لم تعد كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، ولم تعد صافرة الحكم وحدها هى التى تحدد مصير المباريات.. فخلف المدرجات الصارخة، وشاشات التليفزيون التى يتابعها مليارات المشاهدين، تدور معركة أخرى أكثر تعقيداً.. معركة تتحرك فيها مليارات الدولارات عبر أسواق المراهنات العالمية، القانونية منها وغير القانونية، وسط تحذيرات متزايدة من خبراء النزاهة الرياضية، وهيئات مكافحة غسيل الأموال، ووسائل إعلام دولية، من أن تتحول البطولة الأكبر فى العالم إلى هدف دائم لشبكات غسيل الأموال.
50 مليار دولار حصيلة المـراهنات فـى كـأس العـالم 2026
الذكاء الاصطــناعى يسـاهم فى توسيع قاعدة المراهنات
نزاهة كأس العالم.. عنـدما يطارد المال الحرام أغلى بطولة كروية
التكنولوجيا.. السلاح الجديد لشبكات المراهنات
خريطة أكبر أسواق المراهنات فى العالم
صحف ومؤسسات إعلامية عالمية، من بينها رويترز وفاينانشيال تايمز والجارديان وبى بى سي، تناولت خلال السنوات الأخيرة التوسع الهائل فى أسواق المراهنات الرياضية، حذرت من استغلال البطولات الكبرى فى عمليات غسيل الأموال والمراهنات غير المشروعة، مشيرة إلى أن حجم الأموال المتداولة فى المباريات الكبرى يجعل الرقابة أكثر صعوبة، ويمنح الشركات غير القانونية فرصاً واسعة لإخفاء مصادر الأموال وإعادة تدويرها، حيث بلغت قيمة المراهنات بأنواعها ما يقرب من 570 مليار دولار سنويا، منها 50 مليار دولار تم تداولها فى كأس العالم 2026.
كما حذرت تقارير صادرة عن منظمات دولية متخصصة فى النزاهة الرياضية، مثل Sportradar Integrity Services وUnited Lotteries for Integrity in Sports (ULIS)، من أن البطولات الكبرى تظل هدفاً لمحاولات التلاعب والمراهنات المشبوهة، الأمر الذى يستدعى تعاوناً مستمراً بين الاتحادات الرياضية والجهات الأمنية والرقابية.
ورغم إعلان الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) عن برامج لمراقبة نزاهة المباريات والتعاون مع جهات متخصصة فى رصد أنماط المراهنات غير الطبيعية، فإن الجدل لا يتوقف مع كل نسخة من كأس العالم.. فكلما ارتفعت قيمة سوق المراهنات، ازدادت التساؤلات حول قدرة المنظومة الرياضية الدولية على حماية أهم بطولاتها من تأثير المال غير المشروع.
"الإذاعة والتليفزيون" تفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية فى الرياضة الحديثة، مستندة إلى تقارير منظمات دولية وما نشرته وسائل الإعلام العالمية، لتطرح سؤالاً مشروعاً: هل ما زالت نتيجة المباراة تُحسم داخل المستطيل الأخضر فقط.. أم أن عالم المراهنات أصبح لاعبا خفيا يفرض حضوره على أكبر بطولة كروية فى العالم؟
على مدار شهر كامل، عاش ملايين البشر فى جو ممتع مع كأس العالم باعتبارها أعظم احتفال رياضى على وجه الأرض، حيث تتصارع المنتخبات من أجل المجد والتاريخ وجنى الأموال، وتكتب الجماهير أجمل حكايات من الشغف والانتماء.. لكن خلف الأضواء الصاخبة والمدرجات الممتلئة والمشجعين والكئوس اللامعة، التى تصبح بعد ذلك ذكرى وتاريخا، تدور معركة أخرى فى الخفاء لكنها أكثر خطورة.. معركة تتحرك فيها مليارات الدولارات عبر أسواق المراهنات العالمية، الرسمية منها وغير الرسمية، وسط تحذيرات متكررة من تحول كرة القدم إلى ساحة تستغلها شبكات غسيل الأموال والجريمة المنظمة.
خلال النسخ الأخيرة من كأس العالم، لم تعد المراهنات مجرد نشاط ترفيهى أو صناعة قانونية تضيف للاقتصاد الرياضى المورد من الأهمية فى بعض الدول، بل أصبحت قضية شائكة وخطيرة تتصدر تقارير المؤسسات الرقابية وتحقيقات وسائل الإعلام العالمية، التى حذرت من استغلال البطولات الكبرى فى عمليات مالية مجهولة المصدر عبر منصات إلكترونية قانونية وأخرى تعمل خارج الأطر التنظيمية، والقانونية مستفيدة من الحجم الهائل للتداولات المالية مع كل مباراة.
