الدكتور نادر نور الدين: نحن على أبواب «السنوات العجاف» لنهر النيل

الدولة تلتزم ضبط النفس فى أزمة السد الأثيوبى السودان يعانى من الجفاف المفتعل.. والسد العالى «حائط الستر» لمصر السد العالى هو بحيرة الستر المائى لمصر ومخزونه يكفى احتياجاتنا من 5 إلى 7 سنوات إسرائيل تلعب بورقة إثيوبيا لتمرير مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة «أديس أبابا» تروج الأكاذيب ضد القاهرة للتغطية على أزماتها الداخلية

كشف الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة السبب وراء تراجع مناسيب المياه فى الروافد المائية السودانية. وقال في حوار خاص لـ «الإذاعة والتليفزيون» إن السودان عانى العام الماضى من فيضانات مفتعلة ويعانى هذا العام من جفاف مفتعل أيضا، مؤكدًا أن ما يجرى هو إنعكاس لسوء إدارة لملف المياه المتعلق بالسد الإثويبي، منوها إلى أن مصر والسودان لا يزالان يلتزمان ضبط النفس انتظارا لمعرفة نتائج التحركات المرتقبة للرئيس الأمريكي الذي ابدى رغبة قوية في الوساطة لحسم هذا الملف.

ما قصة تراجع مناسيب المياه في الروافد المائية السودانية، وما علاقة السد الأثيوبي بهذه الأزمة؟

الأسباب واضحة، وإن كان السبب الأكبر في النهاية هو تعنت الجانب الأثيوبي، منذ شهرين، أعلنت منظمات الأمم المتحدة للمياه وهيئات الأرصاد الجوية العالمية أن هذا العام سيشهد ظاهرة "النينو"، وهي ظاهرة تأتى برياح ساخنة على القرن الأفريقى والهضاب الإثيوبية مما يتسبب في جفاف الهواء وعدم تكوين السحب الممطرة. وبالتالى ستقل الأمطار هذا العام على إثيوبيا وبالتالي يقل الإيراد المائى لنهر النيل ، والمتوقع أن تكون هذه السنة من السنوات العجاف" للنهر، وهي سبع سنوات تتكرر كل ٢٠ عامًا قد تأتى متتالية أو متفرقة أي أنه ليس بالضرورة أن تكون السنة القادمة من السنوات العجاف.

كنا نعلم هذا الأمور منذ شهرين، وطالبنا الجانب الإثيوبي خلال المباحثات بأن تكون الأولوية في السنوات العجاف لضخ المياه للشعوب العطشانة في مصر والسودان وليس لتوليد الكهرباء؛ فحياة البشر أهم واقترحنا عليهم عدم ملء البحيرة لآخرها في أوقات الجفاف والاكتفاء بملء البحيرة بنسبة من ٧٠٪ إلى ۸۰% من سعتها، وهو ما يضمن لهم توليد %۸۰٪ من الكهرباء المخطط لها دون حرمان دول المصب من المياه القليلة القادمة وتقليلها بتخزينها، ولكن إثيوبيا رفضت وصممت على أن أى قطرة ماء قادمة يجب أن تدخل البحيرة أولا للتخزين، وما يتبقى بعد توليد الكهرباء يمر لمصر والسودان على مدار السنة. وهذا ما نسميه "الجفاف" المزدوج أو ما أطلقوا عليه الجفاف الممتد؛ فهو جفاف مزدوج ، واحد من صنع الطبيعة وآخر من صنع البشر.

إثيوبيا جعلت السودان ومصر يدفعان وحدهما ثمن السنوات العجاف، بينما المفترض أن تتحمل الدول الثلاث كشركاء جزء من السنوات العجاف لأنها من فعل الطبيعة، فليس من العدل أن تخزن إثيوبيا المياه القليلة التي تصل إليها وتترك السودان تعانى مثلما شاهدنا حيث انكشفت قيعان وجوانب الأنهار في السودان وتعطلت محطات مياه الشرب نتيجة نقص المياه وزيادة العكارة والرواسب. فالجانب الإثيوبي متعنت ورغم أننا في ذروة الفيضان (۲۳) (يوليو) حيث كان يصل إلى السودان ومصر نحو ۱۲ مليار متر مكعب في موسم الفيضان وحتى فى أوقات الجفاف تصل نصف الكمية أى ٦ مليار متر مكعب)، إلا أن إثيوبيا فضلت التخزين أولاً على ضخ المياه، علما بأنها لم تركب سوى توربينات من أصل ۱۵ ، والمشغل منها فعلا ٤ توربينات فقط وبمعدلات صغيرة تجريبية بعد توقف مخطط تصدير الكهرباء للسودان بسبب ظروف الحرب هناك.

