة استضاف فيها الزملاء  "إبراهيم عبدالعزيز، ومحمد الغيطى، ومحمود مطر، وجرجس شكرى" الموسيقار حمزة علاء الدين، وقد تحدث فيها باستفاضة عن مسيرته.. وهنا نص ما قاله..

 

درست الهندسة بجامعة القاهرة وانضممت لجمعية الموسيقى، واكتشفت العود لأننى كمواطن من النوبة أعرف أنه لا يوجد فى الموسيقى النوبية "عود"، وكان هذا الاكتشاف مهماً بالنسبة لى، فقد مكنتنى آلة العود من أن أعزف عليها هموم بلدى.

وعندما بدأ الحديث عن السد العالى كنت مدركا لانعكاساته على بلاد النوبة، فتحدثت لأبناء بلدى ليكونوا موحدين فى مطالبهم، وضرورة الحفاظ على التراث النوبى القديم الذى يرجع تاريخه إلى تسعة آلاف سنة، وكنت  أخاطبهم باللحن والأغنية، وحاولت أن أحمل تراث النوبة من لحن وأغنية إلى المجتمع المصرى، لكن اللغة النوبية كانت حائلا بينى وبين ما أريد.. واتجهت إلى الدراسة من خلال منحة لدراسة الموسيقى الغربية فى إيطاليا، واخترت آلة الجيتار المقابلة للعود ثم ذهبت إلى أمريكا كمسجل لاسطوانات  الموسيقى، وهناك درست الموسيقى، وقد لفتُّ نظر أستاذ العلوم الإنسانية من خلال الموسيقى بثقافتى، وهناك استمرت رحلتى ثمانية عشر عاما لأقوم بتدريس الموسيقى فى الشرق الأوسط لطلبة الجامعات الأمريكية، واتجهت بعد ذلك لتدريس تاريخ الفن والفلاسفة الذين كتبوا فى الموسيقى كالفارابى وابن سينا، وحللت لهم كتاب الأغانى وتاريخ الموسيقى والغناء فى تاريخنا الحديث بما فى ذلك الشخصيات المؤثرة من سيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وصولا إلى أحمد عدوية كشخصية مهمة فى الحركة الموسيقية لأنه كان ترجمة لواقع فنى موجود، فهو شخصية شعبية ذات إلقاء جيد، وعندما أوصدت الأبواب دونه نجح على المستوى الشعبى وفى نوادى الأثرياء، فاللون الذى قدمه أحمد  عدوية هو ترجمة لأحاسيسه.. فمثلا أغنية "السح ادح امبو" تعنى "اعطى العيش لخبازه".. لكن أحدا لم يحاول أن يفهم الشخصية الفنية لأحمد عدوية، لكنى أعتبره ثورة فنية.

ويكمل الفنان حمزة علاء الدين حديثه ورحلته مع الفن، فتزداد صلته بالفنانين الأمريكيين وأعمالهم ويشترك فى عمل الموسيقى التصويرية لأفلام أمريكية وبرامج تليفزيونية.. وانفتحت أمامه أبواب الإعلام فى  أمريكا، وحين عقد اليابانيون فى أمريكا مؤتمرا عن آلة العود، وآلة الفلوت الغربية وآلة "البيو" اليابانية وهما آلتان من أسرة العود، دعيت للمشاركة فى  المؤتمر وفاتحونى لأسد نقصا  عندهم فى الهيئات العالمية الفنية فيما يتعلق بنقص معلوماتهم عن الموسيقى فى الشرق الأوسط، وشددت الرحال إلى اليابان لتمتد إقامتى هناك ثلاث عشرة سنة.

 العيب فىَّ أنا

رغم الشهرة العالمية التى أحظى بها فإننى لم احققها فى مصر، فمصر معروفة بحب الفنون والعيب فىَّ أنا، لأننى غير متواجد فى مصر، وسعدت كثيرا عندما فتح لى " فاروق حسنى" الأوبرا مرتين، ورغم هذا فى الفترة الماضية كان من الصعب تقديم عمل جيد، الأمر اختلف عن زمان.. نادرا لما تلقى واحد شايل عوده وماشى به فى الشارع. وبدون شك الخارج ليس لديه فكرة عن هذه الموسيقى واهتمامى الأكبر بالخارج.

الموسيقى النوبية لا تختلف عن الأساس الشرقى..  والشعب المصرى ذو حاسة موسيقية عالية تنسجم مع كل شىء جيد، فهو يستمع إلى الموسيقى الخليجية وهى مختلفة تماما فى حين أننا نجد أن الموسيقى النوبية تتفق مع موسيقاه بنسبة 100%.. ومصر هى الدولة الأولى التى وجد أهلها منذ البداية الإذاعة والتليفزيون.

وأرى أن الأغنية الشبابية جاءت من الفراغ الموسيقى الذى تركه العظماء من أمثال محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش، فهؤلاء قفلوا الأبواب على الشباب مثل أحمد عدوية وغيره.

