الدكتور فخرى الفقي: احتكار وانتهازية التجار وراء عدم تراجع الأسعار

شهادة نجاح على تعافى المركز المالى للدولة المصرية تجاوز احتياطى المركزى حاجز ال 55 مليار دولار.. يعزز قدرة الدولة على سداد ديونها

في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها مصر، وفي خطوة تعكس تعافى المؤشرات المالية والصلابة النقدية، اعلن البنك المركزى المصرى عن قفزة تاريخية غير مسبوقة في حجم احتياطي النقد الاجنبي، حيث تخطى حاجز 55.5 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي؛ هذا الرقم الذي يسجل لأول مرة في تاريخ الاقتصاد المصرى يفتح الباب امام تساؤلات حاسمة حول مستقبل الجنيه وموعد انعكاس هذه الوفرة الدولارية على أسعار السلع في الأسواق، ومدى قدرة الدولة على كبح جماح التضخم وتجاوز التحديات الاقليمية الراهنة.

للوقوف على أبعاد هذا الانجاز التاريخي ودلالاته الاقتصادية، يجيب على الكثير من التساؤلات والمحاور الشائكة التي تشغل بال الشارع المصرى والدوائر الاستثمارية.. الدكتور "فخرى الفقي"، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب والخبير الاقتصادي والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي، برؤيته التحليلية الدقيقة والشاملة.

بماذا تفسر ارتفاع احتياطي النقد الاجنبي لدى البنك المركزى حاجز الـ 55 مليار دولار لاول مرة في التاريخ ؟ وما اثر ذلك على قيمة الجنيه المصري في مواجهة سلة العملات الرئيسية ؟

ان وصول احتياطي النقد الاجنبى لدى البنك المركزي الى هذا المستوى القياسى لا يعد مجرد رقم عابر في الدفاتر المحاسبية، بل هو شهادة نجاح قاطعة على تعافى المركز المالى الخارجى للدولة المصرية وتحول استراتيجى فى مسار الاقتصاد الكلي.

كما يعتبر هذا الارتفاع القياسى نتاج حزمة متكاملة من التدفقات النقدية الضخمة والمتنوعة التي تدفقت إلى شرايين الاقتصاد الوطني خلال الفترة الماضية، والتي جاءت مدفوعة بقرارات جريئة و اصلاحات هيكلية طال انتظارها؛ حيث يأتي في مقدمة هذه الاسباب النجاح الساحق لسياسات تحرير سعر الصرف وتوحيد سوق النقد الأجنبي، وهى الخطوة التي قضت تماما على المضاربات العشوائية والسوق الموازية التي كانت تلتهم موارد الدولة وتطرد الاستثمارات هذه الخطوة الشجاعة اعادت الثقة المفقودة للاقتصاد المصرى واكدت للمجتمع الدولى ان مصر تمتلك الارادة السياسية والاقتصادية لتصحيح المسار.

ماذا عن أثر هذا الارتفاع التاريخي على قيمة الجنيه المصرى فى مواجهة سلة العملات الرئيسية ؟

يمثل إعادة صياغة كاملة لموازين القوى المالية كما أن بناء غطاء نقدى قوى ومستدام يمنح السلطة النقدية ممثلة في البنك المركزى مرونة عالية وقدرة فائقة على المناورة والتحكم التام في سوق الصرف والدفاع عن استقرار العملة الوطنية ضد أي صدمات او اهتزازات خارجية قد تنتج عن الأزمات العالمية المستمرة عندما يمتلك البنك المركزي هذا الحجم من السيولة التي تغطي الاحتياجات الأساسية وتزيد فإنه يبعث برسالة طمأنة بالغة القوة للأسواق العالمية والمحلية ولشركات التصنيف الائتماني بأن الدولة قادرة على تلبية كل التزاماتها ومواجهة أي طلبات طارئة على النقد الأجنبي.

