الضباط الأحرار لم يعزلوا أنفسهم فى الثكنات.. وتبنوا مطالب الجماهير
في لحظة فارقة من عمر الزمان، وبينما يمتد شريط الذكريات ليصافح واقعا يتشكل بأيدى المصريين اليوم نقف أمام محطة تاريخية لا تزال أصداؤها تشكل ملامحالدولة الوطنية المصرية.
إنها ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، التي كانت زلزالا وطنيا أعاد رسم خريطة السيادة والكرامة، وفي هذا الحوار الخاص نغوص في أعماق التجربة المصرية مع أحد أهم العقول الاستراتيجية العسكرية، اللواء أركان حرب "محمد الشهاوي"، لنفكك شفرات العقيدة الوطنية التي تربط بين ثورتى يوليو 1952 ويونيو 2013، ولنقرأ كيف تحولت مصر من مملكة تابعة إلى جمهورية تفرض إرادتها في محيطها الإقليمي والدولي.. نفتح ملفات السيادة، وتوطين السلاح، والعدالة الاجتماعية، لنكتشف كيف يظل الجيش المصري، بوعى شعبه العظيم، هو الدرع الحامي لمكتسبات الوطن، والضمانة الوحيدة لاستقلال القرار في وجه العواصف المتلاطمة. إنها قراءة في وعى الأمة، وفلسفة البقاء، ومستقبل الجمهورية الجديدة.
كيف ترى الاثر التاريخى لثورة 23 يوليو في صياغة العقيدة العسكرية والوطنية للدولة المصرية الحديثة؟
يجب أن ندرك أنها لم تكن مجرد تغيير في هرم السلطة بل كانت عملية إعادة تعريف للذات المصرية قبل ١٩٥٢ حيث كانت العقيدة العسكرية المصرية مكبلة بتبعية مطلقة، وكان الجيش يُنظر إليه كأداة لحماية العرش لا الوطن. جاءت ثورة يوليو لترسخ عقيدة جديدة قوامها استقلال القرار الوطني. لقد حولت الجيش من جيش يحمى الباشوات والاحتلال إلى جيش وطني خالص ولاؤه الوحيد للأرض والشعب. هذه العقيدة التي قامت على الكرامة الوطنية والقدرة على حماية المكتسبات هي التي صاغت مفهوم الدولة الوطنية التي نراها اليوم، حيث الجندى ليس مجرد مقاتل، بل هو حارس للهوية والمستقبل.
ما أهم المكاسب الاستراتيجية التي حققتها ثورة يوليو على المستويين الاقليمي والدولي. وكيف غيرت موازين القوى في المنطقة؟
الثورة نقلت مصر من خانة الدولة التابعة إلى خانة الدولة الفاعلة على المستوى الإقليمي، أصبحت مصر قبلة حركات التحرر الوطنى فى أفريقيا وآسيا، وأنهت حقبة الهيمنة الاستعمارية المباشرة. أما دوليا، فقد كان تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦ هو الزلزال الذي غير قواعد اللعبة؛ حيث أثبتت مصر أنها قادرة على انتزاع سيادتها في قلب الملاحة العالمية، مما دفع القوى الكبرى لإعادة حساباتها. الثورة خلقت توازنا إقليميا وجعلت من مصر رقما صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو سياسية في الشرق الأوسط.
كيف نجحت القوات المسلحة في عام 1952 في التحول السريع من حركة التغيير نظام الحكم الى قيادة ثورة شعبية شاملة حظيت بتأييد جارف؟
النجاح يكمن في الصدق مع الشعب الضباط الأحرار لم يعزلوا أنفسهم في الثكنات بل تبنوا مطالب الجماهير التي كانت تعانى من أزمات ثلاث: التبعية، الإقطاع والفساد. عندما اتخذوا خطوات عملية وفورية، مثل قانون الإصلاح الزراعي، شعر المواطن البسيط - الأول مرة أن هناك من يرفع عنه ظلم السنين. كان التحول من حركة إلى ثورة نتاج تبنى مطالب الطبقات الكادحة التي وجدت في هؤلاء الضباط صوتا لها، فالتفت الجماهير حولهم كظهير شعبي لا يلين، وهو ما جعلها ثورة شعبية بامتياز تحت غطاء حماية عسكرية.
تأسست بعد ثورة يوليو صناعات دفاعية مصرية مهمة، كيف تقيم رؤية قادة يوليو في تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري أنذاك ؟
قادة يوليو أدركوا مبكرا حقيقة استراتيجية: من يملك سلاحك، يملك قرارك بعد صفقة الأسلحة التشيكية عام 1900، بدأ المسار الحقيقي نحو الاستقلال العسكري. بدأت مصر حينها في تأسيس مصانع حربية وتوطين التكنولوجيا، وكان لديهم رؤية طموحة لم تكن تهدف فقط لإنتاج الذخيرة، بل لبناء قاعدة صناعية متكاملة. هذا الفكر كان البذرة الأولى لما نراه اليوم من توطين للصناعات العسكرية، حيث ننتج اليوم أسلحة متطورة محليا، وهو ما يمثل استكمالاً أصيلاً لنهج قادة يوليو في امتلاك الإرادة والقدرة.
