الملحمة علمتنا أن النصر لا يُمنح بل يُنتزع والتحديات المعاصرة تحتاج إلى روح أكتوبر مفاتيح النصر تمثلت فى يقين بالله وتخطيط مُحكم وعمل مخلص وتماسك الجبهة الداخلية سيناء لم تسقط من بنك الأهداف الإسرائيلى قبل وبعد حرب أكتوبر.. باعتراف وايتمان وديَّان
قبل أكتوبر 73، هل كان ممكنًا تجاوب تل أبيب مع صوت السلام بلا حرب؟.. ربما شغل السؤال والإجابة عليه المراقبين داخل وخارج إسرائيل؛ لا سيما فى ظل حقيقة تشهد عليها وقائع التاريخ، وتشى بعدم قبول الجينات المصرية تفريطًا فى ترابها الوطنى.
ولعل وزير الدفاع موشى ديَّان أدرك تلك الحقيقة بقدر كبير، وهو يقفز على نزعته التوسعية، ويطلق علانية عبارته الشهيرة «شرم الشيخ بلا سلام خير من سلام بلا شرم الشيخ»، قاصدًا بذلك استسلامًا استباقيًا لنفرة المصريين العسكرية فى يوم لا يعلم له ساعة صفر.
وإذا عكس ظاهر العبارة إصرار «مجرم حرب» على ترسيخ احتلال «مدينة سلام»، مقابل انسحاب بلا قتال من أراضٍ يحتلها بالأساس؛ يؤكد باطن العبارة يقين صاحبها المبكر بقدوم الحرب، وعدم قبول المصريين بأى مساومة، تفرض سلامًا بمنظور الأمر الواقع.
وبموجب توثيق سطو ديَّان نفسه على آثار مصرية فى موقع «سرابيط الخادم» بسيناء بعد 1967، تجيب معارك أكتوبر على السؤال، وتؤكد أن الحرب وحدها كانت ضمانة صفرية، لانتزاع تحرير كامل شبه الجزيرة، وأن مناورات موشى ديَّان وأقرانه من بنى صهيون، كانت يأسًا أو احتضارًا أمام عناد أصحاب الحق، حتى مع تطوير الترَّاهات إسرائيليًا فى مفاوضات كامب ديفيد إلى مقترح أجوف، يقضى باستئجار شرم الشيخ لمدة 55 أو 99 عامًا!
ملحمة أكتوبر
برأس رجل استخبارات، وخبرة زعيم مؤهَّل حتى قبل القيادة، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسى المراقبين فى الإجابة على السؤال، مؤكدًا غير مرة أن «النصر فى 1973 لم يكن وليد الصدفة»؛ وقال نصًا: «علمتنا ملحمة أكتوبر أن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع»، كما شدد على أن «مفاتيح مجد أكتوبر تمثلت فى التخطيط المُحكم، والعمل المخلص الدؤوب، وتماسك الجبهة الداخلية، إلى جانب يقين بنصر الله»؛ وربطت رؤيته بين الماضى والحاضر، وهو يلمِّح إلى أن «التحديات المعاصرة التى تواجه مصر، تتطلب استلهام نفس عزيمة حرب أكتوبر».
وفى حين أقرَّ دهاة حرب تل أبيب فى غرف مغلقة بأنه مهما طال احتلال سيناء، فلن تتراجع القاهرة عن بتر أقدام الغاصب، حتى وإن تواضعت القدرات العسكرية المصرية فى حينه أمام نظيرتها الإسرائيلية؛ ذهبت قوى صهيونية ناعمة إلى أبعد من ذلك، وهى تحذر بنى جلدتها فى الثكنات العسكرية من التعويل على الحصون، وخطط الدفاع عند إثناء المصريين عن خطوة تحرير أرض الفيروز؛ وانبرى هؤلاء فى التقليل من نجاعة خط بارليف بخطوطه المنيعة ومتاريسه الصلبة، إذا اتخذت مصر قرارًا لا يقبل القسمة على اثنين باسترداد الكرامة.
