د. عاصم الدسوقى يكشف الوجه الإنسانى لخالد محيي الدين

جوانب لم نكن نعرفها عن الراحل خالد محى الدين «أبواليساريين» فى مصر، حكاها لنا الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ، ليلقى الضوء على الجانب الخفى فى حياة الفارس النبيل

جوانب لم نكن نعرفها عن الراحل خالد محى الدين «أبواليساريين» فى مصر، حكاها لنا الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ، ليلقى الضوء على الجانب الخفى فى حياة  الفارس النبيل آخر أعضاء مجلس قيادة الثورة، كما حكى لنا عن الجانب الصوفى فى حياة خالد محى الدين وعشقه لأولياء الله الصالحين.ويتحدث الدسوقى كذلك عن خلافه مع عبد الناصر والسادات، وقصة تأسيسه لحزب التجمع.

يقول الدكتور عاصم الدسوقى إن أصول خالد محى الدين الريفية فى كفر شكر جعلته  يتشبع بطبائع أهل الريف، لذلك كانت تغلب عليه النزعة الدينية، فنراه يرفض أحكام الإعدام، وهوما يؤكده رفضه لإعدام الملك فاروق. أما ما لا يعرفه القارئ العادى عن اليسارى خالد محى الدين فهوانه كان متصوفا ومحبا لأولياء الله الصالحين. ويحرص على حضور فعاليات المتصوفين وكان مرتبطاً بالطريقة  النقشبندية وتكية النقشبندى  الموجودة فى حى الجمالية. وهذا التدين لم يمنعه من اصدار كتاب يرد فيه على محاولات اصحاب الاتجاهات الدينية المتشددة من الإخوان والسلفيين بأن الاشتراكيين لا يختلفون مع الدين، كما كان مدافعا شرسا عن الفقراء وينتهز أى فرصة لمساعدتهم، وفى هذا الصدد اتذكر أنه فى إحدى الندوات طلب منى المساعدة فى تعيين أحد الخريجين ممن يحملون درجة الدكتوراه ولا يجدون فرصة داخل الجامعة.

وهوأيضا صاحب شجاعة ونبل ففى عام 1992 التقيته فى أحد مؤتمرات الحزب وهنأته على نبله وشجاعته فى الدفاع عن الرئيس جمال عبد الناصر وذلك عندما وجد هجوما على ناصر وثورة يوليوبسبب ازمة مارس عام 1954  عندما كتب فى مذكراته  بأنه كان على خطأ وأن عبد الناصر كان على صواب وهوما يظهر حقيقة تكوين هذا الفارس.

 كيف بدأت علاقتك بـ «خالد محى الدين»؟  

كان ذلك فى بداية السبعينيات من القرن الماضى  فى مقر حزب التجمع عندما دعيت للحديث عن إحدى القضايا فى أحد مؤتمرات  الحزب وتوالت اللقاءات وكانت كلها لقاءات حرة  بمكتبه فى الحزب بعيداً عن منصة المؤتمرات والندوات وكان الحديث يتطرق الى تاريخ مصر خاصة تاريخ ثورة 23 يوليو1952 خاصة انه كان واحداً من أهم وأبرز قياداتها.

 وماذا عن نشأة خالد محى الدين السياسية؟

نشأ خالد محى الدين فى طبقة غنية من ملاك الأراضى فى بلدة كفر شكر بالقليوبية ولكنه انضم مبكرا إلى الحركة الوطنية وهوتلميذ وهى الحركة التى كانت تضم جمال عبد الناصر وخرجت منها المظاهرات ضد اسماعيل باشا صدقى عام 1931 عندما ألغى دستور 1923 وهوالدستور الذى أعطى للملك سلطة مطلقة وبدايته كانت مبكرة جدا فى الرابعة عشرة من عمره، وكان تلميذاً فى مدرسة فؤاد الأول التى اشتهرت بالمظاهرات والحركات الطلابية، وقتها كانت مصر تشهد انتفاضة  بعد تفجر انتفاضة  عام 1935 والمطالبة بعودة الدستور، فبدأ خالد محى الدين  يهتم بالحياة الحزبية خاصة القوية منها واعجبه حزب  «مصر الفتاة» وكان حريصا على قراءة مجلة  «الصرخة» التى كان يصدرها الحزب.

 هذه الاهتمامات لا تنتج إلا سياسى خريج الحقوق فلماذا التحق خالد محى الدين بالكلية الحربية ؟

الكلية الحربية لم تكن رغبة والده الذى كان يطمح فى أن يكمل تعليمه  فى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الزراعة والحصول على الدكتوراة  بهدف الاستمرار فى الزراعة، ولكن خالد محى الدين تقدم الى الكلية الحربية بعد توقيع معاهدة الاستقلال فى عام 1936  التى كانت تلهب حماسه ودخلها  بالرغم من رفض والده.

