تأجيل خطة حسم إنهاء الأزمة الأوكرانية يشعل حرب التهديدات فى أوروبا وروسيا

الدكتور هانى سليمان: أوروبا وروسيا تخوضان صراعًا يتعلق بالنفوذ.. والخلاف بين الطرفين لا يزال فى جوهره خلافًا وجوديًا الباحث عمرو حسين: العالم بات يقف على أعتاب مرحلة شديدة الخطورة والأزمة تقترب من التحول إلى مواجهة كبرى

اشتعلت حرب التصريحات بشأن الأزمة الأوكرانية بالتزامن مع تأجيل موعد القمة الأمريكية الروسية الحاسمة في هذا الملف التأجيل جاء مغلفا بجملة لأجل غير مسمى»... وهو ما أثار قلقا دوليا من انزلاق الأوضاع لتصعيد محتمل في ميدان المعركة.. ربما يحمل مفاجآت غير متوقعة، في ظلس تصاعد نبرة التهديد ووعدم الثقة بين أطراف الأزمة في أوربا وروسيا وأوكرانيا.

ويرى خبراء ومختصون أن المباحثات التي حملتها الوفود الدبلوماسية خلال الأسابيع الماضية لم تنجح في سد الفجوة العميقة بين موسكو وواشنطن، ولا في رأب الصدع المتسع بين روسيا والعواصم الأوروبية، منوهين إلى أنه بالتزامن مع هذه التطورات جاءت الرسائل الروسية الحادة التي تحمل أوروبا مسؤولية إطالة أمد الحرب، مقابل تحذيرات أوكرانية من "ألعاب سياسية" تدار خلف الكواليس.

عن فشل مباحثات الوساطة قال الدكتور هاني سلیمان مدير المركز العربي للبحوث والدراسات

إن مسار المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا وصلت إلى طريق مسدود شديد الصعوبة، رغم وجود هامش ضيق لما وصفه بمتنفس الفرص الذي قد يتيحإمكانية التهدئة، مشيرًا إلى أن فجوة كبيرة وعميقة ما زالت عالقة بين الطرفين، تجعل أي تقارب في الوقت الحالي أمرًا بالغ التعقيد، إذ أن الجانب الروسي يدخل المفاوضات من موقع المتحكم استنادا إلى رؤيته بأنه الطرف المنتصر على الأرض، ويسعى الإملاء شروطه وفق معادلة جديدة للنفوذ، وفي المقابل، يرى الأوكرانيون أنه لا يمكن بعد سنوات الحرب والخسائر الفادحة أن يخرجوا بلا مقابل أو تنازلات تحسب لصالحهم، سواء في ما يتعلق باستعادة الأراضي أو ضمانات الأمن.

وأوضح الدكتور هاني سليمان أن الاشتراطات الروسية التي وضعها الرئيس بوتين تعد بمثابة هزيمة للجانب الأوكراني، وامتدادًا لهزيمة سياسية للأوروبيين أنفسهم، وهو ما يجعل المفاوضات في حالة جمود خانق لا يبدو في الأفق أن لها انفراجة قريبة.

وفي ما يتعلق بالمباحثات الأمريكية الروسية الأخيرة أضاف الدكتور هاني سليمان أنها تمثل تحولا مهما في ديناميكيات الأزمة، فالتسريبات المتعلقة باجتماعات المبعوث الأمريكي ويتيكوف مع المسئولين الروس تعكس رغبة واشنطن في لعب دور أكثر فاعلية بين الطرفين ليس لصالح روسيا أو دعما لموقفها، بل سعيا للتوصل إلى اتفاق يمنح الرئيس دونالد ترامب ورقة قوية في الداخل الأمريكي باعتباره رجل سلام تمكن من تحقيق اختراق فى أعقد ملفات العالم، كما أن الولايات المتحدة تحاول إقناع الجانب الأوكراني بالقبول بحلول الأمر الواقع، بما يشمل اعترافا ضمنيا ببعض المكاسب الروسية على الأرض، مقابل امتيازات وضمانات تمنح الأوكرانيا، وهذه البراغماتية الأمريكية تصطدم بغضب أوروبي واضح، إذ كان الأوروبيون يتوقعون من واشنطن موقفا أكثر تشددا تجاه موسكو.

وأشار الدكتور هانى سليمان إلى أن الخلاف الأوروبي الروسي لا يزال في جوهره خلافا وجوديا، إذ تخشى العواصم الأوروبية الكبرى مثل باريس وبرلين ولندن أن يؤدى حصول موسكو على اعتراف دولي بمكاسبها في أوكرانيا إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في أوروبا، بشكل يعزز من قبضة بوتين وهيمنته الأمنية والعسكرية ويمنح روسيا قوة اقتصادية کبری خصوصًا في قطاع الطاقة، كما أن أوروبا ترى في أي انتصار روسي هزيمة رمزية لها، خاصة بعد كل ما قدمته من دعم الأوكرانيا، إضافة أن التقارب الأمريكي الروسى غير المعلن الذي يمثل مصدر قلق إضافي، لأنه يخلق تفاهمات قد تأتى من خلف ظهر أوروبا، وتقصيها عن طاولة القرار.