تسويات جزئية
كان من بين أقطاب القوى الصهيونية، الحاخام مناحم مندل شنيرسون، وهو الزعيم السابع لحركة «حاباد – لوبافيتش» الحسيدية، الأكثر تمثيلًا للتيار الدينى والثقافى شديد المحافظة، والتابع لليهودية الأرثوذكسية التناخية (الحريديم)؛ فقبل اندلاع حرب أكتوبر بعامين، حذر شنيرسون رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) آنذاك أهارون ياريف من الاعتماد على خط بارليف، أو أى تسويات جزئية مع المصريين، خاصة إذا تعلقت بسيناء. وبنى على نفس الرؤية فى لقاءات مباشرة مع كبار المسؤولين العسكريين، وفى طليعتهم أرئيل شارون.
وأوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت» نص رسالة، بعث بها الحاخام المتطرف إلى أهارون ياريف بهذا الخصوص، وجاء فى أجزاء منها: «حيّرنى كثيرًا على مدى ثلاث سنوات تقريبًا، مخالفة إسرائيل لحقيقة معلومة ومُسلَّمًا بها لدى الخبراء، وهى أن استراتيجيات الدفاع القائمة على نموذج «خط ماجينو» (الاعتماد على التحصينات ووحدات الجيش «المقيَّدة» بمواقع محصنة) ليست مجدية، ولا تنطوى على أهمية عند شروع المصريين فى كسر حاجز الصمت، ومداهمة قواتنا فجأة فى المعاقل والنقاط الحصينة؛ خاصة وأننا نحيا عصر الطائرات النفاثة، وقوات المظليين وما شابه ذلك».
عمق التشكيل
ومضى يقول فى رسالته: «ينطبق كلامى بصفة خاصة على الوضع فى سيناء، خاصة أن الجبهة تمتد لمئات الكيلومترات، وتشمل امتداد خط التماس بطول قناة السويس، بالإضافة إلى ساحل البحر المتوسط؛ فالقوة العسكرية اليوم تتحدد - بدلًا من ذلك - بمدى القدرة على الحركة، وإعادة نشر القوات بسرعة من موقع إلى آخر». وخلص الحاخام فى رسالته إلى أنه «حتى لو بلغ سُمك الخط عدة كيلومترات، فلابد أن يتجاوز الحد الأدنى لعمق التشكيل الدفاعى سُمك الخط ذاته. ومع ذلك، استثمرت إسرائيل فى هذا الخط الدفاعى رؤوس أموال طائلة، وبذلت فى تشييده جهودًا هائلة».
ربما انطوت الوثيقة الممهورة بتوقيع الحاخام على معضلة معقدة، تؤكد مفرداتها بما لا يقبل تأويلًا، أن تدشين خطوط منيعة على الضفة الشرقية لقناة السويس، حتى وإن ضاهت «خط ماجينو»، الذى أقامته فرنسا على حدودها الشرقية مع ألمانيا ولوكسمبورج فى الفترة ما بين 1930 حتى 1938، لن تجهض إصرار المصريين على تحرير الأرض، ولن تثنيها عن طرد بنى صهيون من الوادى المقدس طوى. وأكدت المعضلة فى المقابل عدم استيعاب إسرائيل للغة غير القوة؛ التى بدونها لن تتراجع قيد أنملة عن ترسيخ فعل الاحتلال.
صانع السلام!
