صالح مهران: رفضت عضوية الاتحـاد الاشتراكى بسبب «شنبو فى المصيدة»!

يعرف صالح مهران قيمة الكلمة.. يدرك أنها شرف ومسئولية، فلا يقول إلا ما يعرف، ولا ينطق إلا بما رأى وسمع، لا يسعى وراء إثارة ولا مجد شخصى.. ومن هنا تأتى أهمية وقيمة

يعرف صالح مهران قيمة الكلمة.. يدرك أنها شرف ومسئولية، فلا يقول إلا ما يعرف، ولا ينطق إلا بما رأى وسمع، لا يسعى وراء إثارة ولا مجد شخصى.. ومن هنا تأتى أهمية وقيمة شهادته على أحداث مهمة وحوادث جسام من عمر الوطن، كان فيها حاضرا ومشاركا وفاعلا..

وفى مكالمة هاتفية دارت بينى وبين الإذاعى القدير الشهير أحمد سعيد سألته: هل لديك ملاحظات على ما قاله عنك صالح مهران فى شهادته على ما دار فى الإذاعة المصرية واستوديوهاتها فى زلزال نكسة يونيو وتوابعه؟ أجاب الرجل بصوت حاول فيه جاهدا ألا تعكره متاعبه الصحية: كل ما قاله صالح صحيح.. ما ذكره حدث بالفعل.. وبالحرف!

لم يكن أحمد سعيد وحده الذى شهد له بالصدق وصدّق على أقواله، فقد حكى لى الإذاعى الكبير صالح مهران تلك الواقعة: "يوم اغتيال السادات (6 أكتوبر 1981) أنا كنت هنا فى المبنى، أجلس فى مكتبى بالدور الثالث، حيث كنت أشغل وقتها منصب مدير عام الموسيقى والغناء بالإذاعة، وكنت أتابع العرض العسكرى من الراديو، وفجأة سمعت ضرب النار وقطعوا البث، أدركت لحظتها أن هناك شيئا كبيرا وخطيرا، جريت على استوديوهات الإذاعة فى الدور الثانى ودخلت مكتب محمود إسماعيل مشرف التسجيلات وقلت له بحسم: اقفل الكنترول واقفل الباب وما تدخلش حد!

جريت على باب 4، الباب الرئيسى لدخول المبنى، وقلت لرجال الأمن: اقفلوا الباب وما تدخلوش حد.. اعترضوا فى البداية، ولما شرحت لهم الموقف استجابوا وأغلقوا الأبواب، وبعدها كان محمود إسماعيل الله يرحمه كلما قابلنى يقول لى مداعبا: "انت اللى أنقذت المبنى ده"!.. فقد اتضح فيما بعد أنه كانت هناك مؤامرة وخطة لاقتحام مبنى التليفزيون وإذاعة بيانات ضد النظام من استوديوهات الإذاعة".

هذا ما قاله صالح مهران نصا، وعندما تعود إلى كتاب (قنابل ومصاحف) الذى وثّق فيه كاتبنا الكبير عادل حمودة قضية تنظيم الجهاد، وأورد اعترافات المتهمين باغتيال السادات ومحاولتهم الاستيلاء على الحكم بالقوة، كان من ضمن الخطة الموضوعة اقتحام مبنى التليفزيون، فقد كان زعيم التنظيم ومنظره محمد عبدالسلام فرج يرى أنه "لا يمكن السيطرة على البلد ما لم نسيطر على هذا المبنى"، ونجح فى تجنيد مذيع بالإذاعة اسمه محمد زهران البلتاجى، وكلفه أن يسهل لأفراد التنظيم مهمة دخول المبنى واستغلال حالة الفوضى الأمنية بعد اغتيال السادات لإذاعة البيان الأول للثورة الإسلامية..!

لم يكن صالح مهران يعرف بكل تلك التفاصيل عندما جرى على باب التليفزيون ليرجو حراسه أن يغلقوه، فقد اشتم رائحة الخطر وظن - وبعض الظن هنا ليس إثما - أنه مقبل، وتحرك خوفا وحرصا على وطن ومبنى!