وهناك أسماء كثيرة لا أتذكرها.. فبعد رحيل هؤلاء أصبحنا نعانى من فراغ موسيقى، فالمستمع لا يستطيع أن يميز بين الردىء والجيد، ودخول آليات العصر الإلكترونى ساعد على إفساد الذوق.. وهذا النوع من الموسيقى سوف ينتهى.. رحيلهم فجأة فى وقت واحد هو الذى فعل هذا وترك فراغا كبيرا، فكلنا كنا نتمنى أن يكون هناك جيل ثان، وأيضا أجهزة الإعلام التى تقتحم الأبواب بدون أن تطرق وتقدم أشياء كثيرة تساعد على إفساد الذوق.

بالإضافة إلى أن الأغنية أصبحت فراغا  وقتيا نسمعها بين البرامج وتكون فى أغلب الأوقاف غير كاملة، وأخيرا كان لفيروز والرحبانية دور مهم فى رواج هذه الأغنية،  فهؤلاء الشباب حاولوا تقليدها لكنهم فشلوا لأن الرحبانية مشروع كبير وعظيم.

 فلسفة التقسيم على العود

هناك نظام معين لتقديم الموسيقى  الشرقية للغربيين نحن لا نجيده، فالآلات الشرقية تختلف عن  الآلات الغربية، والأذن بالطبع تتعامل مع الموسيقى بشكل مختلف، فالمشكلة كيف تقدم هذه الموسيقى لهم وهذا ما فعلته.. درست موسيقاهم فعرفت كيف أقدم لهم العمل الشرقى، فعندما تقدم لهم العود لا بد أن تشرح لهم فلسفة التقسيم على العود أولا، لكن إذا عزفت على العود بدون أن يعرفه هذا المستمع فلن يفهم شيئا ولن يتفاعل معك..  وسوف أقص حكاية واقعية حدثت معى..

عندما ذهبت فرقة أم كلثوم إلى اليابان اعتلى أحدهم المسرح وراح يتحدث عن مصر وآثارها ولم ينطق بكلمة واحدة عن الآلات الموسيقية التى سوف يستخدمها العازفون.. فاستأذنت وطلعت على المسرح وقمت بتفنيد الآلات الموسيقية وشرحها لجمهور الحاضرين، ووضحت لهم ما هى علاقة الآلات ببعضها، وأعطيت أمثلة للآلات  المصرية واليابانية، فمثلا الشاكوهايش يقابلها الناى والكوتو يقابله القانون،  فعندما استمعوا للآلات استمتعوا بالموسيقى.. فعلى الفنان أن يتعلم كيف يقدم موسيقاه للناس.

 أنا وموسيقار الأجيال

 قال عبدالوهاب عن صوتى إنه كما الأذان، فقدمنى فاروق عبدالسلام لطبيب العيون على المفتى الذى كان له صالون أدبى وموسيقى، وبحث هو وفاروق عبدالسلام كيفية تقديمى لعبدالوهاب، وحدثوه عنى وحكوا له قصتى، وحينما اتصلت به قال لى: "أهلا بملك العود والطار".. وحددنا وقتا للمقابلة وعرفت من على المفتى وفاروق عبدالسلام دقته فى المواعيد.. والتزمت بذلك.. فى البداية كنت خائفا وقلقا من اللقاء وكان عبدالوهاب فى أيامه الأخيرة متعبا جدا، وكنت خائفا على صحته.. وعندما رآنى اندهش من عودى لأن له ستة أوتار.. وزادت دهشته حين رأى أننى وضعت العود فى صندوق، وتأثر بذلك كثيرا، وأخذ العود وراح يعزف عليه، وتمنيت فى هذه اللحظة أن أصور عودى وهو مع عبد الوهاب.

  العود والطار

الطار هى الآلة الوحيدة الموجودة عند النوبيين الشماليين، والغريب أن الذى شجعنى على استخدام الطار طلبة المدارس الأهلية فى أمريكا.. فالعادة جرت فى أمريكا على أن يزور الأساتذة الكبار هذه المدارس ويلتقوا بالأطفال.. واختارونى لذلك.. وهناك ليس لدى الاطفال فكرة عن جهل الغريب بلغتهم، فتحدثت معهم من خلال الطار وتعلمت اللغة منهم، وهذا ما شجعنى على أن آخذ الطار على المسرح.. والطار يحوى العناصر الاربعة للكون "الماء والنار والهواء والتراب"، فأخذ بورقة وأشعل سيجارة ورسم فى منتصف الورقة دفا أو طارا ووضع نقطة نهاية الدائرة وقال "إذا خبطت هنا سنسمع صوت النار".. وسحب القلم إلى المنتصف وقال "وهنا صوت الماء".. وبعد ذلك أشار الى ثلاثة أرباع الدائرة وقال "حين تخبط هنا سنسمع صوت الأرض (التراب)"، ووضع كف يده على الدائرة وقال هكذا نسمع صوت الهواء.. أما العود فأنا اكتشفته للموسيقى النوبية لأنه لم يكن موجودا فيها.. وأضفت الى العود وترا سادسا.