وتحدثت تقارير إعلامية دولية عن أن الأسواق غير المشروعة للمراهنات تمثل تحدياً حقيقياً أمام نزاهة المنافسات الرياضية، إذ يصعب تتبع مصادر الأموال أو حركة المعاملات فى كثير من الأحيان، وهو ما دفع هيئات دولية وخبراء فى مكافحة غسيل الأموال إلى المطالبة بتشديد الرقابة والتعاون بين الاتحادات الرياضية والأجهزة الأمنية والجهات المالية.
وفى المقابل، يواجه الاتحاد الدولى لكرة القدم الذى طالته نيران الشبهات فى الفترة الأخيرة اختباراً صعبا للحفاظ على نزاهة البطولة، من خلال التعاون مع الجهات المختصة ووحدات مراقبة نزاهة المباريات لرصد أى أنشطة أو مراهنات مشبوهة قد تؤثر فى المنافسة.. ورغم الإجراءات التى يعلن عنها الفيفا وشركاؤه بصورة دورية، فإن الانتقادات الإعلامية تتجدد مع كل نسخة من كأس العالم، مطالبةً بمزيد من الشفافية والإفصاح والرقابة على التدفقات المالية المرتبطة بصناعة المراهنات فى كرة القدم.
والحكاية تبدأ من هنا.. حيث يتسابق المشجعون للعثور على عروض تذاكر وباقات مميزة عبر الإنترنت قبل انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.. ونتيجة لذلك، يجد مجرمو الإنترنت فرصة ذهبية لانتحال مواقع إلكترونية تابعة للفيفا وسرقة المعلومات الشخصية والمالية على مستوى العالم. وقد أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالى (FBI) تحذيراً بشأن مواقع إلكترونية مزيفة تنتحل صفة منصات كأس العالم الرسمية 2026، حيث تظهر كصفحة تذاكر مزيفة أو عملية احتيال ثم نكتشف أنها تتحول إلى سرقة هوية، أو مدفوعات غير مصرح بها، أو نشاط إجرامى مشبوه.
غالبا ما تخلق الأحداث الرياضية الكبرى خاصة المرتبطة بكرة القدم طلباً فورياً وحالة من الاستعجال لدى الجماهير الشغوفة باللعبة والمراهنات.. وهذا ما يستغله المحتالون لبناء شبكة احتيال سريعة الانتشار. فعلى سبيل المثال، يقوم المجرمون بإنشاء مواقع إلكترونية مزيفة مطابقة تماما العلامة التجارية الرسمية لكأس العالم FIFA 2026 لسرقة المعلومات الحساسة باستخدام أسماء نطاقات واقعية والترويج لعروض تبدو مشروعة.
وبحسب تقرير شركة "فورتينت"، فإن أكثر من 13000 موقع إلكترونى متعلق بكأس العالم تم تسجيل رسائل فيها ما بين يناير ومايو، تبين أن 8% منها رسائل خبيثة أو مشبوهة. ونتيجة لذلك، قد يقتنع مشجعو كرة القدم الباحثون عن صفقات فى اللحظات الأخيرة بإدخال تفاصيل الدفع أو معلومات جواز السفر أو غيرهما.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاحتيال يبدو بسيطًا فى البداية، فإنه ينطوى على جوانب عديدة.. قد يخسر العميل أمواله أو يُفصح عن معلومات حساسة، لكن الأخطر أن يتجاوز الأمر نقطة البيع. فمع مرور الوقت، قد ينتشر هذا السلوك الاحتيالى إلى المؤسسات المالية، وشركات التكنولوجيا المالية، والأسواق الإلكترونية، ومقدمى خدمات الدفع، والتى تعتبر هذه المعلومات القيّمة كنزًا ثمينًا للمجرمين الساعين إلى فتح حسابات جديدة، والتحايل على القوانين.
فرغم أن الشركات الخاضعة للرقابة قد لا تتعامل مباشرة مع المواقع الإلكترونية المزيفة، فإنها ستلاحظ وجود علاقة بينها وبين فتح حسابات جديدة بهويات مزيفة، أو الاستيلاء على حسابات، أو عمليات غسيل أموال تظهر فى عملياتها.. وهنا تكمن مخاطر غسل الأموال التى تدور أحداثها من وراء التذاكر المزيفة والبيانات المسروقة فى المونديال.