هذا اليقين النقدى يؤدى بشكل مباشر إلى تعزيز القيمة التنافسية والقوة الشرائية للجنيه المصرى على المدى المتوسط والطويل، حيث تختفى علاوة المخاطر التي كانت تضاف إلى تسعير السلع والخدمات بسبب تذبذب العملة؛ كما استقرار الجنيه أمام سلة العملات لا يعنى بالضرورة جمود السعر بل یعنی تحركه في مسارات طبيعية وصحية تحكمها قوى العرض والطلب الحقيقية القائمة على انشطة انتاجية وتصديرية واستثمارية، وليس على المضاربات والهلع، وهو ما يسهم في نهاية المطاف في كبح جماح التضخم المستورد واستعادة الثقة الكاملة في العملة الوطنية كوسيلة امنة للادخار والمعاملات الاقتصادية.

رغم التحديات الإقليمية والدولية... كيف نجحت الدولة المصرية في تكوين هذا الاحتياطى خلال الشهور القليلة الماضية؟

لقد ركزت الدولة المصرية على تهيئة البنية التحتية والتشريعية لتكون أكثر جاذبية للاستثمار، والابتعاد عن الحلول المسكنة المؤقتة، وفى هذا الاطار، شهدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج طفرة قياسية غير مسبوقة، وعادت لتسجل مستويات تاريخية بعد أن عانت لشهور من التراجع، وهذا التحول الكبير جاء نتيجة مباشرة لوجود سعر صرف موحد وعادل في البنوك الرسمية، مما قضى على أي دافع للجوء إلى القنوات غير الرسمية، وأعاد هذه التدفقات الحيوية إلى مسارها الطبيعي والشرعي لتغذى شرايين القطاع المصرفي وتدعم الاحتياطي النقدي.

علاوة على ذلك، نجحت الدولة في إدارة ملف التجارة الخارجية ببراعة، حيث حققت الصادرات المصرية السلعية وغير البترولية نموا ملحوظا بفضل السياسات التحفيزية المستمرة للمصنعين والمصدرين، وتسهيل اجراءات النفاذ الى الاسواق الدولية والافريقية والتركيز على القطاعات ذات الميزة التنافسية، وفي الوقت نفسه تنامت عائدات قطاع السياحة بشكل يعكس مرونة هذا القطاع وقدرته على الصمود رغم الازمات الاقليمية المحيطة، وهو ما يبرهن على جاذبية المقصد السياحى المصرى وتنوعه والجهود التسويقية والامنية الكبيرة التي بذلتها الدولة.

ما انعكاسات هذه الزيادة على حجم الدين الخارجي ؟ وهل أسهمت القروض الأجنبية في زيادة هذا الاحتياطي ؟

هذا الأمر يقتضى توضيحا علميا دقيقا وفصلا بينا بين أنواع التدفقات النقدية الداخلة إلى مصر حيث أن القروض والشرائح التمويلية المستلمة من المؤسسات الدولية والإقليمية تمثل بالفعل جزءا من المنظومة المالية للدولة، وهي تستخدم وفق جداول زمنية محددة لتمويل مشروعات تنموية او لدعم الموازنة العامة، لكنها قطعا ليست المكون الأساسي ولا العمود الفقرى في بناء واستدامة هذا الاحتياطي النقدي التاريخي الاعتماد على القروض وحدها لبناء الاحتياطي هو اجراء غير مستدام واقتصار النظر عليه يعكس قصورا في التحليل الاقتصادي.

إن القيمة الحقيقية للاحتياطي الحالي تكمن في أنه يتكون من تدفقات نقدية حقيقية غير مدفوعة بمسئولية الدين والناتجة عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الضخمة والاتفاقيات الاستثمارية الكبرى التي تتضمن شراكات تنموية طويلة الأجل وعائدات مستدامة من بيع وإعادة هيكلة بعض الأصول غير المستغلة للدولة، بالإضافة إلى الطفرة المحققة في الموارد الذاتية كالتحويلات والسياحة والصادرات التمويلات الدولية الميسرة التي تحصل عليها مصر من صندوق النقد أو البنك الدولى تستخدم فقط كقوة دفع ومساندة لتعزيز هيكل الاقتصاد الكلى وإعطاء إشارة ثقة للمستثمرين الأجانب بسلامة البرنامج الإصلاحي المصري.