 تجربتى فى اليابان

أقول لك بصدق: أى موسيقى تقدم بأصالة يتفاعل معها الناس.. فالموسيقى ليس أذنا بل إحساس ودم، وعلينا أن نعى هذا.. فاليابانيون ثقافتهم الموسيقية ٧٠% فقط، فليس من الضرورى أن يجيد الإنسان هناك العزف على آلة ما، لكن يكفى أن يجيد قراءة النوتة الموسيقية.

وفى هذه البلاد استفدت الكثير والكثير، فالمعلومات متوافرة بشكل كبير، فهناك توجد كتب عن الدين الإسلامى والموسيقى العربية لا توجد فى بلادنا. بعد أن كانت لدينا نهضة موسيقية عظيمة.. وأنت تعلم الوضع الذى آل إليه حال الموسيقى الآن.

هناك أشياء كثيرة مجتمعة أسهمت فى هذا التدهور، فالقاهرة اختلفت كثيرا عن الوقت الذى سافرت فيه، فى الماضى كنا نستمتع بصوت الأذان والآن لا نستطيع أن نميز بين حى على الفلاح.. وحى على الصلاة، فجميع الميكروفونات تنطلق فى وقت واحد، وهذا خطأ من الناحية الدينية، فلابد أن يكون هناك احترام للأذان لكى نستطيع أن نسمعه ونستمتع به.

فى الماضى كنا نجلس على المقاهى وتمر علينا الفرق.. فكانت فرقة أبوالغيط تمر علينا تغنى وتحكى أخبار أحياء القاهرة.. هذه الأشياء غير موجودة الآن.. بالإضافة إلى أننا ننظر إلى الخارج ونفعل ما يفعل دون أن نناقش، وهذه الظاهرة لا تتفق معنا، فنحن نبيع أنفسنا لثقافة غير موجودة، ومن الأجدى أن نستفيد من أدواتهم ولا نقلدهم.

 الإثنوميوزيك أولجى

العالم يتجه الآن إلى "الإثنوميوزيك أولجى"؛ والمقصود بها السلالية، وعلى العكس نتجه نحن إلى فقدان الشخصية المصرية، والحل الوحيد هو الثقافة والعودة إلى تراثنا.. لا بد أن نتفاعل مع الواقع.. ونعرف ماذا يريد الناس.. فالفن صورة للناس والناس صورة للفن.

والشيوع فى الثقافات مهم جدا، والبلاد تختلف فى تراثها كثيرا، لكن يجب أن نستمع إلى بعضنا وإلى أنفسنا أولا.. واقول لكم: كيف ينفصل النوبى عن المصرى؟.. كيف ينفصل عن جسمه؟.. واختلاف اللغات حقيقة واقعة، لكن لا تعارض فى التذوق.. لماذا لا تعارضوا الصعيدى ولهجته مختلفة؟ والمهم أن نتواصل وننفتح.

وأول حفل لى فى أمريكا حضره ٣٤ ألف مستمع، وأنا أغنى أغمضت عينى حتى لا أراهم وهم يغادرون المكان كما كنت أعتقد.. وعندما انتهيت فوجئت بالتصفيق الهائل.

 موسيقانا والطابع التركى

المدنية فى الإسلام أثرت فى كل شىء والموسيقى أيضا.. وأعلام المدنية كانوا عربا وأفغانيين وباكستانيين، والمدنية الإسلامية وصلت للموسيقى بالعربى والتركى والفارسى، فتأثرت الموسيقى بهذه الحضارات.. لكن سيد درويش استطاع ان يحرر الموسيقى من قيودها وينطلق بها، فسيد درويش خلق موسيقى مصرية.

وقد تم إلغاء الربع تون لكى يمكن للموسيقى الغربية تطبيق التوزيع الموسيقى عليها.. أيضا عندما نقوم نحن بتوزيع اللحن الشرقى نلغى الربع تون.