وأكد خبراء الاقتصاد والمعاملات المالية أن مشروع "كأس العالم لكرة القدم 2026" يُعدّ فريدًا من نوعه، لأنه لا يرتبط بغرامات مصرفية أو تسويات تنظيمية أو انتهاكات للعقوبات.. إنه بمثابة تنبيه عام بشأن مواقع إلكترونية تنتحل صفة صفحات حقيقية، وتضلل المشجعين، وتجمع معلومات شخصية أو مالية.
ولهذا، أصدرت السلطات الكندية تحذيرات تحثّ المشجعين الكنديين أو غيرهم على توخى الحذر من عمليات الاحتيال المرتبطة بكأس العالم.
ويكمن الأثر الحقيقى لمكافحة غسل الأموال فى مراحل لاحقة ويحدث هذا بعد خداع الضحية الأولى وتحويل الأموال الاحتيالية. وغالبا ما تُحوّل المدفوعات عبر حسابات وسيطة، أو حسابات متعددة وبنوك مختلفة أو محافظ عملات رقمية، أو حسابات جديدة بهويات مزيفة.. لذا، تُصعّب هذه الخطوات عملية تتبع الأموال.
وهو ما أكدته وسائل إعلام عالمية، حيث ذكرت تقارير صحفية أن مكتب التحقيقات الفيدرالى (إف بى آي) ووزارة العدل الأمريكية يحققان مع مسئولين فى الاتحاد الأرجنتينى لكرة القدم بشأن العمليات المالية للاتحاد، بعد نقل ملايين الدولارات عبر البنوك الأمريكية بلغت 300 مليون دولار.
وذكرت صحيفة "لاناسيون" الأرجنتينية أن المدعين الفيدراليين بدأوا فى أخذ اعترافات بشأن العملية المالية للاتحاد الأرجنتينى لكرة القدم داخل الولايات المتحدة.
ويسعى محققو وزارة العدل إلى فهم كيفية عمل الاتحاد الذى يرأسه كلاوديو تشيكى تابيا داخل الولايات المتحدة، وكيف مرّر مئات الملايين من الدولارات عبر النظام المالى الأمريكي، وما إذا كانت بعض تلك العمليات قد استخدمت فى ارتكاب جرائم تدخل ضمن الاختصاص القضائى الأمريكي أم لا.
وكان أحد أبرز المشاركين فى إحدى هذه الجلسات رجل الأعمال جييرمو توفوني، وقد عُقد الاجتماع عبر "زوم"، واستمر ثلاث ساعات، وشارك فى اللقاء مدعون فيدراليون وعملاء من "إف بى آي" يعملون فى واشنطن وميامي، ويحققون فيما إذا كانت بعض العمليات المرتبطة بالاتحاد الأرجنتينى قد تشكل جرائم مثل غسيل الأموال أو الاحتيال عبر النظام المصرفى الأمريكي أم لا.
الصحيفة تمكنت من معرفة أن المحققين الأمريكيين يبحثون عن شهود لديهم معرفة مباشرة بما جرى خلال إدارة تابيا وبابلو توفيجينو للاتحاد الأرجنتينى لكرة القدم، وكذلك لإدارة شركة "تور برود إنتر إل إل سي" التابعة للمنتج المسرحى خافيير فاروني، والتى تولت تحصيل عائدات العقود التجارية الخاصة بالاتحاد فى الخارج.
ومن بين الشهود المحتملين، يدرس محققو وزارة العدل أيضا استدعاء مسئولين سابقين فى حكومة خافيير ميلى كانت لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة تتعلق بالاتحاد الأرجنتينى لكرة القدم، أو شاركوا فى الإشراف أو الرقابة على عملياته خلال السنوات الأخيرة.
من هنا تبدأ الحكاية
بدأت المراهنات الرياضية فى صورتها الحديثة داخل محلات الرهانات فى أوروبا خلال القرن العشرين، ثم شهدت توسعا مع تقنينها فى عدد من الدول. ومع انتشار الإنترنت فى نهاية التسعينيات، انتقلت إلى المنصات الإلكترونية، لتصبح صناعة عالمية عابرة للحدود.
بدأت المراهنات الرياضية بصورتها الحديثة فى محلات الرهانات بأوروبا خلال القرن العشرين، ثم توسعت تدريجيا مع تقنينها فى عدد من الدول.. ومع انتشار الإنترنت فى أواخر التسعينيات، انتقلت إلى المنصات الإلكترونية، لتتحول إلى صناعة عالمية عابرة للحدود.