 لماذا اختار الفكر اليسارى الذى ظل يعتنقه حتى وفاته؟

عندما التحق خالد محى الدين بالكلية الحربية التقى الضابط اليسارى عثمان فوزى الذى أعاره كتاب «الاقتصاد محرك التاريخ» للكاتب الفرنسى روجيه جارودى ومن هنا بدأ وعيه  يتفتح على الأوضاع الاقتصادية التى تؤدى الى التغير الاجتماعى والسياسى والربط بين الوطن وتحرير المواطن، وسلك طريق اليسار، فى أوائل عام 1947 انضم خالد محى الدين  الى المنظمة  الشيوعية والتى تسمى «اكسرا» ومعناها الشرارة فآمن بافكارها واعتنق مبادئها وبالمناسبة   كانت كل افكار تلك المنظمة تستمد من الاتحاد السوفيتى آنذاك.

 كيف نفسرهذا التناقض  فى نشأة خالد محى الدين عندما نجده يخرج فى مظاهرات ضد اسماعيل باشا صدقى بينما نجد تأييداً لصدقى  من قبل اسرته؟

الاسباب الاقتصادية وليست السياسية كانت هى الدافع وراء تأييد اسرة محى الدين لصدقى خاصة  الجد لأنهم اصحاب الأراضى، وفى هذا الوقت كانت تحيطهم الديون عند رجال المال والمرابين، فقام اسماعيل باشا صدقى بشراء ديون أصحاب الأراضى، ونقل ما عليهم من أموال لدى المرابين ورجال المال إلى الحكومة كى تتولى دفعها بدلا منهم.

 هناك لقاءات تمت بين  خالد محى الدين والصاغ محمود لبيب الضابط الإخوانى.. هل شهد تاريخ خالد محى الدين انضمام محى الدين إلى جماعة الإخوان؟

من المعروف أن حسن البنا حاول أن يضم خالد محى الدين وجمال عبد الناصر وآخرين إلى الجماعة  وبالرغم من وجود اشارات تؤكد مبايعتهم  لجماعة  الإخوان كما كتب هوفى مذكراته إلا أن هذه العلاقة كانت هامشية ولم تستمر طويلا.

 ما الدور الذى لعبه فى ثورة 23 يوليو؟

من المعروف أن الاجتماعات كلها كانت تدور فى منزل خالد محى الدين فى 21 شارع فوزى المطيعى بمصر الجديدة.

 هل هناك تعارض بين اعتناقة لمبادئ وافكار الشيوعية  وايمانه بافكار  ثورة يوليو؟

افكار ثورة يوليوكانت متسقة مع افكار خالد محى الدين، فثقافته الاشتراكية تدعم دور الدولة فى الدفاع عن الفئات الفقيرة والمهمشة فكان مرحبا بالاجراءات الاشتراكية ومجانية التعليم وتعيين خريجى الجامعات وحملة الدبلومات.

 ومتى بدأ صدامة مع جمال عبدالناصر؟ 

كانت البداية فى أكتوبر عام 1952 عندما صدر قانون بالعفوالشامل عن كل من تم اعتقالهم فى عام 1936 ولم يشمل العفوالمعتقلين الشيوعيين فاعترض خالد محى الدين على القانون. أما الصدام الثانى فكان فى مارس من عام 1953 عندما اعترض على منع اقامة الاتحاد العام لعمال مصر كما اعترض ايضا على مشروع عقد العمل الفردى الذى يحرم على العمال القيام باضرابات وسمح بفصلهم عن العمل  وازداد الخلاف بعد أزمة مارس الشهيرة عام 1954 بين خالد محى الدين ومجلس قيادة الثورة وعندها قرر أن يستقيل من المجلس وبالفعل فى 2 إبريل 1954 زار خالد محى الدين عبد الناصر فى بيته وقدم له استقالته.

 كيف تعامل محى الدين مع واقعة الاستغناء عنه من قبل جمال عبد الناصر   فى أعقاب أزمة مارس 1954 واعتصام سلاح الفرسان؟

الرئيس جمال عبد الناصر تعامل مع هذه الأزمة ببراعة الفارس وضرب مثلا عظيما فى المحافظة على شرف دفعته والإبقاء على زملائه الضباط ولم يقدمهم الى المحاكم خاصة أن التهم جاهزة ولكنه اكتفى بأن قال له « لن تكمل معنا الطريق» وطلب منه ان يذهب الى سويسرا سفيرا لمصر «وهى فرصة لكى تعالج زوجتك بالمرة» كما حذره عبد الناصر، قال له «خد بالك لوحاولت تشتغل ضدنا وانت فى سويسرا ها نعرف» ولكن خالد محى الدين لم يستمرطويلا فى سويسرا وعاد الى مصر بعد عامين. 