لم تكن الإذاعة لدى صالح مهران مجرد جدران واستوديو مغلق وميكروفون، بل كانت هى بيته وعمره، فمنذ أن بلغ سن الإدراك قرر أن يكون الراديو هو حياته ولا شىء غيره.

قصة صالح مهران مع الراديو بكل ما فيها من تفاصيل مدهشة وحكايات (درامية) كان من المفترض أن نبدأ بها هذه السلسلة من الحلقات، لكن فرضت مناسبة ذكرى رحيل عبدالناصر ثم الذكرى الـ44 لنصر أكتوبر أن نبدأ ذكرياته من قلبها ومن نقاط ذروتها، وعلينا أن نعود الآن إلى المشهد الأول ومرحلة البدايات، فلنستمع من جديد وننصت إلى الإذاعى الكبير صالح مهران:

 

أنا من مواليد حى الزيتون بالقاهرة لأسرة كانت مكونة من 11 أخا وأختا، وكنت واحدا من ضمن 9 أشقاء ذكور بالإضافة إلى شقيقتين، وكنت الوحيد منهم الذى اتجه للعمل الإعلامى، فليس فى أسرتنا (سوابق) فى المجال الإعلامى، الوحيد من أشقائى الذى اقترب من المجال عمل فى الإعلام العسكرى أو التوجيه المعنوى فى سنوات خدمته الأخيرة قبل إحالته إلى التقاعد برتبة اللواء، ولى شقيق آخر وصل للرتبة نفسها فى القوات المسلحة.

عشقت الراديو وأنا طفل صغير، شعرت بأنه صديقى المقرب، وكنت أجلس مسحورا بجوار الراديو فى "غرفة الجلوس" أستمع إلى برامجه فى شغف، وكنت معجبا بصوت وأداء الإذاعى الكبير عبدالوهاب يوسف، كان هو أستاذى الأول الذى تعلمت منه دون أن أراه، فعندما دخلت الإذاعة فى عام 1958 كان هو قد فارق الحياة، ومع ذلك ظللت متأثرا بطريقته فى أداء النشرات والبرامج!

وفى سنوات الطفولة والصبا كنت متعلقا بإذاعة (الشرق الأدنى) التى تبث من القدس قبل قيام دولة إسرائيل، وكان مديرها فى مصر الفنان الراحل متعدد المواهب السيد بدير، وكانت إذاعة جذابة سريعة الإيقاع، ومنها كنت أستمع لأحدث أغنيات عبدالوهاب ونجاة وليلى مراد وغيرهم من نجوم الطرب فى ذلك الزمان.. وظلت (الشرق الأدنى) من محطاتى المفضلة حتى يوم 29 أكتوبر 1956 عندما تحولت إلى (صوت بريطانيا) ونقلت مقرها إلى قبرص واستخدمها الإنجليز كأداة دعاية لهم فى العدوان الثلاثى على مصر، وكانت هى النواة التى قامت عليها هيئة الإذاعة البريطانية الـ"بى بى سى".

كنت مسحورا بهذا الصندوق وعالمه المسحور وأنتظر بجانبه حتى الواحدة ظهرا، حيث تنطلق صفارة البث معلنة عن بداية الإرسال.

بعد التوجيهية التحقت بقسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة القاهرة، وكنت ممن أسعدهم الحظ بالتتلمذ على يد عميد الأدب العربى طه حسين، ودرّس لى عامين، ولى صور معه أعتز بها كثيرا.. وكان من أساتذتى كذلك د.سهير القلماوى ود. شوقى ضيف.. أيام أن كان فى مصر أساتذة!

وعندما تخرجت فى عام 1958 اتجهت مباشرة إلى الإذاعة، وكنت مستعدا أن أعمل فيها بأى وظيفة، ولذلك قبلت العمل كموظف فى مكتبة الإذاعة، وفى 2 أغسطس 1958 كنت أنا وزميلة لى نتسلم العمل فى مكتبة الإذاعة بمقرها القديم بشارع الشريفين، وهذه الزميلة هى نفسها التى أصبحت فيما بعد نجمة من نجمات الإعلام المصرى واسمها.. أمانى ناشد!

