تدربنا على رماية الصواريخ الحية فى الكيلو 53 بطريق السويس فرت من عينى دمعة ساخنة عندما رأيت العلم الإسرائيلى على الضفة الشرقية للقناة صعدت فوق الساتر الترابى ورأيت الملحمة الأسطورية العظيمة لعبور الموجة الأولى من رجال المشاة
فى ذاكرة الوطن محطات لا تُمحى، وحين يكون الشاهد عليها مقاتلا فى الميدان، وكاتبا يمسك بالقلم بعد البندقية، تصبح الشهادة أصدق وأعمق. الأديب محمد خضر واحد من أبناء أكتوبر الذين عاشوا لحظة العبور بكل تفاصيلها، وحملوا على أكتافهم عبء المهمة فى أحلك اللحظات، قبل أن يترجم تلك التجربة إلى روايات ومجموعات قصصية توثق وتُضىء ما جرى.. بين جندى يؤدى مهمته تحت نيران العدو، وكاتب يُفتش فى الذاكرة عن المعنى والإنسان، تتشكل شخصية محمد خضر التى تستحق أن تُروى لجمهور يعرف قيمة الحرب، ويؤمن بقدرة الكلمة على حفظ الذاكرة الوطنية.. فى هذا الحوار، نقترب من محطاته الإنسانية، نستمع إلى شهاداته عن حرب أكتوبر، ونفتح أوراق تجربته الأدبية لنضعها بين يدى القارئ.
فى البداية ما ملامح تكوينك الإنسانى والأدبى وكيف تشكلت؟
أنا من مواليد السيدة زينب عام 1951، تربيت وسط أسرة بسيطة، تتكون من ثلاثة أولاد وبنت واحدة. تعلمت فى المدارس الابتدائية، فكانت مدرستى قصر النيل بالمنيرة ثم مصطفى كامل الإعدادية فى شارع نوبار ميدان لاظوغلى، ثم مدرسة أحمد ماهر للتعليم الصناعى، وبعد أن تخرجت قدمت أوراقى إلى صفوف القوات المسلحة عام 1969. كان أبى حريصا على تعليمى من السنة الأولى الابتدائية، وهو من أحضر لى مدرسا من المدرسة حتى أقرأ وأكتب من ثانية ابتدائى، وكان يحضر لى مجلتى ميكى وسمير كل أسبوع. ومن هذا المنطلق، كنت حريصا على القراءة، أما حياتى العسكرية فقد استمرت حتى نهاية الخدمة بعد عشرين عاما، بعد ذلك اتجهت إلى القراءة، وتعلمت على يد أساتذة كبار، على رأسهم الدكتور عبد القادر القط.
كيف بدأت رحلتك العسكرية حتى الوصول للحظة العبور؟
من معهد التدريب المهنى للقوات المسلحة، تخرجت فى معهد الرادار والصواريخ عام 1971، وأصبحت فنى صواريخ المالوتيكا المضادة للدبابات، وتم توزيعى على الكتيبة "فهد 33" الفرقة الثانية مشاه الجيش الثانى الميدانى، أنا وزميلى الشهيد على أبو المعاطى منصور. عند وصولى إلى مدينة الإسماعيلية، وكانت المرة الأولى أرى مساكن خاوية من سكانها، وترى ثقوبا على الجدران كمصفا، وقد نتج ذلك من طلقات مدافع وطيران العدو، وكانت هذه الصدمة الأولى، بينما كانت الصدمة الثانية عندما ذهبت فى مهمتى الأولى، وهى التفتيش على السرية المرابضة على شط القناة، وكان تفتيشا فنيا على المعدات الفنية وصندوق التحكم والمنظار والبطارية، خاصة حكمدار الطاقم والصاروخ المالوتكا واختبار صلاحيتها، وعندما صعدت فوق الساتر الترابى -ويا ليتنى ما نظرت- وجدت العلم الإسرائيلى يرفرف على الضفة الشرقية للقناة، وكانت هذه الصدمة الكبرى، وفرت من عينى دمعة ساخنة من مرارة هذا اليوم، وقتها تمنيت أن أرى هذا العلم يتمزق ويرتفع علم بلادى.