هل يمكن أن تمتد هذه الأزمة إلى أراضينا وما هي آليات الحكومة للتعامل مع مثل هذه الأمور؟

بالنسبة لمصر، ليست كارثة فنهر النيل لا يأتي من إثيوبيا إلى مصر مباشرة، بل تخزن مياهه في بحيرة السد العالي، وهو أحد أعظم مشروعات المياه في القرن العشرين كما صنفته الأمم المتحدة، ووظيفة السد العالي هي تخزين المياه في مواسم الوفرة والسنوات السمان لاستخدامها في سنوات الجفاف أو السنوات العجاف، وبالتالى المياه كلها تدخل السد العالى أولا.

ووزارة الرى تضخ يوميًا ماءً مقننا لنهر النيل طبقا لاحتياجات القطاعات الأساسية ، وهي الاستهلاك المنزلي والزراعة والصناعة والحفاظ على البيئة وتوليد الكهرباء، وكل ذلك في حدود ۱۷۲ ملیون متر مكعب يوميًا ليغطى كل الاحتياجات، التي تختلف أو بالأحرى تزيد قليلا فى الصيف عنها في الشتاء، فهو ماء مقنن.. وليس ماء النهر الطبيعي، إنما المياه التي تخرج من السد العالى محسوبة طبقاً لاحتياجاتنا مع الزيادة السكانية.

ومخزون السد العالى بسعته الكاملة (نحو ١٦٢ مليار متر مكعب يكفى مصر من ٥ إلى ٧ سنوات خلال السنوات العجاف.. دون أن يشعر المواطن بأي نقص، وسبق أن سترنا السد العالى لمدة ٧ سنوات كاملة خلال السنوات العجاف السبع، فى بدايات عهد الرئيس مبارك وهي الفترة من ۱۹۸۱ إلى ۱۹۸۸ ، كدنا أن نعلن حالة الطوارئ في ١٩٨٨ لكن أكرمنا الله وبدأت السبع سنوات السمان وقمنا بعمل مشروع توشكي، ولذلك أسميه "بحيرة الستر المائي لمصر".

لكن يجب علينا ترشيد الاستهلاك قدر الإمكان ورفع الوعى بأهمية المياه، وتقليل الإهدار في المنازل والمباني الحكومية والمساجد والجامعات والمستشفيات بالتحول للحنفيات الحساسة، إلى جانب الترشيد في القطاع الزراعي، فكل نقطة مياه تفرق معنا.

كيف رأيت إصرار الحكومة الإثيوبية على ترويح الأكاذيب حول الحكومة المصرية وماذا يقصد "أبي أحمد" برصد تحركات خارجية تستهدف ضرب الجبهة الداخلية الإثيوبية؟

إثيوبيا تعتاد هذا الأسلوب من الكلام على مصر كلما واجهتها أزمة داخلية مروجة لروايات مثل أن مصر لا تريد استقرار إثيوبيا أو تمنعها من الوصول للبحر الأحمر

هناك ٤٤ دولة حبيسة في العالم لا تملك موانى)، منها ١٦ دولة في أفريقيا، وا دول في منابع النيل نفسها (مثل أوغندا وهى الجارة الجنوبية الإثيوبيا، رواندا، بوروندي، وجنوب السودان. فلماذا تتحدث إثيوبيا عن نفسها فقط برغم ادعائها الدائم بالحلول الأفريقية؟. تاريخيا إثيوبيا لم تكن تملك موانئ على البحر الأحمر. وإريتريا هي التي كانت تطل على البحر والملك النجاشي، الذي استقبل الوفود الأولى لهجرة المسلمين كان من إريتريا وليس إثيوبيا كما يدعون ( منطقة الحبشة القديمة كانت تضم إريتريا وإثيوبيا والصومال وجيبوتي).