هذه الزيادة القياسية في الاحتياطي تؤثر بشكل ایجابی وعميق على ملف الدين الخارجي للدولة المصرية من عدة محاور جوهرية أبرزها وأولها هو الإسهام المباشر في تحسين وتعديل نظرة وكالات التصنيف الائتماني العالمية مثل موديز وفيتش وستاندرد أند بوردز للاقتصاد المصري، وتحويل توقعاتها من مستقرة الى ايجابية، ورفع التصنيف السيادي لمصر، وهذا التحسين الائتماني يترجم فورا في الاسواق المالية الدولية الى انخفاض ملحوظ في تكلفة الاقتراض الدولي مستقبلا، ويقلل من علاوة المخاطر التي تدفعها الدولة المصرية على سنداتها واطروحاتها الدولية في الاسواق العالمية، مما يخفف العبء عن كاهل الموازنة العامة.

بالإضافة إلى ذلك، فان وجود احتیاطی نقدی قوی يتجاوز حاجز ٥٥,٥ مليار دولار يعزز بشكل حاسم من قدرة مصر والبنك المركزي على جدولة وسداد اقساط الديون الخارجية وفوائدها في مواعيدها الاستحقاقية المحددة دون أي تباطؤ او ارتباك او ضغط على السوق المحلي، وهو ما يرسخ السمعة الدولية التاريخية لجمهورية مصر العربية كدولة ملتزمة تماما بالوفاء بجميع التزاماتها المالية تجاه الدائنين الدوليين.

لماذا لا يشعر المواطن بتراجع الأسعار في الأسواق رغم أن التجار كانوا يتذرعون بعدم توافر العملة الأجنبية أو زيادة سعرها عند رفع الأسعار؟ ومتى يخفض التجار الاسعار ؟

للاجابة على هذا التساؤل بوضوح وأمانة، يجب أن ندرك أن هناك فجوة زمنية ودورة اقتصادية معروفة علميا وعالميا تفصل بين تحقق الاستقرار النقدي والوفرة الدولارية في البنوك وبين انعكاس ذلك بشكل ملموس على رفوف المتاجر والأسواق التجزئية.

هذه الفجوة الزمنية ترتبط بالدورة الانتاجية والاستيرادية للسلع، والتي تحتاج الى وقت يتراوحعادة بين ثلاثة إلى ستة أشهر في المتوسط ان الكثير من المصانع والتجار يمتلكون حاليا مخزونا سلوكيا وسلعيا تم شراؤه أو استيراده او تمويل انتاجه بالاسعار المرتفعة السابقة أو بناء على تسعير تحوطي قديم للدولار عندما كان في مستويات مرتفعة وغير مستقرة، وهؤلاء التجار يحاولون تصريف هذا المخزون دون التعرض لخسائر مالية.

لكن من جهة أخرى، يجب أن تكون صرحاء بأن

السبب الآخر والأكثر خطورة في تأخر تراجع الأسعار

يكمن في الممارسات الاحتكارية والسلوكيات الانتهازية لبعض التجار والوسطاء وسلاسل التوزيع وغياب الرقابة الصارمة والحاسمة على الاسواق الناشئة والداخلية في بعض القطاعات الحيوية. لقد اعتاد بعض التجار على التسعير التحوطي العشوائي والمبالغ فيه طمعا في تحقيق مكاسب سريعة وغير مشروعة على حساب المواطنين، كما أن الوفرة الدولارية الحالية التي وفرها البنك المركزي والقضاء الكامل على نقص العملة والانتهاء من قوائم الانتظار في الموانئ يقطعان الطريق تماما ويرفعان الحرج والغطاء عن هذه الحجج الواهية والاعذار المصطنعة التي كان يختبئ خلفها الجشعون.

ما الفوائد التي يجنيها الاقتصاد الوطني من وراء زيادة الاحتياطي الاجنبي لدى البنك المركزي ؟ وما الحالات التي تلجأ فيها الدولة للاستعانة بهذا الاحتياطي ؟