من منظور عسكري واستراتيجي، ما هي الخيوط المشتركة والروابط العميقة التي تجمع
بين ثورتي 23 يوليو و 30 يونيو ؟
الروابط جوهرية وليست سطحية. كلتا الثورتين كانتا حركات تصحيح للمسار في يوليو ١٩٥٢، كان الهدف استعادة الدولة من براثن الاحتلال والفساد الملكي وفي يونيو ۲۰۱۳، كان الهدف استعادة الدولة من براثن جماعة حاولت اختطاف الهوية الوطنية. كلاهما ارتكز على مبدأ الاستقلال الوطني وحماية الدولة. إن التشابه بنيوي ففي كلتا الحالتين خرج الشعب، وانحاز الجيش وارتسم هدف واحد دولة قوية لا تقبل الإملاءات.
كيف مثل انحياز القوات المسلحة للشعب في 30 يونيو امتدادا طبيعيا لعقيدة الجيش المصرى التي ترسخت في 23 يوليو؟
بالطبع، وبلا أدنى شك عقيدة الجيش المصرى هي عقيدة حماية الشعب والدولة في ٢٣ يوليو، خرج الجيش ليحمى الدولة من الانهيار وفي ٣٠ يونيو، خرج ليحمى الدولة من الفوضى والتمزيق التلاحم بين الشعب والجيش في هاتين المحطتين يعكس أن الجيش المصرى ليس جيشا نظاميا فحسب، بل هو جيش الشعب ومؤسسة وطنية تحمل روح الثورة في جوهرها الانحياز في ٢۰۱۳ كان تأكيدا على أن هذه العقيدة حية ولم تتبدل.
في الثورتين كان الشعب هو المحرك
والجيش هو الدرع الحامي، كيف تفسر هذه المعادلة الفريدة التي تميز العلاقة بين الشعب المصرى وجيشه ؟
هذه المعادلة هي الدرع والسيف. الشعب هو صاحب الشرعية والهدف والجيش هو الضمانة والمظلة التي تحمى هذا الهدف. في مصر لا يوجد انفصال بين المواطن والجندي فالجندى هو ابن الفلاح والعامل والموظف هذا التداخل الاجتماعي يجعل من الجيش جزءا لا يتجزأ من نسيج الشعب، مما يفسر سبب التناغم الفريد الذي تراه في اللحظات التاريخية الحاسمة. الجيش يثق في وعى الشعب، والشعب يثق في قوة واحترافية جيشه، وهذا هو سر قوة الدولة المصرية.
واجهت ثورة يوليو تحديات امنية ومؤامرات خارجية، كيف تشابهت هذه التحديات مع تلك التي واجهتها الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو ؟
التحديات تكاد تكون متطابقة في جوهرها. بعد ١٩٥٢. واجهت مصر العدوان الثلاثي وحربا استنزافية لكسر إرادتها. وبعد ۲۰۱۳ واجهت مصر حرب إرهاب شرسة و محاولات حصار اقتصادی و سياسي المخطط واحد: تركيع الدولة المصرية في الحالتين، كان الهدف هو ضرب الجبهة الداخلية وزعزعة ثقة الشعب في مؤسساته. ولكن كما صمدت الدولة بعد يوليو، صمدت الدولة بعد يونيو لأنها امتلكت القيادة الواعية والجيش القادر على إحباط مخططات إسقاط الدولة.
كيف اسهمت ثورة 30 يونيو في استعادة هيبة ومفهوم الدولة الوطنية القوية الذي ارست دعائمه ثورة يوليو، بعد محاولات طمس هذه الهوية ؟
محاولات طمس الهوية الوطنية بعد ٢٠١١ كانت تهدف التحويل مصر إلى دولة فاشلة أو تابعة، جاءت ٣٠ يونيو لتعيد الاعتبار المفاهيم السيادة، وهيبة الجيش والوحدة الوطنية. لقد أعادت الاعتبار المشروع الدولة الوطنية القوية الذي أطلقه رجال يوليو. نحن اليوم تری عودة الثقة في مؤسسات الدولة، وتثبيت أركان الحكم الرشيد، وهو امتداد طبيعي للحلم الذي بدأ قبل ٧٢ عاما في جعل مصر دولة فاعلة وذات سيادة.
