عاصم الدسوقى : الربيع العربى أعاد إحياء العلاقات المصريــة الروسية

أكد د. عاصم الدسوقى المؤرخ وأستاذ التاريخ المعاصر أن توقيع اتفاق الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجى بين رئيسا مصر وروسيا، ما هو إلا إعادة إحياء للعلاقات التاريخية

أكد د. عاصم الدسوقى المؤرخ وأستاذ التاريخ المعاصر أن توقيع اتفاق الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجى بين رئيسا مصر وروسيا، ما هو إلا إعادة إحياء للعلاقات التاريخية بين البلدين، التى توهجت أيام الرئيس عبد الناصر، ثم أخذت منحنى الهبوط مع الرئيس السادات.. والرئيس مبارك، لتعود بقوة بعد الربيع العربي..  حتى وصلت محطة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذى أعادها لوهجها، وبما يضمن تحقيق مصالح مشتركة تفيد البلدين.

فى أى ظروف بدأت العلاقات المصرية الروسية؟

- مع الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقى والغربي، ويؤرخ لها بخطاب الرئيس الأمريكى ترومان فى مارس 1947، حول تقديم المساعدات للدول التى خرجت من الحرب العالمية الثانية متدهورة.. حتى لا تسقط تحت حكم الأحزاب الشيوعية، فأصبح كل معسكر يسعى لجذب أصدقاء وحلفاء فى مواجهة المعسكر الآخر، المعسكران عبارة عن صراع بين النظام الاشتراكى للمعسكر الشرقى  والنظام الرأسمالى للمعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 متى قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التوجه للسوفيت؟

- فى هذه الفترة وتحديدا فى إبريل 1955 حضر الرئيس جمال عبد الناصر مؤتمر «باندونج» بإندونيسيا لتأسيس حركة «الحياد الإيجابي» وهناك تعرف على رئيس وزراء الصين «سو هى لاي» والذى حضر المؤتمر بصفة مراقب، حيث نظم المؤتمر للشعوب التى تحررت حديثا من الاستعمار الغربي، وحدثه عن حاجة مصر للسلاح بعد رفض بريطانيا استمرار مد مصر بصفقة سلاح كانت معقودة أيام الملكية وأوقفوا استمرارها، فاتصل بالولايات المتحدة الأمريكية فاشترطوا ارسال بعثة عسكرية مع الأسلحة، فرفضها عبد الناصر كونها تذكره بالبعثة العسكرية البريطانية فى أعقاب معاهدة 1936، التى لاقاها بنفسه وهو طالب فى الكلية الحربية وضابط من بعدها ، فاتصل رئيس وزراء الصين بالاتحاد السوفيتى وتمت الصفقة من خلال تشيكوسلوفاكيا.. حتى لا يظهر الاتحاد السوفييتى فى مواجهة مكشوفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حدث ذلك فى أواخر سنة 1955 ، تلاها تمويل الاتحاد السوفييتى لمشروع انشاء السد العالى نتيجة الشروط الأمريكية وشروط البنك الدولى للانشاء والتعمير التى كانت تحول دون بناء السد العالي، وعلى هذا الأساس بدأت العلاقات الجيدة بين مصر والاتحاد السوفييتي، ليس فقط فى المساعدات الاقتصادية، لكن أيضا فى المواقف السياسية تجاه حركة التحرر الوطنى والمساعدات المشروطة التى تفرضها الدول الغربية التى كانت تستعمر دول العالم الثالث بشكل عام، ولم تحدث خلافات طوال هذه الفترة فترة ناصر، فكان الاتحاد السوفييتى يقف بجوار ناصر دائما.

 هل توقفت العلاقة على المجال العسكرى والسياسي؟

- لا، بدأت عسكرية ثم اقتصادية فى السد العالى والمصانع ومفاعل انشاص وغيرها، وأيضا البعثات الدراسية التى ذهبت إلى روسيا فى العلوم التطبيقية فى الطب والعلوم والهندسة.

 وما مصلحة الاتحاد السوفييتى فى مساندة مصر؟

- الاتحاد السوفييتى يستند على مصر بوصفها دولة كبرى فى الشرق الأوسط والعالم العربى للحيلولة دون خضوع تلك الدول للاشتراطات الغربية.

