يظل ماسبيرو ذاكرة الأمة التي تحوي تراثه المرئي والمسموع، وهو المعبر عن حال مصر والناطق بلسان التاريخ في فترة من أزهى فترات العلم والمعرفة والثقافة، بل وترسيخ الهوية.
ويظل هذا التراث دائماً بحاجة إلى مُنقب ومكتشف وناقل له من أشرطة قديمة لم تعد تستخدم، ولا يمكن عرضها -مثل شرائط 1 بوصة و2 بوصة و«بيتا كام» وسوبر- إلى وسائط حديثة تستخدم الكمبيوتر في التخزين والعرض، كما يقول المخرج الكبير عبد العزيز عمران، رئيس الإدارة المركزية للبرامج الدينية والتراث السابق، الذى ينقب عن التراث منذ عام 2011 حتى اليوم، مجاهداً لنقله والحفاظ عليه من التلف.
عمران قال إن قصته بدأت مع محاولة نقل التراث من خلال تكليفه بالبحث عن حلقة ومقطع "الثائر الحق" للإمام الشعراوي، وبعد الحصول على الحلقة تم تكليفه بالبحث عن تراث الشعراوي، خاصة المناسب لفترة الإضطرابات عام 2011، بعد أن تعرض للإهمال، ثم اكتشاف كنز من القراءات القرآنية لكبار القراء.. لكنه يؤكد أن معوقات نقل التراث والحفاظ عليه كثيرة، ويتمنى حلها للحفاظ على توثيق أحداث مصر وأفريقيا والمنطقة العربية.
كيف كانت بداية عملك بماسبيرو؟
عملت بالتليفزيون منذ 1988، وجاء تعيينى كمندوب أخبار، لكن لم يستهونى هذا المجال، فطلبت الالتحاق بالبرامج الدينية بالقناة الأولى، وكان من حُسن حظى أن تتلمذت على يد الرعيل الأول من المخرجين مؤسسى البرامج الدينية بالتليفزيون، كما عملت معدا ومخرجا فى برنامج "المجلة الإسلامية" تقديم محمد عبد العظيم اخراج رمضان عامر الذى أنشأ البرامج الدينية بالتليفزيون، وبرنامج "فى بيوت الله" ونقل شعائر صلاة الجمعة وحديث الروح ونقل صلاة الفجر، وبرنامج الصراط المستقيم ونفحات إيمانية والقرآن الكريم.
ما الذى دفعك للاهتمام بالتراث؟
بدأ الاهتمام عام 2011، حيث كان المجتمع المصرى غير مستقر، وبينما كنت أنقل صلاة الجمعة من مسجد عمرو بن العاص، جاءنى اتصال من مكتب رئيس التليفزيون أن اللواء طارق المهدى يريدني، وفى حضور زملائى طلب منى المهدى إحدى حلقات الشيخ الشعراوى التى تتضمن مقطع "الثائر الحق" الشهير، فى ذاك الوقت كان حديث الشعراوى ممنوعاً من العرض التليفزيونى منذ عام 2006، ، حتى قيام الثورة، رغم أن حلقاته كانت تُعرض فى كل القنوات غير المصرية.
وكيف استخرجت هذه الحلقة من المكتبات التراثية؟
ذهبنا للمكتبة فى ماسبيرو لم نجد أى من شرائط الشعراوي، لأنها كانت مهملة منذ منع عرض الحلقات، وما زالت مهملة حتى اليوم، ولولا وجود نسخة من الحلقات فى القطاع الإقتصادى وشركة صوت القاهرة لمُحى تراث الشيخ الشعراوى نتيجة تلف شرائط ال "بيتا كام"، وتلف بعض الحلقات التى نقلت من شرائط الـ1 بوصة إلى الـ"بيتا كام"، وحتى القطاع الاقتصادى أجرى بعض التحديث بالاشتراك مع مكتبة التليفزيون، وما زالت معرضة للضياع والتلف، لدينا بعض شرائط ماستر لكنها مجهولة البيانات. لم نعثر على حلقة الثائر الحق فى التليفزيون، فلجأنا إلى اليوتيوب المرفوع عليه معظم الحلقات، واستعنا بالمخرج عبد النعيم شمروخ رحمه الله، والإذاعى محمد عوض المسئول عن ملف الشيخ الشعراوى بإذاعة القرآن الكريم، لمحاولة تذكر فى أى حلقة يوجد مقطع الثائر الحق، ووصلنا لها، حيث كان الشيخ رحمه الله يفسر من الآية 23 حتى 27 من سورة الشورى، سمعت 200 حلقة على اليوتيوب كنت أدون منها ما ينفعنا فى البحث فيما بعد، ووصلنا للحلقة المطلوبة وعملنا المونتاج وأذيع مقطع الثائر الحق فى كل قنوات التليفزيون الرسمى والخاصة عشرات المرات على مدار اليوم، وكان له عظيم الأثر فى تهدئة الناس والتأثير فى نفوسهم.. ومن هنا بدأ اهتمامى بتراث الشيخ الشعراوى وبالتراث عامة.