حوار نادر عمره 30 عاما

حمزة علاء الدين: آليات العصر الإلكترونى ساعدت على إفساد الذوق

أدخلت العود للموسيقى النوبية واضفت له وتراً سادساً

درست للأمريكان تاريخ الفن.. وقدمت لهم من الفلاسفة الفارابى وابن سينا

حمزة علاء الدين ملحن ومطرب نوبى بوجهه الأسمر وحضوره الطاغى، هذا النوبى الذى جاء من أقصى الجنوب ليغزو أقصى العالم ويحظى بمكانة عالمية عظيمة فى أوروبا وأمريكا واليابان وفى قلوبنا نحن أيضا ، تمكن فى وقت قليل من اختراق جدران العالمية السميك، وذلك من خلال توغله فى المحلية بأوتار العود والطار النوبى، خطف "حمزة" قلوب الغرب؛ لقبته صحيفة لوس أنجلوس تايمز بـ (والد الموسيقى النوبية، وصحيفة نيويورك تايمز صنفته من أعظم العازفين على آله العود، بعد تهجير النوبيين فى الستنيات بسبب بناء السد العالى حمل على عاتقة حفظ التراث النوبى من الاندثار فأصدر ألبومه الأول وحقق نجاحا كبيرًا فى أمريكا وأوروبا، ثم قدم ألبومه الثانى "إسكاليه" وتعنى بالغة النوبية " الساقية"، فقدم 14 اسطوانة والكثير من الألحان كموسيقى تصويرية لبعض الأفلام العالمية، منها الموسيقى التصويرية لفيلم  the black Stallion للمخرج "فرنسيس فورد كوبولا"، وترك "حمزة الدين" إبداعات وأعمالا موسيقية وغنائية لأفلام تسجيلية و وثائقية عن بلاد النوبة أيضاً ليعرف العالم أجمع بفنون مجتمعه ويدخل بهم عالم النغم الموسيقى النوبى الفسيح، وأخر ألبوم له عام 1999 بعنوان أمنيه، فكان خير سفير للفن المصرى النوبى فى العالم، وقبل أيام من حلول ذكرى مرور 95 عاما على ميلاد حمزة علاء الدين؛ أسطورة العود والطار، تحدثت مع ابن شقيقته الملحن "أكرم مراد" عنه، فقال لي إن خاله ينتمي لعائلة صوفية عريقة؛ من مواليد قرية توشكى القديمة في 10 يوليو 1929، وكان لنشأته الصوفية الأثر الكبير عليه، فجده عبدالله كان شيخ متصوف، وهذه الروحانيات تشبع بها تكوين الطفل حمزة فأثرت على موسيقاه فعزف موسيقاه فى أمريكا وغنى كلمات فى مدح النبى، الامر الذى جعل مجموعة من الأمريكان يعتنقوا الإسلام بسببه.

 سألته عن مسار خاله الدراسي؟

قال أكرم: خالي بدأ مسيرته الفنية بدراسته للموشحات فى معهد إبراهيم شفيق، بعدما ترك عمله فى السكة الحديد الذى التحق به فور تخرجه من قسم هندسة الكهرباء بجامعة فؤاد الأول، ثم استكمل دراسته لآلة العود فى معهد الملك فؤاد للموسيقى "معهد الموسيقى العربية حاليا" حتى عين مدرسا للموسيقى فى مدرسة "عنيبة" بالنوبة، وبعد غرق النوبة وتهجير أهلها، قرر خالى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وظل بها 15 عاما دون أن يزور مصر على الإطلاق، وهناك حقق شهرة كبيرة، لكنه لم يلق اهتماما مصريا إلا حينما جاء مع الفرقة الأمريكية  "غربتقولديد" فى حفل أقيم عند سفح الأهرامات عام 1978 كضيف شرف، وجاء مرة أخرى عندما دعاه وزير الثقافة الأسبق "فاروق حسنى" للعزف والغناء فى  افتتاح المتحف النوبى بأسوان، وأثناء وجوده  بأمريكا تولى العديد من وظائف التدريس كمؤلف موسيقى وأستاذ للموسيقى العرقية بجامعات أوهايو وواشنطن وتكساس.

وأضاف: فى الثمانينيات أقام 13 عام فى اليابان حيث حصل على منحه دراسية لدراسة أوجه الشبه بين آله العود الشرق وآله بيوا اليابان وهى آله تشبه العود ، كان خالى عاشقا للشعب اليابانى ويصفه بالشعب المؤدب الراقى وتزوج منه فى سن الستين بزوجته اليابانية "نبرا".

  فى رأيك لماذا لم ينل فى مصر  الشهرة التي حققها فى الخارج؟

قال: كان هو المسئول عن استقبال الفرق القادمة من مصر فى اليابان وفى مرة من المرات سافر إلى اليابان فرقة الموسيقى العربية وصاحبهم طول الرحلة فى آخر يوم عرفهم بنفسه وبأنه حمزة الدين  وعزف لهم على العود  وقال لهم: تتعاملون مع شخص لا تعرفون من هو، وكانت معهم المذيعة نجوى إبراهيم، وفرحوا بأنه حمز الدين الموسيقى العالمى، كل الفنانين المصريين الذين يذهبون إلى اليابان عند  عودتهم إلى مصر لم  يذكر  أحد منهم أسمه حتى الإعلامين منهم.

