يمثل صلاح عيسى ذلك الجيل الذى تفتح وعيه على ثورة يوليو، وكبر وكبرت أحلامه مع انتصاراتها، وانكسر وتعمقت انكساراته مع انكساراتها وهزائمها.. هو عنوان ونموذج لجيل أحب
يمثل صلاح عيسى ذلك الجيل الذى تفتح وعيه على ثورة يوليو، وكبر وكبرت أحلامه مع انتصاراتها، وانكسر وتعمقت انكساراته مع انكساراتها وهزائمها.. هو عنوان ونموذج لجيل أحب عبدالناصر وثورته، وعشق الثورة وعاش تفاصيلها الصغيرة والكثيرة، ثم داهمته الصدمة الكبرى مع نكسة 67، فتاهت به الدروب والطرقات.. الكاتب الكبير والمؤرخ المصرى الصميم صلاح عيسى يحكى لنا فى إجابات واضحة فيضا قبس من ثورة يوليو.
فى البداية.. ماذا تقول عن ثورة يوليو؟
- 23 يوليو قيمة كبيرة جدا، ليس فى مصر والمنطقة العربية والشرق الأوسط فقط إنما فى العالم كله، والذى لم يعش قبل 52 لم يعرف كيف كان المجتمع المصرى، ولا يستطيع أن يستوعب حجم التغيير الذى أحدثته ثورة يوليو. كان الفقر شديدا، وكانت ظاهرة «الحفاء»، وأن يمشى المصريون الفقراء فى الشارع حفاة تكفى مثلا لكى تعبر عن الوضع المزرى الذى كان يعيشه المصريون قبل الثورة، وكانت هناك ظاهرة «لمام السبارس»، أى الشخص الذى يجمع أعقاب السجائر لكى يستخرج منها بواقى التبغ لاستخدامها فى السجائر اللف بعد ذلك، لانه لا يجد ما يقتات منه غير هذا العمل.. ولا يستطيع أحد عاش قبل الثورة أن يستوعب مثلا أن يصبح ابن فلاح بسيط أو عامل بسيط أستاذا جامعيا أو قاضيا أو مسئولا أو وزيرا، لكن الثورة حققت هذا التغيير الهائل.
فى رأيك، ماذا يعنى إطلاق اسم محمد نجيب على أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط؟
إطلاق اسم محمد نجيب على أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط وقبلها إطلاق اسم عبدالناصر والسادات على حاملتى طائرات، يعنى تقديرا واعترافا بالأدوار التاريخية التى لعبها هؤلاء القادة، وتحقيق نوع من المساواة بينهم رغم اختلاف الآراء واختلاف المؤرخين حولهم، فكل منهم لعب دوره الوطنى، أما التفاصيل والاختلافات فهى محل دراسات المؤرخين.
أين وثائق ثورة يوليو؟
- معظمها موجود، وهناك وثائق كثيرة عن الثورة موجودة ضمن الوثائق البريطانية، لكن هناك جزءا آخر لم يكن مدونا خاصة محاضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة، لأن كمال الدين حسين سكرتير المجلس وقتها لم يكن يحتفظ فيما يبدو بأوراق هذه المحاضر، وبعضها قد يكون موجودا فى بعض الأوراق الخاصة ببعض الوزارات، ولا ننسى أن السادات بعد توليه السلطة كان يقوم كل عام بحرق بعض الأوراق والمستندات، لكن ما لم يكتب أو يحتفظ به كان وثائق غير أساسية، والوثائق المهمة موجودة بشكل كبير.
حدثنا عن الخلاف بين عبدالناصر ومحمد نجيب من وجهة نظرك، وهل كان خلافا فى وجهات النظر السياسية أم صراعا على السلطة.. وهل كان بسبب أن نجيب كان يريد تحقيق الديمقراطية؟
ورقة الديمقراطية هذه محل خلاف، استخدمها معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، ونجيب كان معه خالد محيى الدين ويوسف صديق فى مسألة الديمقراطية السياسية والحزبية، أما الديمقراطية الاجتماعية فقد كانت هى الأهم فى نظر الكثيرين فى ذلك الظرف التاريخى، لأنها تعطى مردودا واضحا للشعب فى حياته وأوضاعه المعيشية والاقتصادية، يعنى أن يقوم عبدالناصر باتخاذ قرار الإصلاح الزراعى بعد بضعة أسابيع من قيام الثورة فهذا منجز اجتماعى واقتصادى هائل، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية كان خيارا مطلوبا ومهماً، ومصر لم تكن خارجة عن السياق العام لثورات التحرر فى ذلك الوقت، ومسألة الخيارات الشريرة هذه هى إحدى إشكاليات يوليو وثورات التحرر الوطنى، بمعنى أنه فى حال تحقيق الديمقراطية السياسية ما كان ممكنا تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، والعكس صحيح تماما، والتاريخ ليس فيه كلمة «لو».
هذا يقودنا إلى مسألة الحريات التى أغفلها عبدالناصر وثورة يوليو..
كان حجم المؤامرات الخارجية على الثورة كبيرا، وكانت هواجس الأمن كثيرة، وفى البداية كان الهدف هو تأمين الثورة ضد المؤامرات، ثم تأمين النظام، وتدريجيا انعكس الأمر على مسألة الحريات، وتدهورت الأمور وتم التعامل مع الأمر كأنه من الضرورات التاريخية.
