كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..
«إسرائيل غسلت أدمغتنا حين ادعت أن المصريين ليسوا على استعداد - أو بالأحرى -
غير مؤهلين عسكريا ومعنويا لخوض حرب أمام قدرات إسرائيل العسكرية في 6 أكتوبر 1973، أو بالتاريخ الهجرى 10 رمضان 1393».. نسبت وثائق سرية أمريكية تلك العبارة إلى رئيس شعبة الاستخبارات بالخارجية الأمريكية، راى كلاين بعد اطلاع على محاضر اجتماع مغلق في واشنطن بتاريخ 23 أكتوبر 1973، حمل حضوره إسرائيل مسؤولية فشل قادة الاستخبارات الأمريكية فى تقدير قرب اندلاع حرب «يوم الغفران».
وأمام تنكيل المصريين بالجيش الاسرائيلي في رمال سيناء، دافع ثعلب الدبلوماسية الأمريكية، وزير الخارجية في حينه، رئيس جهاز الأمن القومي السابق هنری کیسنجر ، عن قرار بلاده الرامي إلى إطلاق جسر جوي لإنقاذ إسرائيل من أيادي المصريين، وبرره بحرص واشنطن على تبنى اعتبارات استراتيجية دولية، إلى جانب هامش من الاعتبارات العاطفية أو الشخصية تجاه إسرائيل خلال الحرب.
وخلال الاجتماع تفادی هنری كيسنجر الإعلان صراحة عن رغبة الولايات المتحدة في انتصار إسرائيل، كما هو مطلوب وفقا لمنظومة «العلاقات الخاصة بين الجانبين، وأوضح أن جوهر الاعتبار الاستراتيجي، نص على حتمية إنقاذ حليف أمريكي جديد من الهزيمة على يد دولة (مصر) تلقى دعمًا عسكريا من الاتحاد السوفييتي، في إشارة واضحة إلى أن الحليف الأول هو فيتنام.
تقويض المناورة
إذا حدث ذلك، وفقا لكيسنجر ، تفطن دول العالم إلى أن الاعتماد على الاتحاد السوفييتي هو الأكثر نجاعة قياسا بالولايات المتحدة، ويفضى ذلك أيضا إلى تقويض مكانة الأخيرة فى الشرق الأوسط، وتعزيز وضعية الدول المدعومة من الاتحاد السوفيتي.
من جهة أخرى، أوضح كيسنجر في نقاش مع قادة الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة لا تريد أيضا تمييزا ضد العرب»، مؤكدًا أنه «لا يمكننا أن نكون في موقف تصبح فيه سياستنا رهينة لإسرائيل، بحيث لا تسمح لنا بحرية المناورة. لدينا مصالح مشتركة، لكن لا يوجد تطابق مطلق فى المصالح مع إسرائيل من وجهة نظر تل أبيب، يعد انضمام مصر والدول العربية إلى المعسكر المدعوم من الاتحاد السوفيتي، أمرًا عاديا لا ينطوى على خطورة، لا سيما وأن مخرجاته تقود إلى مضاعفة حجم الدعم الأمريكي للجيش الإسرائيلي. أما من وجهة نظرنا (واشنطن)، يعد تمرير هذا السيناريو كارثيا.
ورغم الجسر الجوى الأمريكي غير المسبوق لإسرائيل قال كيسنجر ، بموجب محضر الاجتماع ذاته، إن الولايات المتحدة حرصت من البداية على التواصل الوثيق مع جميع الأطراف وبذلك تمكنا من خفض مستوى المشاعر المعادية لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط إلى مستوى أدنى بكثير مما كان عليه خلال حرب «الأيام الستة» ١٩٦٧، رغم أن حرب العاشر من رمضان «يوم الغفران»، استمرت لفترة أطول».