 ولماذا تراجعت العلاقات بعد رحيل ناصر؟

- مع وفاة ناصر ومجئ الرئيس السادات تخلخلت الأمور، باستجابة السادات لمطالب أمريكا فى التخلص من الوجود السوفييتى فى الجيش المصري.. وكان ذلك فى مايو 1972، وبدأت من هنا مصر تبتعد عن الاتحاد السوفييتى وترتمى أكثر فى أحضان الغرب خاصة الولايات المتحدة ، وهو ما أعلن عنه السادات  بأن 99% من مشكلة تحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلى فى يد الولايات المتحدة الأمريكية، فانكمشت العلاقات لحد كبير وتم الغاء معاهدة الصداقة المصرية الروسية سنة 1975، واستمر الوضع أيام الرئيس مبارك فى الاتجاه أكثر نحو الأجندة الأمريكية.

 لكن قيل إن التخلص من الروس كان ضمن خطة الخداع استعدادا لحرب أكتوبر؟

- لم تكن خدعة إنما شرط أمريكي، بدليل شهادات قيادات الجيش بأن أوامر السادات منعتهم من التقدم رغم عبورهم للقناة، فالهدف كان التسوية والاعتراف باسرائيل، وهذا لا يقلل من حرب أكتوبر، كما أنه لم يلغى وجود أسلحتهم فالحرب قامت على السلاح الروسى حتى أن صواريخ سام 6 حيرت الأمريكان لقدرتها على تعقب أى طائرة حراريا ويسقطها مهما ارتفعت وانخفضت.. ومع أواخر 91 انتهت الحرب الباردة بتفكيك الاتحاد السوفييتى وبدأ يسمح باستثمارات رأس المال الخاص، وبدأ تقارب مصرى روسى من هذه الناحية، وهذه كانت خطة الولايات المتحدة الأمريكية باضعافه عن طريق تفكيكه وتجريده من قوته الكبيرة الممثلة فى اتحاد 16 جمهورية، وكانت يد أمريكا فى هذا الرئيس الروسى جورباتشوف.

 السفير الروسى فى الاحتفال بـ75 سنة علاقات بين البلدين أكد على المنفعة المشتركة.. ما معنى ذلك؟

- العلاقات المصرية الروسية من الأربعينات، لكنها ظهرت مع الرئيس جمال عبد الناصر، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، السد العالى مثالا، حينما أمدنا الاتحاد السوفييتى بالخبراء والأموال لم تكن مقابل ديون وإنما منتجات وصناعات مصرية من فائض الإنتاج المصري، بالإضافة لبعثات مصرية لروسيا منهم من تزوج بروسيات وجاء منهم للحياة بمصر، والمركز الثقافى الروسى نشط نشاطا كبيرا أيام ناصر، والعلاقات الثقافية بدأت قبل ذلك من خلال الشيخ محمد عياد طنطاوى وأزيح الستار قبل خمس سنوات عن تمثال له بسان بطرسبرج كما قدمت 113 مخطوطة الكترونية لدار الكتب والوثائق، وهذا إن دل فيشير إلى أن علاقة مصر بروسيا قديمة جدا حتى قبل الثورة الشيوعية، والاقتصاد والمفاعل النووى كما ذكرنا.. أما السوفييت فاستفادوا بألا تكون مصر عدوا لها، والآن علاقتها بمصر بوابة إعادة وجودها فى صراع القوى بالشرق الأوسط؛ لأنه إذا سقطت مصر ففى هذا اضعاف لروسيا، حيث كانت الولايات المتحدة تنفرد بهذا الصراع خاصة فى الربيع العربى الذى كانت وراؤه بتفكيك الأوطان العربية لعدة أوطان على أسس طائفية عرقية أو دينية أو مذهبية، وقد بدأ ذلك قبل الربيع العربى فى العراق ، حينما حاولوا تقسيمه وصنعوا له دستور بول بريمر الحاكم العسكرى الأمريكى صاغ دستورا عنوانه أن العراق دولة فيدرالية وأن العرب أحد مكونات العراق بحيث لا ينبغى أن تقول جمهورية العراق العربية، والتأكيد على هذا أنهم يصنعون الآن لسوريا دستورا بهذا المعنى، فالوجود الأمريكى فى العراق فى 2003 أزعج روسيا، لأن أمريكا أصبحت بوجودها فى العراق قريبة من روسيا، لهذا بوتين يؤيد إيران وسوريا حتى لا يسمح بوجود أمريكى على حدود روسيا كتوازن مصالح، فالرئيس بوتين فضل إعادة التوازن أو كما يقال أحيانا إعادة الحرب الباردة بطريقة أخرى، فما الذى يجعله يقف بجانب سوريا وقد نجح فى هذا ويبدو أن الهجوم على سوريا سينتهي، وهو أيضا يؤيد إيران حتى لا تقع فى يد أمريكا؛ لأنه إذا وقعت تصبح أمريكا قاب قوسين أو أدنى من روسيا من ناحية الشمال بجوار بحر قزوين.