أبرز المحطات
قبل عام 2000، كان الاعتماد على المتاجر والمحلات المتخصصة فى الرهانات التقليدية.. وكانت هناك أسواق محلية محدودة ورقابة ورقية وبطيئة.
من عام 2000 إلى 2010، بدأت عملية انطلاق مواقع المراهنات عبر الإنترنت، وزيادة عدد الشركات الدولية، وبدأ تطبيق أنظمة لمراقبة النزاهة الرياضية.
ومن عام 2010 – 2020 بدأ الانتشار الإلكترونى وظهور تطبيقات الهواتف الذكية، وتوسع التعاون بين FIFA والإنتربول والهيئات المختصة، ليخلق كل ذلك نمو المراهنات المباشرة أثناء المباريات.
وخلال السنوات الست الماضية من 2020 – 2026 تطورت العملية لتشهد توسعا عالميا غير مسبوق باستخدام الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات الضخمة.
وفى المقابل، تم تشديد الرقابة على أسواق المراهنات غير القانونية، بعد ظهور ارتفاع كبير فى حجم المراهنات خلال البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم.
وكلما تطورت صناعة المراهنات، تطورت فى المقابل أدوات حماية نزاهة الرياضة، لتصبح الرقابة الرقمية والتعاون الدولى عنصرين أساسيين فى حماية المنافسات.
ومع تطور صناعة المراهنات، تطورت فى المقابل أدوات حماية نزاهة الرياضة، لتصبح الرقابة الرقمية والتعاون الدولى عنصرين أساسيين فى صون المنافسات الرياضية.
والسؤال الذى يطرح نفسه: كيف استغلت شركات المراهنات وغسيل الأموال التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى؟.. فلم تعد شبكات المراهنات غير القانونية تعتمد على الأساليب التقليدية فقط، بل استفادت خلال السنوات الأخيرة من التطور التكنولوجى لتوسيع نشاطها والوصول إلى مستخدمين فى مختلف أنحاء العالم خلال ثوانٍ معدودة.
فمع انتشار الهواتف الذكية، والعملات الرقمية، والمنصات العابرة للحدود، أصبحت بعض الشبكات غير المشروعة قادرة على إدارة عمليات مالية معقدة بعيدًا عن الرقابة التقليدية، وهو ما دفع أجهزة إنفاذ القانون والمنظمات الدولية إلى اعتبار المراهنات غير القانونية أحد المجالات التى قد تستغلها الجريمة المنظمة.
فقد أتاحت التكنولوجيا الحديثة فرصا هائلة لتطوير صناعة المراهنات القانونية، لكنها فى الوقت نفسه خلقت تحديات أمام الجهات الرقابية، حيث يمكن للمنصات غير المرخصة أن تعمل عبر خوادم فى دول مختلفة، وتستهدف مستخدمين من أسواق متعددة.
ومن أبرز التحديات التى تواجه الجهات الرقابية صعوبة تحديد أماكن تشغيل بعض المنصات غير القانونية، وسرعة انتقال الأموال إلكترونيًا بين دول مختلفة، واستخدام تقنيات حديثة لإخفاء هوية بعض المتعاملين، وانتشار الإعلانات الرقمية التى تصل إلى جماهير واسعة.
ولهذا، أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات جزءًا أساسيًا من أدوات مكافحة المخاطر، من خلال متابعة أنماط المراهنات ورصد التحركات غير المعتادة التى قد تستدعى الفحص والتحقيق.
غسيل الأموال.. الوجه الأخطر للنشاط غير القانونى
تحذر تقارير دولية صادرة عن جهات مثل الإنتربول ومكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة (UNODC) من أن بعض الأسواق غير القانونية قد تُستغل فى عمليات مالية غير مشروعة، ومنها محاولة إخفاء مصادر الأموال أو تمرير معاملات معقدة عبر شبكات متعددة.
وتكمن خطورة هذه الأنشطة فى أن الأموال غير المشروعة قد تتحرك عبر عدد كبير من الحسابات والمنصات، مما يجعل تتبع مصدرها أكثر صعوبة، خصوصا عندما تعمل الشبكات عبر حدود دولية مختلفة، وهو ما حدث فى قضية رئيس الاتحاد الأرجنتينى فى بنوك أمريكا.