كيف كان التدريب والاستعداد فى مرحلة ما قبل الحرب؟
عدت إلى قيادة الكتيبة فى معسكر الجلاء، وكان عملى تجهيز كابينة التدريب للصاروخ، لتدريب السرايا على إصابة الهدف، وكنت أحياناً أقوم بمهمة المدرب، وكان التدريب نهارا ومساء، وكنا نتدرب خارج الكتيبة على رماية الصواريخ الحية، فى الكيلو 53 طريق السويس، وأيضا على عبور القناة فى ترعة الخطاطبة، وكانت مجهزة بالساتر الترابى وبالقوارب المطاطية، كان التدريب مستمرا والإجازة على دفعات، كل 25 يوماً خمسة أيام، بينما المجند كل 36 يوماً ستة أيام، وأبناء الوجه القبلى من أول بنى سويف حتى أسوان يوم زيادة هكذا كان النظام.
كيف عشت يوم السادس من أكتوبر؟
كنا نعلم أنه مشروع على مستوى القوات المسلحة، وكنا فى رمضان، وجاءت الأوامر بالإفطار، وتحركت الكتيبة فى الصباح الباكر، بعد توزيع السرايا على الثلاث ألوية، بينما السرية الاحتياطى وسرية إدارة النيران والحملة وفصيلة الورشة الفنية تحت قيادة قائد الكتيبة ورئيس العمليات الرائد جمال نصر والنقيب الشهيد متولى دياب. تحركنا فى الصباح الباكر كما تعودنا فى المشاريع السابقة، ولكن فى ذلك اليوم تغير طريق التحرك، بدلا من الذهاب إلى الكوبرى العلوى انحرفنا يسارا فى اتجاه القناة، وبدأت الملامح تتغير، فقد وجدنا الدبابات على جانبى الطريق، وأيضاً المدافع مقطورة بالعربات، وكان تمركزنا يمين كوبرى الفردان. وكانت تلك المشاهد تدل على شىء غامض، حتى جاءت الأوامر فى الحادية عشرة صباحا أننا سنحارب اليوم، ودارت النظرات فى الأفق، والهمسات بين الجنود. مرت الساعات ببطء شديد، وكل منا على أهبة الاستعداد. كانت مهمتى مع معداتى المحملة على عربة قتال جيب جاز 96، وكان كل العجل تغير وأصبح بالون، ولم نعبر إلا من خلال الكبارى بعد تجهيزها. وعند الثانية إلا خمس دقائق، مرت من فوقنا الطائرات، واقتحمت كبد السماء، متجهة إلى الضفة الشرقية، لتدك حصون العدو، وبعدها المدافع الثقيلة من الخلف، ليخترق صوتها أذاننا مع صيحات اللة أكبر.
وقتها، صعدت فوق الساتر الترابى، ورأيت الملحمة الأسطورية العظيمة، وهى عبور رجال المشاة بالقوارب المطاطية والخشبية إلى الضفة الشرقية وصعود الساتر الترابى. كانت هذه الموجة الأولى، بعدها توالى عبور القوات كلها على موجات، ورجال المهندسين يفتحون السواتر بخراطيم المياه، ثم تجهيز الكبارى. وكان معبرنا رقم 26، عبرت بمعداتى فى العاشرة ليلا، وأخذت موقعى مع سرية الرئاسة، وجهزت مع زملائى الخندق، وخلفة المركبة، وتم تغطيتها بشبكة التموية، وكانت مهمتى بعد تمركز القوات كلها على خط المواجهة الأول توزيع بطاريات صندوق التحكم على الاطقم، ثم أخذ البطاريات الفارغة إلى معسكر الجلاء، لشحنها بالجهاز الخاص بها وهو يعمل بالكهرباء، وكان توزيعى للبطاريات تحت قصف المدافع والطيران، وكنت أرى بعينى ميدان المعركة، ولا أعلم من أين يأتى الموت، فقد كنت أرى الموت بعينى ذهابا وعودة، ولا أعلم موعده، ربما الآن أو بعد ساعات أو غداً، ولكن كان لى عمر حتى نهاية الحرب.