كنت ممتعضا فى البداية من عملى كموظف، فقد كان طموحى منذ صغرى أن أجلس أمام الميكروفون أقدم نشرات الأخبار والبرامج، كما كنت أستمع إلى الأستاذ عبدالوهاب يوسف، لكن الحق أن عملى فى مكتبة الإذاعة بين الدواليب المكدسة بالأشرطة والأسطوانات أفادنى كثيرا فيما بعد، وجعلنى أفهم العمل الإذاعى وما يدور فى مطبخه.

وبعد شهرين فى مكتبة الإذاعة ذهبت لأداء الخدمة العسكرية، وظللت مجندا لمدة عام ونصف العام، وفى شهر مارس من عام 1960، وأثناء خدمتى بالجيش أعلنت الإذاعة المصرية عن حاجتها إلى مذيعين جدد، فقدمت فى المسابقة، وكانت اللجنة التى اختبرتنى تضم قامات مثل الأستاذ عبدالحميد الحديدى ود. مهدى علام رئيس مجمع اللغة العربية وكبير مهندسى الصوت طه نصر.

كان الامتحان على ثلاث جولات مدة كل منها ساعتان، وأنا أستخدم مصطلح (جولة) هنا متعمدا وقاصدا، فقد كان الامتحان أشبه بمعركة بلا مبالغة، كان عليك أن تدخل بمفردك، ثم تواجه هذه اللجنة المهيبة وتدخل معها فى حوار ثقافى فكرى علمى تاريخى لغوى، وفى كل ما تتخيله وما لا تتخيله من موضوعات وقضايا، وعليك أن تكون على قدر الحوار وأصحابه، وأزعم أننى أبليت بلاء حسنا، بدليل أننى نجحت فى اختبارات الإذاعة المصرية.. وهو أمر - يومها - لو تعلمون عظيم!

عملت برامج مهمة خلال سنوات عملى بالإذاعة، منها: وجها لوجه، وراء الميكروفون، مدينة على ضفاف النيل.. وغيرها، وأحزننى عندما عرفت أنها ضاعت للأبد، بعد أن استخدموا أشرطتها فى تسجيل برامج أخرى، للتغلب على أزمة الأشرطة التى عانت منها الإذاعة بعد النكسة، وكان حزنى مضاعفا على برنامج (مدينة على ضفاف النيل)، لأنه كان بمثابة وثيقة تاريخية لن تعوض، وجاءتنى فكرته بعد نصر أكتوبر العظيم، وقلت لنفسى إن هذا المصرى البسيط الذى هزم الجيش الإسرائيلى وعبر أصعب مانع مائى فى التاريخ، ومن قبله أسقط الإمبراطورية البريطانية التى لا تغرب عنها الشمس بعد حرب السويس 56، هذا الإنسان البسيط لماذا لا نذهب إليه ونقترب منه، ونرى كيف يعيش، ماذا يأكل ويشرب ويتغلب على صعوبات الحياة؟ وذهبت إليه فى كل المدن والأماكن وحاورته وعايشته، وقدمت نماذج شديدة الصدق والواقعية، وفى مهن شعبية: سواق حنطور، فخرانى (صانع أوان فخارية)، سواق قطار، حارس صندوق نذور فى مسجد.. نماذج مدهشة فى صدقها وواقعيتها وبلهجتها.. كان البرنامج كأنه وصف لمصر وناسها من جديد!

ولما رأى أستاذنا محمد فتحى حزنى على الأشرطة اقترح أن أذهب إلى نفس المدن والأماكن وأسجل مع شخصيات جديدة.. لكن الاقتراح بدا مستحيلا.. فقد كانت الدنيا قد تغيرت بعد ربع قرن، ولم يبق من البرنامج سوى الذكرى.. والتتر!