وتمثل البطولات العالمية، مثل كأس العالم، فرصة اقتصادية ضخمة بسبب ملايين المشاهدين حول العالم، وكثافة المباريات والأحداث، والاهتمام الإعلامى الهائل، وزيادة حجم التداولات المالية المرتبطة بالرهانات.
ولهذا، ترفع المؤسسات الرياضية والأمنية مستوى المراقبة خلال البطولات الكبرى، بهدف اكتشاف أى أنشطة غير طبيعية والتعامل معها عبر القنوات القانونية.
ولا تكمن القضية فى وجود سوق مراهنات منظمة تخضع للقوانين فى بعض الدول، وإنما فى الأنشطة غير القانونية التى قد تهدد سمعة الرياضة وثقة الجماهير.
ولهذا، أصبحت حماية نزاهة كرة القدم تعتمد على منظومة متكاملة تجمع بين الرقابة المالية، والتعاون الدولي، وتحليل البيانات، وتطبيق القوانين، وتوعية اللاعبين والحكام والمسئولين.
وفى النهاية، فإن أكبر خسارة يمكن أن تتعرض لها كرة القدم ليست خسارة مباراة، بل خسارة ثقة الجماهير التى جعلت اللعبة الأكثر شعبية فى العالم.
وهو ما يثبت أن قضية المراهنات الرياضية ليست مجرد نقاش اقتصادى حول صناعة تحقق مليارات الدولارات، بل تحولت إلى ملف عالمى يتعلق بمستقبل نزاهة الرياضة.. فقد تناولت وسائل إعلام دولية كبرى المخاطر التى قد تنتج عن توسع الأسواق غير القانونية، خاصة مع تحول كرة القدم إلى سوق رقمية ضخمة تجذب أموالًا واستثمارات من مختلف أنحاء العالم.
فقد تناولت هيئة الإذاعة البريطانية BBC فى تقاريرها حول التلاعب بالمباريات العلاقة بين توسع أسواق المراهنات وانتشار مخاطر التأثير غير المشروع على المنافسات، مشيرة إلى أن الانتقال إلى الأسواق الرقمية جعل الرهانات أكثر انتشارًا وعالمية، وهو ما دفع المؤسسات الرياضية إلى تطوير أدوات الرقابة.
كما أشارت BBC إلى أن شركات مراقبة النزاهة تستخدم أنظمة تحليل بيانات لمتابعة أعداد ضخمة من المباريات ورصد الأنماط التى قد تستدعى التحقيق.
وركزت التقارير الصحفية العالمية على أن البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، أصبحت هدفًا اقتصاديًا ضخمًا بسبب حجم المتابعة الجماهيرية، الأمر الذى يفرض ضرورة وجود رقابة أكثر قوة على حركة الأموال والرهانات.
وتناولت التغطيات الدولية أن الخطر الأكبر لا يرتبط بالمراهنات المنظمة الخاضعة للقانون، وإنما بالأسواق غير القانونية التى تعمل بعيدًا عن الرقابة، والتى قد تكون أكثر عرضة للاستغلال من قبل شبكات الجريمة المنظمة.
أكدت التقارير الدولية أن مكافحة مخاطر المراهنات تحتاج إلى تعاون بين الاتحادات الرياضية، وأجهزة إنفاذ القانون، والهيئات الرقابية، وشركات مراقبة النزاهة الرياضية.
فالهدف ليس الحكم على أى مباراة أو بطولة دون دليل، وإنما بناء منظومة قادرة على اكتشاف أى مخالفات عند ظهور مؤشرات تستوجب التحقيق.
واللافت للنظر أنه مع اتساع حجم كأس العالم 2026 من حيث عدد المنتخبات والمباريات والجمهور، أصبح الحفاظ على نزاهة المنافسات تحديًا أكبر أمام المؤسسات الرياضية.
فالرهان الحقيقى فى هذه البطولة لا يتعلق فقط بالأهداف والانتصارات، بل بقدرة كرة القدم العالمية على حماية أهم ما تملكه: ثقة الملايين من المشجعين حول العالم.
وتبقى الرسالة الأساسية التى تتفق عليها الصحافة الرياضية العالمية:
كلما تضخمت الأموال حول اللعبة، أصبحت الحاجة إلى الشفافية والرقابة أكثر إلحاحا.
كيف غيّرت الفضائح منظومة كرة القدم؟
لم يكن الحديث عن مخاطر المراهنات والتلاعب بالمباريات مجرد تحذيرات نظرية، فقد شهدت كرة القدم خلال العقود الماضية قضايا موثقة دفعت الاتحادات الرياضية وأجهزة تنفيذ القانون إلى إعادة النظر فى منظومة حماية نزاهة المنافسات.