لكنك لم تكتف بحلقة واحدة للإمام الشعراوي؟
نعمٌ.. فقد أُسند لى استخراج حلقات الشيخ الشعراوى التى تناسب الفترة التى كنا نعيشها عام 2011، عرضنا حلقات الشيخ حتى جاء رمضان من نفس العام، فقدمنا حلقات سجلها الشيخ الشعراوى عن رمضان قبل التفكير فى تسجيل خواطره. واستمررت كل عام أستخرج 30 تلاوة جديدة من التراث، وفى بعض الأعوام استخرجت 90 تلاوة نادرة من التراث، يُذاع منها 30 تلاوة فى شهر رمضان على شاشة القناة الأولى و30 على الثانية، و30 على الفضائية المصرية، بخلاف تلاوات متفرقة لقطاع الأخبار لعرضها على قناة كان اسمها "صوت الشعب" والقناة الثالثة، وفى برنامج " كنوز من تراثنا الإسلامي" لأعرض خلاله تراثنا الدينى الذى أثر فى نفوس الناس، ففى البرامج كنت مثل أى مخرج فى البرامج الدينية، لكن مع عرض التراث تميزت ولمع اسمى بشكل أكبر، فقد كنت سبباً فى ظهور تراث قرآنى مهم للشيخ المنشاوى وعبد العظيم زاهر والشيخ كامل يوسف البهتيمى وعبد العزيز على فرج وكان الناس ينتظرون كل فيديو لهولاء الكبار.
لماذا يبدو التراث الدينى بماسبيرو قليل جداً؟
يرجع قلة التراث الدينى بسبب إحدى رئيسات مبنى ماسبيرو، فقد شاهدت أحد الشيوخ على الشاشة وكان وزنه زائدا عام 2003-2004، فقررت عدم ظهور الشيوخ على الشاشة مرة أخرى، وأن يكون بالصوت فقط، وبعد عام 2011 طلبت نادية حليم رئيس التليفزيون آنذاك ظهور كبار القراء على الشاشة مرة أخرى، بعد سنوات طويلة لا يظهر فيها إلا صوت المقرئ فقط، ومن هنا بحثت فى التراث عن تلاوات نادرة ومميزة لكبار القراء فى شرائط الـ1 و2 انش، ووجدت فى المكتبة شخصًا يدعى "عم سمير" كان يحفظ الشرائط كما يحفظ تفاصيل بيته، جاء بمفاتيح كثيرة ونزلنا "بدروم" يضم كل اكسسوارات التليفزيون، ومن بينه مخزن ذى باب عليه الصدأ مغلق منذ عام 1982، وفُتح الباب لنرى غابة من العنكبوت والتراب يملأ المكان، وفيه "البيانو" الشهير والقديم الذى كان يظهر فى كل المسلسلات قديماً، أزال عم سمير العنكبوت والتراب الناعم المتراكم على الشرائط عبر السنين، فتحنا الشرائط ونقرأ "الكروت" والبيانات عليها، وعثرنا على 30 تلاوة قرآنية نادرة أذعناها مع مغرب رمضان 2011، وهذا أحدث رد فعل طيب جداً لدى الجمهور، وكان وقتها المؤامرة كبيرة على ماسبيرو وقطع عنه الإعلانات، لكن جاءت الإعلانات لهذه التلاوات، نظراً للأثر الطيب التى أحدثته فى نفوس الجمهور، وكان كل تسجيل مر عليه 40 سنة على الأقل للشيخ الحصرى والمنشاوى والطبلاوى ومصطفى إسماعيل والشيخ غلوش، وكلها قراءات موجودة فيديو على اليوتيوب، وعملت منذ 2011 حتى 2021 فى نقل التراث دون مقابل مادي، لذا بمجرد إن توقفت عن نقل التراث توقف العمل نهائياً، وكان من الممكن استكمال النقل دون مقابل، لكن بعض المسئولين فضلوا أن يتحول التراث إلى تراب أفضل من نقله.