 ولماذا عادت العلاقات مع الرئيس السيسى منذ كان وزيرا للدفاع؟

- الرئيس السيسى يدرك الخطورة الأمريكية، لكنه فى ذات الوقت لا يريد أن يكون صريحا فى كشف أمريكا، ولذا هو لا يوافقها على مواقفها فى المنطقة كما فى المسألة السورية لذا نجدها تعمل على اثارة القلاقل بها من خلال ملفات حقوق الإنسان والحريات وغيرها.. لارباك الإدارة فى مصر، لكن الرئيس متنبئ  لهذا الدور ويعلم جيدا أن تأييد أمريكا فى سوريا يعنى أن الدور القادم سيكون على مصر، فى ضربها وتفكيكها، فالهدف الأمريكى القضاء على العروبة كقوة واحدة وللأسف هناك من يساعد أمريكا على تحقيق هذه السياسة، فى نفس الوقت تقوية مصر فى صالح روسيا لذا فالتحالف ليس فقط سياسيا لكن نراه اقتصاديا أيضا فى محطة الضبعة والمنطقة الصناعية وغيرها.. لأن مصر لو تركت ستسقط فى يد أمريكا ومنذ سقطت العراق فى يد امريكا وروسيا تتجنب تكرار نفس الدرس.

 رغم ذلك السياحة الروسية لم تعد؟

- قد يكون ذلك كارت ضغط على مصر، بمعنى إذا أرادت مصر عودة السياحة الروسية فعليها اتخاذ مواقف أكثر قربا من روسيا وابتعادا عن أمريكا.

 اللقاءات المتتابعة بين مصر وروسيا كيف تقرأ دوليا فى ضوء العلاقات التاريخية بين البلدين؟

- لا يمكن أن نصبح جزءًا فى الأجندة الأمريكية، نحن مستقلون وعلاقتنا علاقة تكافؤ مع غيرنا وليست علاقة تبعية.

 عن ماذا تعبر الصور التى تجمع الرئيسين؟

- تظهر كم المودة والصداقة بينهما، وهى بذلك تعكس صورة للغرب وأمريكا بمتانة العلاقات مع حليف قوى كروسيا.

 لماذا دوما روسيا هى الداعم الأكبر وليست دول بحجم فرنسا أو ألمانيا؟

- روسيا تختلف عن فرنسا وغيرها، فروسيا لا تفرض شروطا هى تقترب حتى لا نسقط فتتهدد روسيا، كما أن فرنسا جزء من المعسكر الغربى فى الأساس قد تختلف توجهات بعض رؤساءها كديجول الذى اعترف بالثورة الجزائرية وحركات التحرر الوطني.


 	هبة حسنى

هبة حسنى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الدكتور نظير عياد.. مفتى الجمهورية: الفتوى الشرعية صارت صناعة حضارية

« السوشيال ميديا» وراء التبرؤ على الفتوى وتحويلها إلى آراء شخصية والدتى معلمتى الأولى فى مدرسة الحياة

الدكتور ماهر عزيز: مصر رسّخت مكانتها كمركز إقليمى لتجارة وتبادل الطاقة

في وقت يشهد فيه العالم تحولات جذرية في أسواق الطاقة، ما بين اضطرابات جيوسياسية حادة، وتقلبات في أسعار النفط والغاز،

وزير التموين: مراجعة خطط الطوارئ لضمان تدفق السلع والحد من تداعيات الحرب

الاستعداد المسبق هو خط الدفاع فى مواجهة الازمات.. ولدينا خطط لكل السيناروهات

مسعود الفك: الحرس الثورى صاحب الكلمة العليا فى اختيار خليفة «خامنئى»

أهداف «ترامب » تختلف عن «نتياهو».. ويسعى للتفاوض مع طهران مجتبى خامنئى أبرز المرشحين لخلافة والده لكنه مصاب بجروح خطيرة