ففى عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، كشفت تحقيقات جنائية عن شبكات استهدفت مباريات فى بطولات محلية، واعتمدت على المراهنات غير القانونية لتحقيق أرباح غير مشروعة.. وأسفرت تلك التحقيقات عن القبض على متهمين، وإصدار أحكام قضائية، وفرض عقوبات رياضية على أندية أو مسئولين أو لاعبين فى بعض الحالات، وفقا لما انتهت إليه التحقيقات والأحكام القضائية.
ولعبت أجهزة الشرطة الدولية، وفى مقدمتها الإنتربول، دورًا مهمًا فى تنسيق عمليات عابرة للحدود استهدفت شبكات المراهنات غير القانونية، بالتعاون مع سلطات تنفيذ القانون فى عدد من الدول.. كما أسهمت شركات متخصصة فى مراقبة النزاهة الرياضية فى رصد أنماط مراهنات غير اعتيادية، كانت فى بعض القضايا نقطة البداية لفتح تحقيقات رسمية.
وتؤكد التجارب الدولية أن حماية كرة القدم لا تعتمد فقط على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، بل على بناء منظومة وقائية وتوعوية تشمل التوعية، والرقابة الرقمية، وسرعة تبادل المعلومات، وتدريب اللاعبين والحكام والإداريين على الإبلاغ عن أى محاولات للتأثير غير المشروع.
كما دفعت هذه القضايا العديد من الاتحادات الرياضية إلى تشديد لوائحها، وتوسيع التعاون مع الحكومات والنيابات العامة وأجهزة مكافحة الجريمة المنظمة، إدراكا لأن التلاعب بالمباريات لا يهدد نتيجة مباراة واحدة فحسب، بل يهدد ثقة الجماهير فى اللعبة بأكملها.
ويجمع خبراء القانون الرياضى على أن النزاهة أصبحت ركيزة أساسية لاستمرار كرة القدم كرياضة تحظى بثقة الملايين.. فكلما كانت الرقابة أكثر تطورًا، والعقوبات أكثر حسمًا، والتعاون الدولى أكثر فاعلية، تقلصت فرص استغلال الرياضة فى أنشطة غير مشروعة.
ستظل كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية فى العالم، لكن شعبيتها تفرض مسئولية مضاعفة على جميع الأطراف لحماية نزاهتها. وبين النمو الاقتصادى الكبير لصناعة المراهنات، والتقدم المستمر فى أدوات الرقابة، يبقى التحدى الحقيقى هو الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث تُحسم المباريات داخل المستطيل الأخضر، وفق أداء اللاعبين والقوانين، لا وفق أى تأثيرات خارجية أو أنشطة غير مشروعة.
أرقام وإحصائيات
وفق تقرير IBIA لعام 2024، بلغت قيمة سوق المراهنات الرياضية العالمية (باستثناء سباقات الخيل والكلاب) نحو 94.3 مليار دولار من الإيرادات الإجمالية، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 132 مليار دولار بحلول عام 2028.. كما يشير التقرير إلى أن كرة القدم تمثل أكبر نسبة من السوق، بإيرادات تقدر بنحو 53 مليار دولار، وأن حجم التداول على مراهنات كرة القدم يصل إلى نحو 570 مليار دولار سنويا.
وبالنسبة لكأس العالم 2026، أشارت تقديرات محللين نقلتها وكالة رويترز إلى أن إجمالى الرهانات العالمية على البطولة قد يتجاوز 50 مليار دولار، مدفوعا بزيادة عدد المنتخبات والمباريات مقارنة بالنسخ السابقة.
أما الشركات الكبرى التى يمكنك ذكرها باعتبارها من أبرز الشركات العاملة فى الأسواق المنظمة عالميا للمراهنات فهى Flutter Entertainment (وتضم علامات تجارية متعددة)، وDraftKings، وEntain، وbet365.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم تعد كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، ولم تعد صافرة الحكم وحدها هى التى تحدد مصير المباريات.. فخلف المدرجات...
ميسى يودع العرش ومبابى الهداف المرعب.. وبطـولة الفلـوس والإعلانات تفتح باب الجدل
الإنتربول يحقق مع شركات غسيل الأموال 50 مليار دولار حجم المراهنات فى المونديال
حســام حسـن.. روح وعزيمة وإصرار وموهبة