قلت إن لك حكاية مع الشيخ المنشاوي.. فما هي؟
نعمٌ.. جاء طارق ابن الشيخ المنشاوى للتليفزيون يطلب استخراج تراث والده، وأرسله لى رئيس التليفزيون عام 2014، فى وقت كان الناس يتمنون رؤية الشيخ المنشاوى المتوفى عام 1969، لدرجة أن ابنه طارق المنشاوى سافر إلى ليبيا للحصول على بعض تراث الشيخ لكنه لم يجد شيئاً، ومع القراءات التى عرضناها له أصبح ملء السمع والبصر، وفيديوهاته تملأ اليوتيوب والسوشيال ميديا.
كيف عادت حلقات الشيخ الشعراوى للظهور بعد 2011؟
بعد عرض مقطع "الثائر الحق" بدأنا عرض الحلقات تلقائياً، لكنهم طلبوا ألا تكون الحلقة 45 دقيقة كما كانت من قبل، وطلبوا أن تكون 15 دقيقة، لكننى رفضت، وحاولت أن تكون الحلقة 25 دقيقة، وفى رمضان 15 دقيقة.
ما أهم معوقات نقل التراث لوسائط حديثة؟
حين بدأنا فى 2011 ظهر مدى صعوبة إنقاذ التراث، وأن نقل كل التراث الدينى والسياسى والفنى وغيره مهمة صعبة، وكان بداية الرد على الهجمة الشرسة وقتها على ماسبيرو، والتراث هو ما تحدث عن مكانتنا كأصحاب أصول ولسنا لقطاء، وحين توجهنا لنقل التراث لم نجد أى تعاون من العاملين بالمكتبات، وكنا نحاول نقل الـ2 انش، ولم نبدأ بعد نقل الـ1 انش أو السوبر، ونقلنا 100 ساعة تراث أحدثوا دعاية كبيرة، فسهلت العلاقة المباشرة مع رؤساء التليفزيون انتهاء بمجدى لاشين.. كلهم سهلوا مهمتنا، لكن واجهتنا صعوبات أولها أن المصانع التى تنتج ماكينات نقل التراث الـ2 انش إلى شرائط ديجيتال أغلقت وتوقفت عن الإنتاج منذ نهاية التسعينيات، فاستخدام هذه الشرائط انتهت فى نهاية التسعينيات، ثم استخدمنا شرائط 1 انش حتى قبل 2000، لدينا ماكينتان فقط للنقل، مع صعوبة الصيانة، وأكد مسئول المكتبة أن الشريط إذا وضع فى المكينة لا يمكن الاكتفاء بمشاهدته فقط، بل لا بد أن ينقل على شريط ديجيتال، وقررنا النقل، فوجدت أن كل العاملين فى التراث 3 أفراد فقط: طلعت عبد الفضيل، وقيس الرأي، وأشرف الشايب، وكانوا على مشارف المعاش، ووجدنا الشريط الأول حفل بردة البوصيرى بالأسكندرية فى أول ظهور للمذيعة درية شرف الدين، وأول ظهور لياسمين الخيام كمغنية، مع كرم مطاوع وعبد الرحمن الشرقاوي. كما أن الشريط المكون من ساعة ونصف يستمر نقله 6 ساعات، حيث يتم تنظيفه أولاً بقطن و"سبرتو" ثم يوضع ساعتين فى فرن (جهاز يشبه الميكروييف بدرجة حرارة معينة) ليجفف من الرطوبة، وهذه كانت الصعوبة الأولي، فلدينا 24 ألف ساعة مسجلة على شرائط 2 انش وملون، بخلاف التراث على باقى الشرائط، خاصة شرائط السينما التى كان يصور فيها التليفزيون من عام 1960، حتى بداية 1963، نقل منهم فى 11 سنة نحو 6000 ساعة، يبث منهم على ماسبيرو زمان، وهو كل ما يستخدم فى البرامج المختلفة.