 كيف تم السماح لخالد محى الدين بمعاودة الظهور داخل المشهد السياسى مرة أخرى بعد نفيه الاختيارى إلى جنيف؟

لم تعد هناك مشاكل مع دولة عبد الناصر التى كانت تأخذ بالاشتراكية  فهى الدولة الوطنية التى تواجه آثار العدوان الثلاثى على مصر ، كما أن موقفها الواضح من البنوك الاجنبية  وبعد ذلك ما حدث من التأميمات الكبرى فى يوليو1961 ومواقفها تجاه العروبة وموقفها من القضية الفلسطينية فالعودة القوية لخالد محى الدين كانت من خلال ترشحه على مقعد مجلس الأمة فى عام 1957 عن دائرة كفر شكر وكان ذلك متزامنا مع اصداره  لأول صحيفة مسائية فى مصر وهى جريدة  «المساء» بتوجهها الشيوعى وكان هورئيس  تحريرها  ثم ترشح فى أول برلمان للثورة عام 1957 عن مقعد كفر شكر وبالفعل دخل إلى مجلس الأمة، وهوبرلمان يتماشى ويتوافق مع افكاره  كما ساهم أيضا بعد عودته  فى تحرير أول صحيفة مسائية فى مصر وهى «المساء»  وكان هورئيس  تحريرها  وفى عام 1964 رأس خالد محى الدين جريدة أخبار اليوم لمدة عام واحد فقط.

 زعيم اليسار ورئيس أكبر الأحزاب اليسارية كيف يجرى تقييم تجربته الحزبية؟

صناعة الأحزاب كانت اضحوكة كبرى فقد قرر الرئيس السادات فى عام 1976 السماح بعودة الحياة السياسية إلى مصر ولأن ارادته تهيمن على هذا النشاط بحيث لا تصبح الاحزاب قوة معادية له سمح السادات بتأسيس 3 منابر فى مصر هى اليمين ويمثله الوفد واليسار والوسط  فترأس السادات الوسط ورأس خالد محى الدين منبر اليسار. يشمل كل التيارات اليسارية القوية من كل الاتجاهات فجمع الشيوعيين واليساريين والناصريين والقوميين  فخرج حزب التجمع كبيرا جدا وقوياً، ولكى يضمن السادات هيمنته على هذه الأحزاب ويضعها فى قبضة الدولة قرر اعطاء كل حزب مقراً ومائة ألف جنيه وحصة من ورق الطباعة بسعر منخفض  ثم بدأت محاولة اضعاف الحزب باصطياد عناصره للخروج منه بتشكيل احزاب جديدة تخرج من عباءته كما فعل ضياء الدين داوود نهاية الثمانينات بعدها تحول حزب التجمع المعارض الى حزب مسيس لا يستطيع أن يتخذ موقفا معاديا للسلطة الحاكمة، وبهذا وقع خالد محى الدين تحت انياب الدولة لايمكنه اتخاذ موقف معارض ولكنه لايعلن تأييده للسلطة.

 التاريخ البرلمانى  لخالد محى الدين كان حافلاً بكل ما هومثير فكيف تثمن هذه التجربة ؟

 كانت المرة الأولى فى عام 1957 عندما ترشح عن دائرة كفر شكر وفاز بالمقعد فى مجلس الأمة الذى تم حله فى عام 1958 بسبب ظروف الوحدة مع سوريا ثم خاض بعدها  أول انتخابات تعددية فى مصر بعد ثورة 23 يوليولينعقد البرلمان 22 نوفمبر 1976 ووقف ضد معاهدات الرئيس السادات مع اسرائيل وعارض سياسة الانفتاح الاقتصادى واستمر فى التقدم للانتخابات البرلمانية  فى عهد الرئيس مبارك بداية من برلمان 1990 وحتى برلمان 2005  معارضا للحكومة بسبب استمرارها فى اتباع  سياسات الرئيس السادات رافضا بيع القطاع العام وما يعرف بالخصخصة وتبعيتها للاجندة الامريكية الاسرائيلية  وبعدها اعتزل الحياة السياسية وبدأ المرض ينال منه حتى وافته المنية هذا الشهر.


 	آمال كمال

آمال كمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الدكتور نظير عياد.. مفتى الجمهورية: الفتوى الشرعية صارت صناعة حضارية

« السوشيال ميديا» وراء التبرؤ على الفتوى وتحويلها إلى آراء شخصية والدتى معلمتى الأولى فى مدرسة الحياة

الدكتور ماهر عزيز: مصر رسّخت مكانتها كمركز إقليمى لتجارة وتبادل الطاقة

في وقت يشهد فيه العالم تحولات جذرية في أسواق الطاقة، ما بين اضطرابات جيوسياسية حادة، وتقلبات في أسعار النفط والغاز،

وزير التموين: مراجعة خطط الطوارئ لضمان تدفق السلع والحد من تداعيات الحرب

الاستعداد المسبق هو خط الدفاع فى مواجهة الازمات.. ولدينا خطط لكل السيناروهات

مسعود الفك: الحرس الثورى صاحب الكلمة العليا فى اختيار خليفة «خامنئى»

أهداف «ترامب » تختلف عن «نتياهو».. ويسعى للتفاوض مع طهران مجتبى خامنئى أبرز المرشحين لخلافة والده لكنه مصاب بجروح خطيرة