 قلت: ولكن الموسيقار يحيى خليل هذه الشهرة فى مصر!؟

قال: خالي تعرف فى بداية وجوده فى أمريكا بالموسيقار يحيى خليل،  وكان خليل يعرف قدر هذا الفنان وقدر  الموسيقى المختلفة والعالمية التى كان يقدمها و عندما  يأتى خالى إلى القاهرة كان يقوم " يحيى" بدعوة الوسط الفنى بالقاهرة ليعرفوا حمزة ويجلسون معه و تعرف فى هذه الجلسات على حميد الشاعرى وعلى الحجار وغيرهم الكثير، ويفعل هذا دائما يحيى خليل عند كل زيارة لخالى إلى مصر.

 وكيف كانت علاقته بالفنانين النوبين؟

علاقتهم جيدة بهم وكان يزور بيتنا الملحن أحمد منيب عند تواجد خالى بمصر، وكذلك كان يستقبل على كوبان  عنذ سفره إلى أمريكا أو إلى  اليابان  وكانت علاقته بمحمد منير غير جيدة.

 كان حمزة ول مـطرب غير  أوروبــى يعتلــى مــســرح الأمــم المتحدة.. فماذا عن ذلك؟

عام 1964 دعى للغناء فى اليوم العالمى للسلام على مسرح الأمم  المتحدة، وكان أول مطرب عربى يقف على هذا  المسرح، وكان هناك اعتراض من قبل إدارة الحفلة على ارتداءه الجلباب النوبى على المسرح، ولكنه أصر على ألا يتنازل  عن هويته التى تتمثل فى الجلابية، وأمام إصراره وافقت الإدارة وبعد الحفلة بيوم  وجهت إدارة الحفلة له دعوة عشاء فذهب إلى الدعوة وهو يرتدى  أحدث بدلة وعندما سألوه لماذا قال امس كنت الفنان الذي أعبر عن بلادى واليوم أنا  حمزة الشخص العادى.

 عاصرت خالك بعض السنوات كلمنا عنها؟

منذ الصغر وأنا أسمع عن خالى وعن الموسيقى الذى يقدمها فى أمريكا واليابان، وجاء أول مرة إلى مصر وأنا  عمرى 13 عاما، جاء بدعوة  من وزير الثقافة للأفتتاح المتحف النوبى، وجاء معه فرقه أمريكية وذهب للنادى النوبى واختار نوبيين ليشاركوا معهم، وأصر على  أن أشارك  أنا وأخى كرم بالعزف على الدف معهم، وبعد انتهاء الحفلة قدمنا للجمهور وقال لهم ولاد اختى التوأم. 

 وكيف كانت الأوقات العائلية التى جمعتكم؟

أشقاء حمزة 6 أولاد وبنت حمزة الأول ثم عادل وطاهر وجميل وعامر وعبدالله ووالدتى عائشة، فكانوا يتجمعون بمنزل العائلة بحى عابدين، ويتجمع كل الأحفاد فى جلسات كلها سمر وفرح وجزء أيضا لحل مشاكل الأسرة، وأثناء هذه الجلسات سمع  ألحانى بالصدفة وقال لى استمر فى طريقك  واهتم  بموهبتك بالدراسة، وكانت الخطابات التى يرسلها لى كلها دروس فى المزيكا وفى الحياة، وهو الذى علمنى كيف اقرأ النوتة الموسيقية ولنا جلسات أخرى فى لعب الشطرنج وكان يحرص على السفر إلى النوبة ويقول أن جو بلاد النوبة هو الجو الذى يشحن بداخله الفن.

 هل تتذكر أجواء يوم حفل افتتاح المتحف النوبى؟

أتذكر فى نهاية الحفل وقف وتحدث مع الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، وقال له أشكرك على أنك دعوت كل هؤلاء السياسيون لا ليتحدثوا فى السياسة ولكن ليستمعوا للفن والموسيقى.

 ماذا يقول عن نفسه؟

كان يقول أنا أثرت فى العالمية فأخذوا من موسيقاى الدف وأدخلوه فى موسيقاهم، وأنا لم أخذ منهم وظللت محتفظا بهويتى التي لم تتأثر بالموسيقى الغربية.

 لكنه كان مولعا بموسيقى الجاز!؟

كان يقول لأنها الأقرب للموسيقى الأفريقية.

  ما الذى تركة حمزة علاء الدين؟

غيب الموت خالى عن عالمنا بعد أن ترك خلفه تاريخا حافلا بالإنجازات، وبعد رحلة قضاها عبر مدن العالم المختلفة، كان نتاجها ما يزيد على 14 ألبوما موسيقيا، منها موسيقى النوبة عام 1964، والعود عام 1965، اسكالية عام 1968، وعام 1987 ألبوم كسوف، أغنية النيل عام 1982، وورد النيل عام 1995، وفى عام 1996 ألبوم Avallobie souned Darivs، إلى  جانب عدد من الأفلام والمسرحيات العالمية التى تحمل بين مشاهدها موسيقاه، بالإضافة لتوليه مناصب التدريس فى الموسيقى بعدد من الجامعات  الأمريكية، وفى 25 مايو 2006 بمنطقة "بيروكلى" بكاليفورنيا رحل عن عالمنا على إثر مضاعفات حدثت بعد إجراء عملية جراحية بأحد المستشفيات، وودعه أكثر من 1500 شخص من عشاقه فى هذه الولاية الأمريكية.