الفوائد والمكاسب الاستراتيجية التي يجنيها الاقتصاد الوطني من وراء زيادة وتثبيت احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي تتعدد وتتشابك لتشمل كل قطاعات الدولة، فهو لا يمثل مجرد مخزن للأموال بل هو الركيزة الأساسية للأمن القومى الاقتصادي والغذائي للدولة، والفائدة الأولى والأبرز لهذا الاحتياطي الضخم هي تأمين الاحتياجات الاستراتيجية والسلعية للدولة حيث يمثل صمام الأمان لتمويل واردات مصر الحتمية من السلع الأساسية كالقمح والذرة والزيوت، والأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى المواد والمشتقات البترولية والغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع لفترات طويلة، وهذا الاحتياطي الحالي يتجاوز بكثير المعدلات والمعايير الأمنة المتعارف عليها دوليا من قبل صندوق النقد الدولي، والتي تقدر بضرورة تغطية الاحتياطي الثلاثة أشهر من الواردات السلعية، في حين أن الاحتياطي المصري الحالي يغطى مدد زمنية تمنح صانع القرار السياسي والاقتصادي اربحية كاملة وحرية حركة واسعة في مواجهة اي تقلبات أو انقطاعات مفاجئة في سلاسل الامداد العالمية او قفزات في اسعار السلع بالبورصات الدولية.

كما أن من الفوائد العظمى للاحتياطى تعزيز مناخ الاستثمار المباشر فالمستثمر الأجنبي قبل أن يضخ دولارا واحدا في أي دولة، ينظر أولا إلى حجم احتياطياتها النقدية ليتأكد من قدرة هذه الدولة على السماح له بتحويل أرباحه ورؤوس أمواله الى الخارج بالعملة الاجنبية عند الرغبة دون عوائق، وهو ما يعيد مصر إلى خريطة الاستثمار العالمي كدولة جاذبة وذات موثوقية عالية بالاضافة الى ذلك، يسهم الاحتياطي في استقرار أسعار الفائدة ومعدلات التضخم على المدى الطويل من خلال خلق حالة من الاستقرار السعرى العام وتجفيف منابع المضاربة.

وتلجأ الدولة ممثلة في البنك المركزي للاستعانة بهذا الاحتياطي والصرف منه في حالات الضرورة القصوى والازمات الاستثنائية والطارئة فقط، فهو بمثابة مدخرات الأجيال ودرع الحماية الأخير.

هل أثر هذا الارتفاع في تراجع قيمة الدولار أمام الجنيه خلال الأيام القليلة الماضية، وماذا عن موقف الذهب من هذه المؤشرات ؟

هذا التراجع ليس قرارا اداريا بل هو نتاج طبيعي الزيادة المعروض الدولاري وتلبية البنك المركزي والجهاز المصرفى لكافة طلبات المستوردين والمصنعين والشركات والانتهاء الكامل من الافراج عن البضائع والمعلقات التي كانت متراكمة في الموانئ المصرية، فهذا التدفق والاتاحة الكاملة للعملة الخضراء اديا الى اختفاء الطلب الوهمي والهلع الاستهلاكي على الدولان مما دفع قيمته نحو الانخفاض والتحرك في مسارات مرنة وتعبر بدقة عن العرض والطلب الحقيقيين داخل بنية الاقتصاد دون تشوهات او تدخلات مصطنعة.

كما أن هذا الاستقرار النقدي الواضح وهبوط سعر الدولار في البنوك انعكسا بظلالهما المباشرة والسريعة على اسواق الذهب محليا والتي شهدت تحولات جوهرية.

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الدكتور فخرى الفقي: احتكار وانتهازية التجار وراء عدم تراجع الأسعار

شهادة نجاح على تعافى المركز المالى للدولة المصرية تجاوز احتياطى المركزى حاجز ال 55 مليار دولار.. يعزز قدرة الدولة على...

رئيس شعبة المخابز : الدعم النقدى يغلق باب التلاعب بملف دعم رغيف الخبز

الحكومة تتحمل نفس فاتورة الدعم لكنها تمنح المواطن حرية الاختيار

مستشار وزير التموين يجيب عن أهم 15 سؤالاً عن الدعم النقدى لرغيف الخبز

تطوير المنظومة يستهدف رفع الكفاءة وضمان وصول الحقوق لأصحابها الهدف الأساسى ليس تحقيق وفر مالى.. وإنما رفع كفاءة المنظومة الدولة...

النائب نادر الداجن: النظام الانتخابى للمحليات لم يُحسم.. وهذه أسباب التأجيل

الأحزاب مطالبة بالاستعداد لاستحقاق المحليات.. والمناخ ملائم لإنجاز هذا الملف توجيهات القيادة السياسية.. دفعة أمل لكل الشباب المهتمين بالعمل السياسى