القناة والجولان
وبحسب دوائر في البيت الأبيض، أبلغ كيسنجر الرئيس الأمريكي حينئذ ريتشارد نيكسون في ٦ أكتوبر ۱۹۷۳ تمام الساعة ۸:۲۹ بتوقيت واشنطن بأنه تلقى اتصالا هاتفيًا من ملحق السفارة الإسرائيلية لدى واشنطن مردخاى شاليف يفيد بعلم وزراء حكومة تل أبيب ببدء هجوم مصرى سوري، تمثل أساسا في قصف جوي على طول القناة وفي هضبة الجولان وأنه رد على الدبلوماسي الإسرائيلي بتأكيد تلقيه اتصال مماثل من مسؤولين مصريين ادعوا فيه أن إسرائيل شنت هجومًا بحريًا قرب مدينة السويس.
رأى كيسنجر في ذلك الوقت ضرورة مطالبة إسرائيل بكبح جماح أنشطتها العسكرية، وأكد أن نيكسون الذي كان حينها في فلوريدا، أجرى اتصالا هاتفيًا بملحق سفارة تل أبيب، وحذره من ضربة استباقية على الجبهتين المصرية والسورية. وخلال اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية، صباح يوم ٧ أكتوبر ۱۹۷۳، لمحت جولدا مئير إلى عدم ارتياحها لقرار تجنّب الضربة الاستباقية تحت الضغط الأمريكي، قائلة: «كيسنجر مطلع باستمرار على الوضع العسكرى ومشاكلنا. لا نفوت أي فرصة لنؤكد له مرارًا وتكرارًا أنه لو لم نكن أناسا نبلاء وربما أكثر من اللازم، لكان وضعنا مختلفا. لكننا جميعًا قررنا معًا تجنب الضربة الاستباقية، وهناك ميزة على الأقل، أن أمريكا تقف إلى جانبنا الآن، وهو يُدرك ذلك ويقدره».
في اجتماع آخر مساء اليوم ذاته، قال نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، يجال ألون: «إن فشلنا في امتلاك زمام المبادرة أمام المصريين والسوريين مسبقا فلن يسالفنا الانتصار على الجبهتين. أنتم تعلمون أن الأمريكيين كانوا يريدون بشدة ألا نكون أول من يفعل ذلك».
مبادرة سلام
وتشير تصريحات كيسنجر فى اجتماع قادة الإدارة الأمريكية بتاريخ ۲۳ أكتوبر ۱۹۷۳، إلى أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الرئيسية عن عدم التوصل إلى اتفاق مع مصر فى الفترة التي سبقت الحرب. وفى الاجتماع، أفاد كيسنجر بأنه التقى وزير الخارجية الإسرائيلي، أبا إيبان، قبل أيام من اندلاع حرب «الغفران" فى محاولة لدفع عملية السلام.
وبحسب كيسنجر، جادل إيبان بأنه «لا حاجة حقيقية لمبادرة سلام لأن الوضع العسكرى مستقر تمامًا ولا يمكن تغييره ومن وجهة نظر سياسية، لا يجدى الشروع في هجوم سلام» نفعًا». إلا أن وزير الخارجية الأمريكى لم يتنازل عن محاولة إيبان عن حتمية التوصل إلى سلام مع المصريين لتفادى الحرب.
وتؤكد الوثائق الأمريكية إصرار إسرائيل على بقاء وضع ما بعد حرب ٦٧ على حاله في سيناء والجولان والقدس، نظرًا لتقييمات عسكرية واستراتيجية عامة في تل أبيب، رأت أن سيطرة إسرائيل على الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، عززت وضعيتها الاستراتيجية بشكل كبير، وضاعفت قدرتها على الردع وأزالت خطر الحرب، وظهر هذا التقييم واضحًا في الإعلانات الانتخابية، التى كان مقررًا إجراؤها في أكتوبر ۱۹۷۳.