انتهى كلامي مع الملحن أكرم مراد، ابن شقيقة أسطورة العود والطار المطرب العالمي حمزة علاء الدين، بينما أتذكر هنا حوارًا نادرًا عمره 30 عاما بعنوان "اليابان ترقص وأمريكا تغنى مع حمزة"، نشر على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون بالعدد رقم 3076 بتاريخ 26 فبراير 1994. الحوار كان عبارة عن جلسة استضاف فيها الزملاء  "إبراهيم عبدالعزيز، ومحمد الغيطى، ومحمود مطر، وجرجس شكرى" الموسيقار حمزة علاء الدين، وقد تحدث فيها باستفاضة عن مسيرته.. وهنا نص ما قاله..

 

درست الهندسة بجامعة القاهرة وانضممت لجمعية الموسيقى، واكتشفت العود لأننى كمواطن من النوبة أعرف أنه لا يوجد فى الموسيقى النوبية "عود"، وكان هذا الاكتشاف مهماً بالنسبة لى، فقد مكنتنى آلة العود من أن أعزف عليها هموم بلدى.

وعندما بدأ الحديث عن السد العالى كنت مدركا لانعكاساته على بلاد النوبة، فتحدثت لأبناء بلدى ليكونوا موحدين فى مطالبهم، وضرورة الحفاظ على التراث النوبى القديم الذى يرجع تاريخه إلى تسعة آلاف سنة، وكنت  أخاطبهم باللحن والأغنية، وحاولت أن أحمل تراث النوبة من لحن وأغنية إلى المجتمع المصرى، لكن اللغة النوبية كانت حائلا بينى وبين ما أريد.. واتجهت إلى الدراسة من خلال منحة لدراسة الموسيقى الغربية فى إيطاليا، واخترت آلة الجيتار المقابلة للعود ثم ذهبت إلى أمريكا كمسجل لاسطوانات  الموسيقى، وهناك درست الموسيقى، وقد لفتُّ نظر أستاذ العلوم الإنسانية من خلال الموسيقى بثقافتى، وهناك استمرت رحلتى ثمانية عشر عاما لأقوم بتدريس الموسيقى فى الشرق الأوسط لطلبة الجامعات الأمريكية، واتجهت بعد ذلك لتدريس تاريخ الفن والفلاسفة الذين كتبوا فى الموسيقى كالفارابى وابن سينا، وحللت لهم كتاب الأغانى وتاريخ الموسيقى والغناء فى تاريخنا الحديث بما فى ذلك الشخصيات المؤثرة من سيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وصولا إلى أحمد عدوية كشخصية مهمة فى الحركة الموسيقية لأنه كان ترجمة لواقع فنى موجود، فهو شخصية شعبية ذات إلقاء جيد، وعندما أوصدت الأبواب دونه نجح على المستوى الشعبى وفى نوادى الأثرياء، فاللون الذى قدمه أحمد  عدوية هو ترجمة لأحاسيسه.. فمثلا أغنية "السح ادح امبو" تعنى "اعطى العيش لخبازه".. لكن أحدا لم يحاول أن يفهم الشخصية الفنية لأحمد عدوية، لكنى أعتبره ثورة فنية.

ويكمل الفنان حمزة علاء الدين حديثه ورحلته مع الفن، فتزداد صلته بالفنانين الأمريكيين وأعمالهم ويشترك فى عمل الموسيقى التصويرية لأفلام أمريكية وبرامج تليفزيونية.. وانفتحت أمامه أبواب الإعلام فى  أمريكا، وحين عقد اليابانيون فى أمريكا مؤتمرا عن آلة العود، وآلة الفلوت الغربية وآلة "البيو" اليابانية وهما آلتان من أسرة العود، دعيت للمشاركة فى  المؤتمر وفاتحونى لأسد نقصا  عندهم فى الهيئات العالمية الفنية فيما يتعلق بنقص معلوماتهم عن الموسيقى فى الشرق الأوسط، وشددت الرحال إلى اليابان لتمتد إقامتى هناك ثلاث عشرة سنة.

 العيب فىَّ أنا

رغم الشهرة العالمية التى أحظى بها فإننى لم احققها فى مصر، فمصر معروفة بحب الفنون والعيب فىَّ أنا، لأننى غير متواجد فى مصر، وسعدت كثيرا عندما فتح لى " فاروق حسنى" الأوبرا مرتين، ورغم هذا فى الفترة الماضية كان من الصعب تقديم عمل جيد، الأمر اختلف عن زمان.. نادرا لما تلقى واحد شايل عوده وماشى به فى الشارع. وبدون شك الخارج ليس لديه فكرة عن هذه الموسيقى واهتمامى الأكبر بالخارج.