وحديث إثيوبيا عن إنهاء الهيمنة المصرية على نهر النيل" مجرد هر طقة وتفكير عجيب فكيف تكون هناك هيمنة ونحن دولة مصب ولسنا دولة منبع، تأتينا المياه بالانحدار الطبيعي والخلق الطبيعي للنهر دون طلمبات سحب مياه من دول المنبع أو منع لأي دولة من أخذ حصتها؟ وبالتالي ما هي الهيمنة المصرية على السد؟ فأين هي الهيمنة المصرية؟ أم يقصدوا أنهم نقلوا الهيمنة المصرية إلى الهيمنة الإثيوبية؟ وهي دولة منبع وبالتالي قامت ببناء سد كبير يؤدي دولتي المصب ولا يوجد بعدنا إلا البحر

إثيوبيا أضرت بدولتي المصب؛ ففى سبتمبر الماضي تسببت بفيضان وسوء إدارة أدى لفرق السودان ووصل أثره لمصر

هل انحسار المياه في الأراضي السودانية يعد دليلاً قاطعا على فشل الحكومة الإثيوبية

في إدارة السد؟

سد ضخم مثل السد الإثيوبي أكبر من قدرات دولة تامية مثل إثيوبيا، وأرى أنهم تسرعوا في تضخيم هذا السد الذي صممه الأمريكيون بسعة 11 مليار متر مكعب فقط، لكن عندما جاء ميليس زيناوي طلب من الشركة المنفذة أكبر سد في إفريقيا بصرف النظر عن وجود كوادر إثيوبية تديره، واتضح ذلك العام قبل الماضي في التعامل مع سنة من السنوات السمان والفيضان الكبير، وهذه السنة فشلوا في التعامل مع السنوات العجاف، وكان الأفضل أن يستعينو بخبراء من دول متقدمة أو على الأقل تشارك السودان ومصر معها في إدارة السد لأنه نهر مشترك فيه ثلاث شركاء أساسيين ينبغي أن يكون لهم رأى في إدارة موارد النهر

كيف يمكن للحكومة المصرية الاستناد على ذلك في دعم موقفها في أزمة السد الإثيوبي ؟

هم دائما يرددوا أنهم ملتزمون بالبند الذي ينص على أنه في حالة عدم توافق الوفود الوطنية والوصول إلى حلول في المشاكل، يتم الاستعانة بوسيط دولي التقريب وجهات النظر ويتم رفع الأمر أولاً إلى رؤساء جمهوريات الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا ثم الاستعانة بوسيط دولي. وهذا ما فعلته مصر في سنة ۲۰۱۹ حتى فبراير ۲۰۲۰ عندما تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية ترامب الأولى واستضافت الدول الثلاث في اجتماع في واشنطن وتوصلنا لاتفاق فعلاً. وعند التوقيع وقعت مصر لكن إثيوبيا رفضت التوقيع بحجة أنهم لابد من رجوعهم للإدارة في إثيوبيا أولا قبل التوقيع، ثم تهربوا ورفضوا التوقيع. إذا هم دائما يتهربون، لكن لازالت فكرة الوسيط الدولي قائمة في الدول التي ترتبط بعلاقات جيدة مع مصر والسودان من جانب ومع إثيوبيا.. مثل الصين وروسيا.

والرئيس ترامب في المبادرة الأخيرة التي طرحها من أجل تسوية المشاكل في سد الإثيوبي، قال إنه لابد أن يكون هناك وسيط دولى يفهم إثيوبيا أن هذا ليس نهرا إثيوبيا خالصاً حتى تتحكم فى مقدراته، إنما هو نهراً دولياً عابراً للحدود وسبب الحياة في ثلاث دول وليس في دولة واحدة، وبالتالي ليس من حق إثيوبيا وحدها التحكم في مقدرات وتدفقات النهر دون مشاركة من مصر والسودان.

هل يمكن أن ينجح الرئيس الأمريكي في إثناء حكومة أديس أبابا عن مواقفها المتعنتة تجاه دولتي المصب.. وما هي الأوراق التي يملكها "ترامب" للضغط على "أبي أحمد"؟

الجانب الأمريكي يمتلك وسائل ضغط قوية لمنظمات الإغاثة الدولية، وبرنامج الغذاء العالمي كلها تتبع أمريكا، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تدفع الإثيوبيا معونات سنوية للتنمية وعندما رفضوا التوقيع في عهد ولاية ترامب الأولى أوقف عنهم هذه المساعدات ثم جاء الرئيس بايدن وأعاد إليهم المساعدات، وكان ينوى التدخل في حل الأزمة لولا أن بدأت حرب إيران في فبراير الماضي، وبالتالي أصبحكل تركيز ترامب وهمه حالياً إنهاءها أولاً، إلى جانب ملف الحرب الروسية الأوكرانية كان قد تعهد بحلها فهاتين الدولتين تتحكمان في تصدير ٤٣٤ من الغذاء العالمي، وبعدها يتدخل في حل مشكلة السد الإثيوبي التي تظل مشكلة أقل - من وجهة النظر الأمريكية وليس من وجهة نظرنا.