عبدالناصر والإخوان.. عنوان كبير نريد أن نعرف عنه بعض التفاصيل منك كمؤرخ وكاتب؟
عبدالناصر كان عضوا بالإخوان فى عام 44 وحتى أوائل عام 45، وحين ذهب إلى الفلوجة وعاين ورأى ما حدث فى حرب 48 فكر فى إنشاء تنظيم الضباط الأحرار الذى أنشأه أواخر عام 49، لتتشكل محطة أخرى فى مساره الطويل.. وبعد الثورة وحين قرر عبدالناصر فى مارس 54 حل الأحزاب والإطاحة بالحياة الحزبية تلقى الإخوان هذا الأمر بمزيد من الارتياح، ورأوا أنها فرصة لهم لكل يستولوا على الساحة ويصبحوا الحزب الوحيد.. وكان عبدالناصر طويل البال معهم.. ثم حدث الخلاف الكبير وأدرك عبدالناصر أطماعهم حين أصروا على تشكيل لجنة بينهم وبين مجلس قيادة الثورة تعرض عليها قرارات المجلس، وتكون لها سلطة الرقابة على قرارات مجلس قيادة الثورة.. أيضا أدرك عبدالناصر حجم أطماع الإخوان وتهديدهم للدولة، وعبدالناصر كان لديه أفكار واضحة عن الدولة وعن الدعوة، وكيف أن فكرة الدولة لا تصلح إقامتها بناء على الدعوة الدينية، وكان يحترم القيم الدينية والإسلامية من ناحية، ويرى أن إقحامها فى أمور السياسة لا يصلح على الإطلاق من ناحية أخرى.. وقد أدرك عبدالناصر وكان مقتنعا تماما بأن الجيش ينبغى أن يقوم بحركته الوطنية انحيازا للشعب، لكنه لا يجوز له أبدا أن يتحزب، وكان خلافه مبكرا مع عبدالمنعم عبدالرؤوف عضو مجلس قيادة الثورة، وكان إخوانيا عتيدا يريد أن يتحالف الضباط الأحرار مع الإخوان وينضووا تحت عباءتهم.
وماذا عن عبدالناصر والشيوعيين؟
من ضمن أخطاء عبدالناصر الكبيرة أنه اصطدم بالقوى الراديكالية التى كانت تقف معه فى خندق واحد، ومنها الشيوعيون.
ومع ذلك كان الشيوعيون يبدون إعجابهم بعبد الناصر رغم أنه أدخل الكثيرين منهم إلى السجون؟
- لأن المسألة لم تكن فى نظرهم خلافا مع شخص عبدالناصر، هم كانوا منحازين للأفكار التى يمثلها عبدالناصر ولنزعته الوطنية، ومع ذلك ففى بداية قيام الثورة بالغ الشيوعيون فى مطالبهم من عبدالناصر، ورأوه عميلا للأمريكان، ثم أدركوا بعد ذلك وطنيته الكبيرة. وهنا أذكر أننا كنا فى معتقل طرة أواخر أيام عبدالناصر، وكان عددنا يتراوح ما بين عشرين وثلاثين معتقلا، ما بين إخوان ويساريين، وجاءنا خبر وفاة عبدالناصر، وانتابنا نحن اليساريين حزن عميق، بينما كان الإخوان سعداء برحيل ناصر، وقررنا إرسال برقية إلى السادات نعزيه ونعزى الوطن فى وفاة عبدالناصر، ونناشده أن تستمر مصر فى نهجها وخطها الوطنى وسياساتها المعادية للاستعمار كما كانت أيام عبدالناصر، واختارنى المعتقلون للذهاب إلى عبدالعال سلومة مأمور السجن لكى أتفاوض معه بشأن إرسال البرقية، وتحدثت معه بشأن البرقية ومضمونها فقال لى: «ومن قال لك إن مصر ستستمر على نهج عبدالناصر؟»، وقلت له: «إذا كنت تخشى أن تعاقب وتخصم منك بعض الجنيهات إذا أرسلت لنا البرقية فسنجمع ما يخصم منك».. واعتبر سلومة الأمر استهزاء به وتحديا له، فقام بحملة تفتيش فى اليوم التالى للواقعة، وقرر أن يحبسنى انفراديا بتهمة حيازة أوراق لتأليف كتاب عن الثورة العرابية. لقد كنا نحب عبدالناصر بصدق، وكنا نؤمن بوطنيته، ولا بد أن كل من رأى جنازة هذا الزعيم أدرك كم أحبه المصريون، وكم حزنوا لفراقه، وجنازة عبدالناصر كانت مشهدا عظيما فعلا. والمشهد الآخر الذى يدل على حب المصريين لعبدالناصر هو حين خرجوا بعد قراره بالتنحى عقب النكسة يطالبونه بالبقاء، ويعلنون كامل ثقتهم فيه، ولكى تعرف ماذا كان يمثل عبدالناصر لأبناء الشعب المصرى وللطبقات الوسطى والفقيرة مثلا أننى كواحد من أبناء الطبقة الوسطى تخرجت عام 1961، وانتظرت فقط 6 أشهر لكى يأتينى قرار التعيين، وذلك كان منجزا آخر من منجزات ثورة يوليو وعبدالناصر.
أخيرا.. ماذا تقول عن عبدالناصر؟
ما قاله الشاعر العراقى الكبير محمد مهدى الجواهرجى: «كان عظيم المجد.. عظيم الأخطاء».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مصر صامدة.. وندير الأمور وفق رؤية استراتيجية للقيادة السياسية الحكومة مطالبة بخفض أسعار الطاقة حال تراجعها عالمياً
منذ نشأة الإذاعة المصرية كانت ولا تزال لجنة اختبار القراء والمبتهلين بها هى بوابة المرور الرسمية للأصوات الندية.. وظل حلم...
تعلمت ممن سبقونى أن الصوت يصنع الفارق.. والكلمة تبنى الوعى
بدور "حسنة" بنت البلد الجدعة، خاضت النجمة سهر الصايغ سباق رمضان الماضى.. تركيبة غريبة وجديدة، قدمتها على طريقتها الخاصة، فقد...