الموسيقى النوبية لا تختلف عن الأساس الشرقى..  والشعب المصرى ذو حاسة موسيقية عالية تنسجم مع كل شىء جيد، فهو يستمع إلى الموسيقى الخليجية وهى مختلفة تماما فى حين أننا نجد أن الموسيقى النوبية تتفق مع موسيقاه بنسبة 100%.. ومصر هى الدولة الأولى التى وجد أهلها منذ البداية الإذاعة والتليفزيون.

وأرى أن الأغنية الشبابية جاءت من الفراغ الموسيقى الذى تركه العظماء من أمثال محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش، فهؤلاء قفلوا الأبواب على الشباب مثل أحمد عدوية وغيره.

وهناك أسماء كثيرة لا أتذكرها.. فبعد رحيل هؤلاء أصبحنا نعانى من فراغ موسيقى، فالمستمع لا يستطيع أن يميز بين الردىء والجيد، ودخول آليات العصر الإلكترونى ساعد على إفساد الذوق.. وهذا النوع من الموسيقى سوف ينتهى.. رحيلهم فجأة فى وقت واحد هو الذى فعل هذا وترك فراغا كبيرا، فكلنا كنا نتمنى أن يكون هناك جيل ثان، وأيضا أجهزة الإعلام التى تقتحم الأبواب بدون أن تطرق وتقدم أشياء كثيرة تساعد على إفساد الذوق.

بالإضافة إلى أن الأغنية أصبحت فراغا  وقتيا نسمعها بين البرامج وتكون فى أغلب الأوقاف غير كاملة، وأخيرا كان لفيروز والرحبانية دور مهم فى رواج هذه الأغنية،  فهؤلاء الشباب حاولوا تقليدها لكنهم فشلوا لأن الرحبانية مشروع كبير وعظيم.

 فلسفة التقسيم على العود

هناك نظام معين لتقديم الموسيقى  الشرقية للغربيين نحن لا نجيده، فالآلات الشرقية تختلف عن  الآلات الغربية، والأذن بالطبع تتعامل مع الموسيقى بشكل مختلف، فالمشكلة كيف تقدم هذه الموسيقى لهم وهذا ما فعلته.. درست موسيقاهم فعرفت كيف أقدم لهم العمل الشرقى، فعندما تقدم لهم العود لا بد أن تشرح لهم فلسفة التقسيم على العود أولا، لكن إذا عزفت على العود بدون أن يعرفه هذا المستمع فلن يفهم شيئا ولن يتفاعل معك..  وسوف أقص حكاية واقعية حدثت معى..

عندما ذهبت فرقة أم كلثوم إلى اليابان اعتلى أحدهم المسرح وراح يتحدث عن مصر وآثارها ولم ينطق بكلمة واحدة عن الآلات الموسيقية التى سوف يستخدمها العازفون.. فاستأذنت وطلعت على المسرح وقمت بتفنيد الآلات الموسيقية وشرحها لجمهور الحاضرين، ووضحت لهم ما هى علاقة الآلات ببعضها، وأعطيت أمثلة للآلات  المصرية واليابانية، فمثلا الشاكوهايش يقابلها الناى والكوتو يقابله القانون،  فعندما استمعوا للآلات استمتعوا بالموسيقى.. فعلى الفنان أن يتعلم كيف يقدم موسيقاه للناس.

 أنا وموسيقار الأجيال

 قال عبدالوهاب عن صوتى إنه كما الأذان، فقدمنى فاروق عبدالسلام لطبيب العيون على المفتى الذى كان له صالون أدبى وموسيقى، وبحث هو وفاروق عبدالسلام كيفية تقديمى لعبدالوهاب، وحدثوه عنى وحكوا له قصتى، وحينما اتصلت به قال لى: "أهلا بملك العود والطار".. وحددنا وقتا للمقابلة وعرفت من على المفتى وفاروق عبدالسلام دقته فى المواعيد.. والتزمت بذلك.. فى البداية كنت خائفا وقلقا من اللقاء وكان عبدالوهاب فى أيامه الأخيرة متعبا جدا، وكنت خائفا على صحته.. وعندما رآنى اندهش من عودى لأن له ستة أوتار.. وزادت دهشته حين رأى أننى وضعت العود فى صندوق، وتأثر بذلك كثيرا، وأخذ العود وراح يعزف عليه، وتمنيت فى هذه اللحظة أن أصور عودى وهو مع عبد الوهاب.