ما حقيقة التعاون بين الحكومة الإثيوبية ونظيرتها الإسرائيلية في أزمة السد. وإنعكاسات ذلك على التفاوض مع دولتي المصب ؟

إسرائيل ليس لديها أي كوادر فنية في إدارة السدود المائية، لأنها في الأصل دولة صغيرة : مساحتها أقل من مساحة سيناء، وليس لديها سدود ضخمة ولا أي سدود، وكل ما تقوم به هو تشجيع أثيوبيا ودعمها في الزراعة وإدارة الموارد المائية وتطوير اقتصادها، وفي تصريح مؤخرا جاء فيه أن إسرائيل تدعم أثيوبيا لأن مصر تدين تدخلهم المستمر في غزة ومنعت الهجرة إلى سيناء كما كانوا يريدون، حتى عندما طرح الأسبوع الماضي موضوع الخروج التطوعي من غزة للمواطنين الفلسطينيين.. وهو مسمى جديد الهجرة الفلسطينيين تحت اسم الخروج التطوعي أو السفر بحرية لكن مصر رفضت أيضا هذا الأمر واعتبرته نوع من التحايل لنفس المسمى وهو تهجير الفلسطينيين من وطنهم، ونتيجة لموقف مصر السياسي القوى ضد إسرائيل اتخذت إسرائيل هذا الموقف بتشجيع أثيوبيا على مزيد من التعنت ضد مصر والسودان فيما يتعلق بموضوع المياه، وبالتالي أعتقد أن القنوات الدبلوماسية المصرية سوف تتحرك لوقف هذا التدخل.

ما هو الضرر الواقع على الجانب الإثيوبي من وراء إعلان وقف التفاوض مع "أديس أبابا"؟

إعلان وقف المفاوضات كان من جانب دول المصب جاء بعد استنفاد كل محاولات إثبات حسن النية أمام التعنت الإثيوبي، وقد طلبوا عودة التفاوض عدة مرات لكن الوفد المصرى بسبب كثرة التفاوض المستمر على مدار أحد عشر سنة وجد أن الجانب الإثيوبي يقوم بالتسويف، وينقض في الجلسة التالية أي اتفاق تم التوصل له، ورأى أن ما يقوم به الجانب الإثيوبي هي محاولات لكسب الوقت.. فأوقف الجانب المصرى التفاوض، وحتى تعود مصر للتفاوض لابد أن تخلص النوايا في الوصول إلى حلول فعلية.

ما حقيقة التقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن إتجاه الحكومة الإثيوبية لإقامة عدد من السدود الأخرى على مجرى النهر.. وكيف سيكون التصرف المصرى في هذه الحالة ؟

ليست تقارير إسرائيلية، هذا الموضوع يعود إلى سنة ۲۰۱۱، ووضعت وزارة المياه والطاقة خريطة بثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق، وهي كارادوبي بيكو أبو ماندايا والسعة التخزينية لكل سد منهم ما بين ٤٠ - ٤٥ مليار متر مكعب، وقد أخطروا مصر والسودان رسميا، لكننا رفضنا هذا الأمر، ولا أعتقد أنهم سيجر أون على فعل ذلك، ولن يقوموا ببناء أي سد آخر على النيل الأزرق، لأن وقتها مصر لن تصمت، ولن تسمح ببناء أي سدود جديدة على النيل.

 	 إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الدكتور نادر نور الدين: نحن على أبواب «السنوات العجاف» لنهر النيل

الدولة تلتزم ضبط النفس فى أزمة السد الأثيوبى السودان يعانى من الجفاف المفتعل.. والسد العالى «حائط الستر» لمصر السد العالى...

د.بلال على: «أبو اللهاليب» يكشر عن أنيابه ومركز المناخ يحذر من ارتفاع الحرارة

تشهد مصر ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة وأرجعت هيئة الارصاد الجوية أسباب موجة هذه إلى تعرض البلاد لمنخفض الهند...

اللواء أركان حرب محمد الشهاوى: «ثورة يوليو» رسخت عقيدة استقلال القرار

الضباط الأحرار لم يعزلوا أنفسهم فى الثكنات.. وتبنوا مطالب الجماهير

الدكتور فخرى الفقي: احتكار وانتهازية التجار وراء عدم تراجع الأسعار

شهادة نجاح على تعافى المركز المالى للدولة المصرية تجاوز احتياطى المركزى حاجز ال 55 مليار دولار.. يعزز قدرة الدولة على...