من أبرز زملائك على الجبهة وأهم ذكرياتك معهم؟
لا أنسى الشهيد على أبو المعاطى منصور. كان دفعتى. تزاملنا فى الدراسة حتى تخرجنا، وحدثت المفاجأة أنه معى فى نفس الكتيبة المقاتلة على خط النار، وفى إحدى ليالى السمر حكى لى عن البنت فردوس التى يحبها ويريد الزواج منها، ولكن أبوها رفض أن تعيش مع أمه فى الدار، وهو وحيد أمه ولا يرعاها أحد غيره، وعندما اقتنع والد فردوس كان "حايطير من الفرحة"، وحدد ميعاد الفرح بعد رمضان، وكان رقيب أول السرية. وعندما أبلغنا أن الإجازات توقفت ودخلنا الحرب، ظللنا معا نوزع البطاريات على المفارز الأمامية، تحت القصف الصاروخى ودانات العدو وقنابل الطيران، ولا نعلم من منا سيعود سالما. وجاء يوم وقف إطلاق النار، وكان موت على غريبا. كنت داخل الملجأ وهو فوق ينظف سلاحه ويحلق ذقنه، ويقول "جايلك ياحبيبتى جايلك يافردوس سوف نعيش مع أمى ونصحو على نقنقة الدجاج وهديل الحمام"، وأنا أقول له "انزل يا على"، ولكن كان القدر أسرع عندما جاءت طائرات العدو لترمى بحمولتها من قنابل تزن الألف رطل، ليستشهد على ومعه 4 من الكتيبة، منهم رئيس العمليات الرائد متولى دياب.
ما أكثر البطولات التى رأيتها ولا تنساها؟
البطولات التى شاهدتها مع المواقع الأمامية كثيرة جدا، منهم البطل محمد شيحة الذى دمر 8 دبابات للعدو وعربة مجنزرة، ولكنه استشهد صباح اليوم الثالث للمعركة، وكان من قرية جوار كفر الشيخ، هادئ الطباع، متزوج وله بنتان، وقبل المعركة كان يحكى معى عن أحواله وكيف استطاع أن يتزوج من بنت خالته، وبعد أن تسلم وظيفته فى القرية جرى استدعاؤه للالتحاق بصفوف القوات المسلحة، وأصبح ضمن رماة الكتيبة فى الصواريخ، وكان يمتلك قدرة هائلة ومتميزة على إصابة الهدف، سواء داخل عربة التدريب أو الرماية الحية، وقد استشهد وترك بناته الصغيرات مع أمهن، هذه إحدى التضحيات لتحرير أرضنا التى سلبت منا فى 67، تلك هذه البطولات ما زالت باقية فى مشاعرنا، كلنا كنا واحد، ولا نعرف متى سنستشهد، كنا نتحرك كل يوم تحت قصف المدافع والطيران، وسقط بجوارى شهداء، لكن إنجاز المهمة كان كل شىء، فلولا البطارية ما كان الصاروخ.