كانت عضوية الاتحاد الاشتراكى فى سنوات الستينات والسبعينات هى الطريق السريع إلى المناصب والترقيات والعلاوات، ومع ذلك رفضت الانضمام إلى أى تنظيم سياسى، لا الاتحاد الاشتراكى ولا منظمة الشباب، صحيح كنت (قرفان) منهم لكن السبب الحقيقى لعزوفى عنهم هو انشغالى الشديد فى العمل السينمائى، فقد كنت الصوت الدائم فى تترات وإعلانات الأفلام السينمائية، وكنت أتقاضى عشرين جنيها فى التتر الواحد وكانت مدته لا تزيد على دقيقتين، فى حين كان مرتبى من الإذاعة عن عمل يومى لمدة شهر بأكمله لا يتجاوز 28 جنيها، وهو أعلى رقم وصلت إليه فى الإذاعة قبل سفرى للعمل فى السعودية عام 1974، حيث لم يكن راتبى عند تعيينى عام 1961 يزيد على 15 جنيها!

كانت السينما هى باب السعد ومصدر الرزق الحقيقى لدخلى، فقد كنت أسجل ثلاثة أو أربعة تترات فى الأسبوع الواحد، وكانت السينما وقتها تنتج 120 فيلما فى السنة، ولما حسبتها وجدت أن (شغل) الاتحاد الاشتراكى هو بمثابة تضييع وقت ويقف عليّ بخسارة.. فاخترت السينما!

ولا أنسى حملة الهجوم التى تعرضت لها بسبب تتر فيلم "شنبو فى المصيدة" (من إنتاج عام 1968 وقام ببطولته فؤاد المهندس وشويكار ويوسف وهبى، قصة وحوار أحمد رجب وسيناريو صبرى عزت وأخرجه حسام الدين مصطفى، وحقق الفيلم نجاحا هائلا فى دور العرض وتفوقت إيراداته على أفلام مهمة كانت تعرض معه فى نفس التوقيت مثل "شىء من الخوف" و"الرجل الذى فقد ظله".

تعرض الفيلم لهجوم ساحق، واتهموه بالابتذال والتفاهة، وهاجمونى لأننى شاركت فى تلك (المهزلة) ووضعت صوتى على إعلان الفيلم.. ولم أهتم.. وواصلت مسيرتى فى السينما أو بالأدق إعلانات وتترات السينما، فلم أظهر على الشاشة سوى مرة وحيدة عندما اختارنى المخرج الكبير محمد فاضل لدور مذيع فى فيلم "كوكب الشرق"..

وهى فرصة لأستعيد ذكرياتى مع السيدة أم كلثوم.. فقد كان لى الشرف أن أشارك فى نقل حفلاتها على الهواء عبر الإذاعة المصرية.. ورأيت فى كواليسها ما يستحق أن يروى..

فى الحلقة الأخيرة:

كنت مذيعا لحفلات أم كلثوم ورأيت ما لم يره الجمهور.

فى مكتب ماهر أباظة أدركت أن زمن الإذاعة الذهبى انتهى!.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الإذاعى سعد القليعى: قضيت 30 سنة عاملاً ومتعلماً فى «أكاديمية ثقافية»

صممت على الانضمام للبرنامج الثانى بعد اختيارى فى «صوت العرب» اغرورقت عينا الأبنودى بالدموع وصوته تحشرج على الهواء بعد مقدمتى...

دينا عبدالمجيد: كنا أول من قدم الكتب الصوتية

الثقافة للجميع وليس النخبة فقط ليس لدينا أدوات كافية للتطوير ولا الدعاية اللازمة.. ونحتاج تسويق برامجنا نعتمد فى % 70...

أحمد حاتم: «الكلام على أيه ».. كوميديا جريئة

الفيلم يشجع على الزواج

النائب محمود حسين طاهر: تحريك الاسعار لم يُعرض علينا.. ودورنا تقييم الأراء

شركات الاتصالات مطالبة بتحسين الخدمة.. وسنحاسبها برلمانياً على زيادة الأسعار «الإنترنت» لم يعد رفاهية.. والدولة تعمل حالياً على مشروع ضخم...