خطأ التقديرات
إلا أن المصريين والسوريين حطموا منا التصور الإسرائيلي، الذي انتقلت تحديثاته أولا بأول إلى واشنطن، واكتشفت الولايات المتحدة خطأ التقديرات الإسرائيلية تزامنا مع بداية الحرب وفي وقت مبكر من صباح ٧ أكتوبر ۱۹۷۳، اجتمع سفير واشنطن لدى تل أبيب كينيت كيتنج، برئيسة الوزراء جولدا متين وجزم بشكل لا لبس فيه بمسؤولية إسرائيل عن مباعدة الولايات المتحدة أيضا باندلاع الحرب ولام جولدا خلال الاجتماع كان هناك تبادل للبرقيات بين سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول التمركز على كلا الحدودة
وبعد الاجتماع تحدث كينتج إلى وسائل إعلام أمريكية، وأقر بأن الذعر تسلل إلى الولايات المتحدة. بعد ورود معلومات تؤكد استقبال مصر وسوريا رحلات جوية سوفييتية استثنائية» قبل أيام من حرب الغفران» فأولد ملحق السفارة إلى قيادة الجيش الإسرائيلي، لكنه تلقى إجابة مطمئنة على سؤال هل تعلم الأجهزة الإسرائيلية برحلات السوفييت إلى مصر وسوريا؟ جار الرد الإسرائيلي منقوصا لحن على علم بالرحلات، لكن الغرض منها ليس واضحا لنا بشكل عام
الهدف دفاعي
وأضاف كيتنج سألنا الإسرائيليين مجددا مهل تعلمون بالتحضيرات المصرية وما هدفها، فكان الجواب: تعلم بالتحضيرات، وأن هدفها دفاعي بحت. سألناهم أيضا عن سوريا، فتلقينا إجابة مماثلة سألناهم إن كانوا يعلمون بعودة قاذفات سوخوي. إلى مطار شمال دمشق فكان جوابهم: «كنا لعلم بوجود طائرات من هذا النوع هناك لكنها غادرت، ولا تعلم إن كانت قد عادت، وإن عادت، فما دلالة ذلك.
واعترف السفير الأمريكي الأسبق في تل أبيب بأن حسابات واشنطن التي منحت مكانة رفيعة الأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أنذاك دفعت نظيرتها الأمريكية إلى التراخي في مواجهة نوايا المصريين والسوريين الذين لم تتوانى خطواتهم الحثيثة عن توجيه ضربات مؤلمة الإسرائيل في حرب يوم الغفران.
وفي اعترافاته أمام لجنة أجراءات المعنية بالتحقيق حينئذ مع المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول الإخفاق الذي أدى إلى هزيمة إسرائيل في حرب ۱۹۷۳ اعترف أبا إيمان بأنه منذ حرب ١٩٦٧ كان الانطباع السائد بأن تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية ناجحة، لا سيما في ظل هزيمة العرب في حرب الأيام السنة
وبينما سوق مسؤولو تل أبيب بعد الحرب الاستجابة جولدا منير لضغوط كيسنجر بمنع ضرية وقائية إسرائيلية للجبهتين المصرية والسورية، خالف الكاتبان الإسرائیلیان حاجای زرويف وأرتون الاميروم، ذلك. وأكدا في كتابهما الصادر تحت عنوان «جولدا متين رئيسة الوزراء الرابعة، أن كيسنجر أنكر لاحقا كل ما يخص ضاغطه على إسرائيل في هذا الشأن، وتوصل ویلیام بون الباحث البارز في الأرشيف الوطني الأمريكي إلى استنتاج مماثل: «لم يقر كيسنجر قط بأنه أوصى بتجنب الضربة الاستباقية، رغم أنه عبر بنفسه في كتبه عن مواقف الإدارة الأمريكية في هذا الشأن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال والسيادة د. أسامة عامر: حل أزمة القطاع تكمن فى منح...
د. طارق فهمى: صياغة تفاهمات استراتيجية واقتصادية.. تعيد التوازن لعلاقات واشنطن د. محمد فرحات: حزمة من الملفات المعقدة كانت على...
تسويـة النزاعـات القائمـة بالطـرق السلميــــــــــة.. والحفاظ على سيادة الدول إصلاح النظام المالى الدولى.. وكسر معضلة الديون السيادية عدم الإضرار بمصالح...
تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...