ركزت ثورة يوليو على البعد الاجتماعي والاهتمام بالمواطن البسيط كيف تجسد هذا البعد في المشروعات القومية الكبرى ومبادرات الحماية الاجتماعية بعد 30 يونيو؟
ثورة يوليو قامت على شعار العدالة الاجتماعية والجمهورية الجديدة التي ولدت من رحم ٣٠ يونيو تجسد هذا البعد في مشروعات مثل حياة كريمة. وبرامج الحماية الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، نحن لا نبنى طرقا وجسورا فقط نحن نبنى إنسانا مصريا من خلال تطوير التعليم والصحة وتوفير فرص العمل البعد الاجتماعي هو العمود الفقرى لأى نهضة والقيادة السياسية تدرك أن الاستقرار لا يتحقق إلا بتوفير حياة كريمة للمواطن البسيط.
كيف أعادت ثورة 30 يونيو صياغة الدور الريادي لمصر في القارة الأفريقية والدائرة العربية، وهو الدور الذي كانت مصر رائدته بعد ثورة يوليو ؟
مصر عادت إلى عملها الأفريقي والعربي بقوة. لقد انتهت فترة الانكفاء على الداخل التي فرضتها الظروف اليوم، تقود مصر مبادرات تنموية وأمنية في القارة الأفريقية، وتلعب دورا محوريا في حل الأزمات العربية. هذا الدور هو استعادة طبيعية الريادة مصر التاريخية، حيث أصبحت الدبلوماسية المصرية مدعومة بقوة عسكرية ناعمة وصلبة، مما جعل القاهرة مرة أخرى هي بوصلة المنطقة.
كيف تعاملت القيادة العسكرية والسياسية في كلا التاريخين مع الضغوط الخارجية الهادفة لثنى مصر عن مسارها الوطني المستقل ؟
دائما بالرفض الحاسم لأي إملاءات في عهد ثورة يوليو، قاوم عبد الناصر سياسة الأحلاف، وفي عهد الجمهورية الجديدة ترفض الدولة المصرية أي تدخل في شؤونها الداخلية القيادة تدرك أن التنازل في موقف واحد يفتح الباب للمزيد من الضغوط المعادلة بسيطة نحن نمد يد التعاون للجميع على أساس الندية والاحترام المتبادل، ولكن أمننا القومي وسيادتنا خط أحمر لا نقاش فيه.
بصفتك خبيرا عسكريا، كيف ترى دور الوعى الشعبي الذي تشكل عبر محطات يوليو ويونيو في افشال مخططات حروب الجيل الرابع والخامس التي تستهدف الجبهة الداخلية ؟
الوعي هو خط الدفاع الأول حروب الجيل الرابع والخامس لا تعتمد على الجيوش التقليدية، بل على تزييف الحقائق ونشر الشائعات وضرب الثقة في مؤسسات الدولة الشعب المصري، من خلال وعيه الذي تشكل عبر محطات يوليو ويونيو، أصبح يمتلك مناعة استراتيجية المواطن أصبح يدرك أن ما ينشر على منصات التواصل ليس دائما حقيقة، وأن استقرار الدولة هو أمانه الشخصي هذا الوعى هو الذي أحبط كل محاولات التفكيك من الداخل.
ما الرسالة الاستراتيجية التي توجها للأجيال الجديدة في ذكرى ثورة يوليو حول اهمية الاصطفاف الوطني لحماية مكتسبات ثورة 30 يونيو؟
رسالتي للأجيال الجديدة هي: اقرأوا التاريخ جيدا. وتأملوا ما مر به وطنكم ثورة يوليو لم تكن ماضيا وانتهى، بل هي روح مستمرة احذروا من محاولات التشكيك في إنجازات الدولة، وتذكروا أن الوطن الذي تعيشون فيه اليوم بنى بتضحيات دماء غالية. مكتسبات ٣٠ يونيو هي أمانة في أعناقكم، والاصطفاف الوطني خلف الدولة هو السلاح الذي يحمى حاضركم ومستقبلكم مصر أمانة وحمايتها ليست مسؤولية الجيش وحده بل هي مسؤولية كل شاب وفتاة.
في ظل التوترات الإقليمية الحالية المحيطة بالحدود المصرية، كيف يظل التلاحم بين الشعب والجيش هو الضمانة الأساسية والوحيدة للأمن القومي المصري؟
التلاحم هو قوة الردع الشاملة. عندما يرى العالم أن الشعب والجيش في مصر على قلب رجل واحد، فإنهم يحسبون ألف حساب قبل أي مغامرة. الأمن القومي المصري ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو منظومة متكاملة من الاستقرار الداخلى والقدرة العسكرية. طالما ظل هذا الرباط قوياً، فستظل مصر عصية على الانكسار، وسيبقى هذا التلاحم هو الحصن الذي تتكسر عنده كل المؤامرات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهادة نجاح على تعافى المركز المالى للدولة المصرية تجاوز احتياطى المركزى حاجز ال 55 مليار دولار.. يعزز قدرة الدولة على...
الحكومة تتحمل نفس فاتورة الدعم لكنها تمنح المواطن حرية الاختيار
تطوير المنظومة يستهدف رفع الكفاءة وضمان وصول الحقوق لأصحابها الهدف الأساسى ليس تحقيق وفر مالى.. وإنما رفع كفاءة المنظومة الدولة...