ما مهمتك أثناء حرب أكتوبر؟
كانت مهمتى المرور على مواقع حكمدارية أطقم "المالوتكا" الملحقين على الفرقة الثانية مشاه، وكنا أبو المعاطى ومصطفى على إبراهيم وأنا موزعين على 3 ألوية، ويشرف علينا المهندس إبراهيم الجباس، فكان التحرك بالتساوى، لأن مساحة نيران الفرقة على طول المفرزة الأمامية، ويحدنا من اليمين الفرقة السادسة عشر، ومن اليسار الفرقة الثامنة عشر، وكل فرقة بها أفراد مثلنا من فنيين تلك البطاريات التى تشحن بالكهرباء، ومكان شحن البطاريات فى معسكر الجلاء، ويشحنها الرقيب أول شحاتة عبد العظيم، وكانت مهمتى الإضافية الثانية أن أحمل كل يوم البطاريات الفارغة، مع السائق زكى نسيم، وأعبر غربا من معبر 6، إلى معسكر الجلاء، أسلم البطاريات الفارغة وأتسلم المشحونة، كل هذا تحت القصف من العدو الاسرائيلى.
متى بدأت كتابة تجربتك بشكل أدبي؟
بعد 30 عاما من انتهاء الحرب، كان أول لقاء أدبى بمقالة صغيرة فى مجلة "صباح الخير" عن قصة الشهيد على أبو المعاطى منصور، ثم توالت القصص فى كتب أصدرتها تابعة للدولة وهى "الغدر فوق صوت الهديل" و"عبير وفرط الرمان"، و"هكذا يغنى كوبرى الفردان" و"يوميات مقاتل"، كما حصلت على جوائز من الشئون المعنوية للقوات المسلحة، فى مسابقة مجلة النصر، عن قصة "خيال المآتة"، وأخبار اليوم عن قصة "المعدية نمرة ستة"، وجائزة من نادى القصة عن قصة "كش ملك"، ومن هيئة قصور الثقافة عن قصة "الغدر فوق صوت الهديل". والآن عضو عامل نقابة اتحاد كتاب مصر، ولى العديد من البرامج التليفزيونية والإذاعية، وحصلت على تكريم من وزارة الثقافة تحت قيادة وزيرة الثقافة الدكتورة نيفين الكيلانى، كما نشرت قصصا فى كثير من المجلات والجرائد المصرية.
ما الرسالة التى تود أن توصلها للأجيال الجديدة من خلال تجربتك؟
بعد 52 سنة، أقول للأجيال الجديدة إن حب الوطن كان حافزا لنا لنحمل أرواحنا على أكفنا لاسترداد أرضنا المغتصبة، وقد حاربنا وسقط منا شهداء من أجل الوطن والجيل القادم، وكانت الحرب سببا فى تحول الكتابة عندى، لأن الحرب تجربة ثرية بها تفاصيل كثيرة، تستحق أن أغزلها بكلمات تظل محفورة فى الوجدان.
أدب الحرب فى مصر لم يحظ بالانتشار الكافى مقارنة بما قدمه الجنود والكتاب.. ما تقييمك لهذا الواقع؟
كنت أتمنى أن تظل سلسلة "أدب الحرب" موجودة، فقد كتب فيها كثير من الكتاب، وحظت بنجاح، ومازال هناك ذكريات وبطولات منسية من أبطال منسيين، وأحمد ربنا أننى كتبت عن كثيرين منهم. "هكذا يغنى كوبرى الفردان" مجموعة قصصية صدرت عن الهيئه العامة للكتاب، و"يوميات مقاتل على خط النار" صدرت عن اتحاد كتاب مصر، و"المعدية نمرة ستة" عن دار أخبار اليوم. نصر أكتوبر سيظل محفورا فى الذاكرة الوطنية، وستظل أجيال طويلة تحكى وتتحاكى عنه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تذبذب المناخ وارتفاع الرطوبة من أسباب الارتباك الفسيولوجى
3 أهداف وراء التوسع فى الجامعات الأهلية.. وفتح ملف المعاهد المتوسطة بتعليمات عليا
لا أخشى المنافسة.. وأسعى إلى التطور والتنوع سعيد بالمشاركة مع النجوم الشباب
دورى فى «أب ولكن» جرىء