ورغم تناقض رؤية الحاخام المتطرف مع رسائل السلام على طريقة تل أبيب فى الوقت الراهن، لكنها لم تبرح العقل الجمعى الإسرائيلي، ويسوَّق لها حتى الآن كهنة معبد التطرف؛ ففى كتابه الصادر بعنوان «عوسى شالوم» (صانع السلام)، اعتبر الحاخام إليشا بيرل (زوج ابنة الحاخام شنيرسون) أن رؤية صهره تصلح خارطة طريق عند ما وصفه بـ«إعادة ترسيم خطوط تماس إسرائيل الجديدة مع دول الجوار، وكذلك مع الفلسطينيين». وعاد بيرل فى كتابه إلى اعتماد أطروحات الصهر المتطرف، خاصة فيما يتعلق بحرب أكتوبر وما سبقها، مؤكدًا تأييده لموقف سلفه، الرامى إلى رفض اتفاقيات وقف إطلاق النار مع المصريين عقب حرب الاستنزاف؛ كما عارض مبدأ «الأرض مقابل السلام» خلال أى تسوية مستقبلية فى المنطقة.
لا تشى تلك المعطيات بغير بقاء سيناء على بنك الأهداف الإسرائيلى المتطرف؛ فقبل وبعد حرب أكتوبر لا زالت شبه الجزيرة تحت مجهر الصهاينة، إن لم يكن من زاوية الحرب المباشرة، فمن خلال تصدير الأزمة الفلسطينية. وتأكدت تلك الفرضية تزامنًا مع اندلاع العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. حينها، وتحديدًا فى 12 من الشهر ذاته، طرح رئيس ما يُعرف بالمعسكر الليبرالى فى حزب الليكود، الباحث الاقتصادى أمير وايتمان، ما اعتبرها ورقة تقدير موقف اقتصادى لإعادة توطين سكان قطاع غزة فى سيناء.
سيناء والتهجير
الخطة التى نشرها موقع «مسجاف» العبرى فى حينه، وحذفها بعد ساعات، تفاديًا لاحتسابها على المستوى الرسمى فى تل أبيب، نصت على ابتلاع مساحة كافية من سيناء لاستيعاب فكرة التهجير القسرى الكامل، والتطهير العرقى لـ2.2 مليون فلسطينى من قطاع غزة، مع التركيز على الجانب المالى والاقتصادى لتسويق الفكرة دوليًا. اعتمدت فرضية الخطة الأساسية على الضغط المالي، إذ اقترح وايتمان استغلال التحديات والأزمات الاقتصادية فى مصر، لإقناع حكومة القاهرة بفكرة تهجير الغزيين إلى سيناء مقابل حزمة إغراءات مالية ضخمة، تشمل ضخ استثمارات بمليارات الدولارات (تصل إلى 32 مليار دولار) لدعم الاقتصاد المصرى وتوفير بنية تحتية.
وتطابقت خطة وايتمان مع وثيقة مسرَّبة، صدرت عن وزارة الاستخبارات الإسرائيلية (قبل إلغائها) والتى كانت تتولى حقيبتها جيلا جملائيل، المقربة من وايتمان؛ ونصَّت على مراحل الترحيل، التى تبدأ بدفع المدنيين للنزوح من شمال القطاع إلى جنوبه تحت وطأة القصف، وبعدها فتح ممرات إنسانية باتجاه معبر رفح والحدود المصرية، ثم إقامة مدن خيام مؤقتة فى شمال سيناء، تليها مدن دائمة ومناطق عازلة (Sterile Zone) تمنعهم من العودة إلى حدود ما يعد لاحقًا حدود جديدة للدولة العبرية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عند الحديث عن سيرة شهداء الوطن يحتاج الأمر الى مجلدات لرصد التضحيات والبطولات التى قام بها ابناء مصرعلى مدار التاريخ.....
إبراهيم الرفاعى بطل مصرى، تربى فى أسرة وطنية، كان جده يحمل رتبة أمير آلاى ـ عميد ـ فى الجيش المصرى...
أسباب ثورة قائد الحرس الملكى فى وجه الشاذلى ووصفة بالجنون تفاصيل خطة «المآذن العالية».. وفتح الطريق لتدمير خط بارليف
حسانين: تطوير الموانئ يستهدف دعم عمليات الشحن والتفريغ والتخزين ناصر: المشروعات التنموية هى السبيل الحقيقى لتجفيف منابع الإرهاب