كان هناك ما يسمى بلجنة التراث...أين هي؟
نعمٌ.. كانت لجنة مهمة جداً، ودورها حيوى فى حفظ تراث ماسبيرو، وأطالب بإعادتها، وكانت اللجنة برئاسة سهير الأتربي، ولها الفضل فى إنشاء مكتبة التليفزيون الحالية التى تضم 300 ألف شريط، وانضممت أنا لهذه اللجنة كأصغر عضو بها، وكان نائب رئيس اللجنة الإذاعى الكبير وجدى الحكيم، وضمت سامية الأتربى وفاطمة فؤاد ورئيس قطاع الهندسة والأمن، ورأسها الإذاعى وجدى الحكيم بعد وفاة الأتربي، وبعد توقف الحكيم توقف عمل اللجنة، وأصبح الاهتمام بالتراث بمبادرات شخصية.
هل جرى نقل تراث باقى قطاعات المبنى؟
قطاع التليفزيون يحرص على نقل تراثه، لكن لا يوجد نقل فى أى قطاع آخر من قطاعات التليفزيون، مثل الأخبار أو المتخصصة مثلاً. كما أن لدينا تراثًا مهمًا جداً فى هيئة الإستعلامات التى كانت تنتج مواد مصورة قبل دخول التليفزيون إلى مصر، وكانت تصور على شرائط سينما، وإليها تنسب المشاهد القديمة للهودج مثلاً والأحداث القديمة.
قد يتساءل البعض، هل تراث ماسبيرو يستحق كل هذا الاهتمام والتخوف من تلفه.. فما ردك؟
لولا توثيق التاريخ بالتراث التليفزيونى لكان مزوراً أو مجهولاً، فقد رأينا مشاهد إرسال الكسوة للكعبة الشريفة، ورأينا الحرب العالمية وتدميرها لدول العالم، وبما أننا من أوائل تليفزيونات الوطن العربى وأفريقيا فلدينا مواد توثيقية لتاريخهم، وهذا يُعرض على اليوتيوب بعائد مادى كبير، ويمكن بيع أو تأجير جزء منه، أما التراث الدينى فمصدر دخل كبير جداً لماسبيرو إذا استغل بشكل صحيح، مثلما تمثل ماسبيرو زمان وصفحاتها الموثقة رافداً مهماً للدخل الاقتصادى فى ماسبيرو، وكذلك إذاعة القرآن الكريم التى تمثل مصدراً اقتصادياً مهماً، مع ضرورة عودة لجنة التراث.
هل نقل التراث إلى شرائط حديثة يعنى إمكانية عرضه على الشاشة؟
لا.. لأنه يحتاج إعادة مشاهدة، وتصحيح صورة وصوت وضبط المونتاج.
هل تم نقل التراث الإذاعى؟
الإذاعة أكثر حرية وسهولة فى نقل التراث على وسائط حديثة، يشرف على هذا النقل الإذاعى محمد نوار رئيس الإذاعة، ننقل من كل أنواع الشرائط القديمة منذ 1984 حتى اليوم ونحملها على "الأوتوميشن"، كما يوجد لجنة برئاسة رئيس شبكة القرآن الكريم لتصحيح الملاحظات الصوتية والفنية على تلاوات القرآن الكريم والأحاديث الدينية، وهنا النقل أسهل، وتوجد ماكينات كثيرة بالتعاون مع الهندسة الإذاعية، ونقلنا نحو 50 % من قيمة التراث الإذاعى الذى وصل إلى نصف مليون ساعة مسجلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
« السوشيال ميديا» وراء التبرؤ على الفتوى وتحويلها إلى آراء شخصية والدتى معلمتى الأولى فى مدرسة الحياة
في وقت يشهد فيه العالم تحولات جذرية في أسواق الطاقة، ما بين اضطرابات جيوسياسية حادة، وتقلبات في أسعار النفط والغاز،
الاستعداد المسبق هو خط الدفاع فى مواجهة الازمات.. ولدينا خطط لكل السيناروهات
أهداف «ترامب » تختلف عن «نتياهو».. ويسعى للتفاوض مع طهران مجتبى خامنئى أبرز المرشحين لخلافة والده لكنه مصاب بجروح خطيرة