  العود والطار

الطار هى الآلة الوحيدة الموجودة عند النوبيين الشماليين، والغريب أن الذى شجعنى على استخدام الطار طلبة المدارس الأهلية فى أمريكا.. فالعادة جرت فى أمريكا على أن يزور الأساتذة الكبار هذه المدارس ويلتقوا بالأطفال.. واختارونى لذلك.. وهناك ليس لدى الاطفال فكرة عن جهل الغريب بلغتهم، فتحدثت معهم من خلال الطار وتعلمت اللغة منهم، وهذا ما شجعنى على أن آخذ الطار على المسرح.. والطار يحوى العناصر الاربعة للكون "الماء والنار والهواء والتراب"، فأخذ بورقة وأشعل سيجارة ورسم فى منتصف الورقة دفا أو طارا ووضع نقطة نهاية الدائرة وقال "إذا خبطت هنا سنسمع صوت النار".. وسحب القلم إلى المنتصف وقال "وهنا صوت الماء".. وبعد ذلك أشار الى ثلاثة أرباع الدائرة وقال "حين تخبط هنا سنسمع صوت الأرض (التراب)"، ووضع كف يده على الدائرة وقال هكذا نسمع صوت الهواء.. أما العود فأنا اكتشفته للموسيقى النوبية لأنه لم يكن موجودا فيها.. وأضفت الى العود وترا سادسا.

 تجربتى فى اليابان

أقول لك بصدق: أى موسيقى تقدم بأصالة يتفاعل معها الناس.. فالموسيقى ليس أذنا بل إحساس ودم، وعلينا أن نعى هذا.. فاليابانيون ثقافتهم الموسيقية ٧٠% فقط، فليس من الضرورى أن يجيد الإنسان هناك العزف على آلة ما، لكن يكفى أن يجيد قراءة النوتة الموسيقية.

وفى هذه البلاد استفدت الكثير والكثير، فالمعلومات متوافرة بشكل كبير، فهناك توجد كتب عن الدين الإسلامى والموسيقى العربية لا توجد فى بلادنا. بعد أن كانت لدينا نهضة موسيقية عظيمة.. وأنت تعلم الوضع الذى آل إليه حال الموسيقى الآن.

هناك أشياء كثيرة مجتمعة أسهمت فى هذا التدهور، فالقاهرة اختلفت كثيرا عن الوقت الذى سافرت فيه، فى الماضى كنا نستمتع بصوت الأذان والآن لا نستطيع أن نميز بين حى على الفلاح.. وحى على الصلاة، فجميع الميكروفونات تنطلق فى وقت واحد، وهذا خطأ من الناحية الدينية، فلابد أن يكون هناك احترام للأذان لكى نستطيع أن نسمعه ونستمتع به.

فى الماضى كنا نجلس على المقاهى وتمر علينا الفرق.. فكانت فرقة أبوالغيط تمر علينا تغنى وتحكى أخبار أحياء القاهرة.. هذه الأشياء غير موجودة الآن.. بالإضافة إلى أننا ننظر إلى الخارج ونفعل ما يفعل دون أن نناقش، وهذه الظاهرة لا تتفق معنا، فنحن نبيع أنفسنا لثقافة غير موجودة، ومن الأجدى أن نستفيد من أدواتهم ولا نقلدهم.

 الإثنوميوزيك أولجى

العالم يتجه الآن إلى "الإثنوميوزيك أولجى"؛ والمقصود بها السلالية، وعلى العكس نتجه نحن إلى فقدان الشخصية المصرية، والحل الوحيد هو الثقافة والعودة إلى تراثنا.. لا بد أن نتفاعل مع الواقع.. ونعرف ماذا يريد الناس.. فالفن صورة للناس والناس صورة للفن.

والشيوع فى الثقافات مهم جدا، والبلاد تختلف فى تراثها كثيرا، لكن يجب أن نستمع إلى بعضنا وإلى أنفسنا أولا.. واقول لكم: كيف ينفصل النوبى عن المصرى؟.. كيف ينفصل عن جسمه؟.. واختلاف اللغات حقيقة واقعة، لكن لا تعارض فى التذوق.. لماذا لا تعارضوا الصعيدى ولهجته مختلفة؟ والمهم أن نتواصل وننفتح.

وأول حفل لى فى أمريكا حضره ٣٤ ألف مستمع، وأنا أغنى أغمضت عينى حتى لا أراهم وهم يغادرون المكان كما كنت أعتقد.. وعندما انتهيت فوجئت بالتصفيق الهائل.

 موسيقانا والطابع التركى

المدنية فى الإسلام أثرت فى كل شىء والموسيقى أيضا.. وأعلام المدنية كانوا عربا وأفغانيين وباكستانيين، والمدنية الإسلامية وصلت للموسيقى بالعربى والتركى والفارسى، فتأثرت الموسيقى بهذه الحضارات.. لكن سيد درويش استطاع ان يحرر الموسيقى من قيودها وينطلق بها، فسيد درويش خلق موسيقى مصرية.

وقد تم إلغاء الربع تون لكى يمكن للموسيقى الغربية تطبيق التوزيع الموسيقى عليها.. أيضا عندما نقوم نحن بتوزيع اللحن الشرقى نلغى الربع تون.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...