حول تصريح الرئيس بوتين بأن الأوروبيين يريدون استمرار الحرب، اعتبر الدكتور هاني سليمان أن هذه القراءة واقعية إلى حد كبير، لأن أوروبا ترفض صيغة التسوية الروسية أو المقاربة الأمريكية الجديدة التي تميل لقبول الأمر الواقع. لذلك، تدفع الدول الأوروبية باتجاه استمرار الدعم العسكرى لأوكرانيا، وتشجيعها على المضي في مسار الحرب، رغم الضغوط الاقتصادية الهائلة.

وفي تقييمه لقدرة الجيش الروسي على مواجهة الجيوش الأوروبية أو الأمريكية مجتمعة، أوضحالدكتور هاني سليمان أن الصراع ليس حربا نظامية تقليدية بل حرب بالوكالة، حيث تقاتل أوكرانيا ميدانيا بدعم غربی استخباراتي ولوجستي وتقني وأن مواجهة مباشرة بين روسيا والدول الأوروبية أو الولايات المتحدة سيناريو مختلف تماما، وقد يقود إلى مرحلة اللاعودة وربما يدفع موسكو للجوء إلى خيارات عسكرية غير مسبوقة.

ويرى الدكتور هاني سليمان أن تصريحات الرئيس الأوكراني حول رفضه لأى تفاهمات تتم من خلف ظهر كييف تكشف في حقيقتها توترا عميقا ومخاوف حقيقية، لأنها تعبر عن إدراكه بأنه لا يملك القرار كاملا وأن الدور الأوروبى هو المتحكم الأساسي في مسار الحرب، وأن زيلينسكى لن يستطيع الممانعة إذا قررت أوروبا الدخول في مسار تفاوضي لأنه لا يمتلك هامش استقلالية يسمح له برسم المسار منفردا.

من جانبه أكد عمرو حسين الكاتب والمحلل السياسي أن فشل مباحثات الوساطة الأمريكية لوقف الحرب في أوكرانيا يكشف أن العالم بات يقف على أعتاب مرحلة شديدة الخطورة، حيث تقترب الأزمة من التحول إلى مواجهة كبرى بين روسيا وأوروبا، في ظل انسداد قنوات الاتصال وارتفاع سقف التصعيد بين القوى الكبرى، وأن المباحثات الأمريكية الروسية الأخيرة لم تفشل فحسب، بل كشفت أيضا حجم الهوة العميقة بين الطرفين وغياب أي أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لإنتاج تسوية حقيقية.

وأضاف عمرو حسين، أن المفاوضات وصلت فعليا إلى طريق مسدود، لأن كل طرف بات يفاوض بمنطق المكسب الوجودي فروسيا تريد اعترافا دوليا بمكاسبها الميدانية وتغييرا شاملا في المنظومة الأمنية الأوروبية، بينما تصر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى على عدم منح موسكو أي شرعية سياسية أو جغرافية نتيجة للحرب، وأن هذه المعادلة تجعل استمرار التفاوض بلا جدوى، لأن جوهر الخلاف لم يعد حول شرق أوكرانيا فقط، بل حول شكل أوروبا الأمنية لعقود قادمة، مشيرًا إلى أن الخلافات بين روسيا وأوروبا تتجاوز ساحة القتال وتعدد إلى ملفات استراتيجية أوسع، من بينها توسع الناتو شرقا، ونشر منظومات صاروخية على حدود روسيا، وترتيبات الأمن الأوروبي، ومستقبل أوكرانيا كجزء من المنظومة العربية، وترى موسكو أن الغرب يسعى لجزها إلى مواجهة طويلة تستنزف قدرتها العسكرية والاقتصادية، بينما ترى أوروبا أن أي تنازل أمام روسيا سيؤدي إلى الهيار هييتها الأمنية والسياسية أمام دول القارة والعالم

ولفت عمرو حسين إلى أن تصريحات الرئيس الروسي الأخيرة، والتي قال فيها إن أوروبا تريد استمرار الحرب وتلويحه بأن بلاده على استعداد الخوض حرب مفتوحة مع الدول الأوروبية تعكس انتقال موسكو من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة فرض شروط الصراع، فروسيا ترى أن الوقت أصبح في صالحها وأنها لن تقبل بای تسوية لا تحقق أهدافها الكبرى، ولذلك ترفع مستوى الخطاب وتلوح باستخدام خيارات عسكرية واسعة تتجاوز أوكرانيا إذا لزم الأمر.

وأشار عمرو حسين إلى أن السؤال حول قدرة الجيش الروسي على مواجهة الجيوش الأوروبية مجتمعة ومن خلفها الولايات المتحدة أصبحاليوم جزءا من نقاش جدى داخل الدوائر الأمنية الغربية، فروسيا تمتلك خبرة ميدانية هائلة اكتسبتها من حرب طويلة وترسالة نووية ضخمة، وجيشا تمت إعادة هيكلته على وقع القتال ولكن في المقابل. فإن قدرات الناتو الاقتصادية والعسكرية والصناعية ما زالت ضخمة، ولهذا فإن أى مواجهة مباشرة ستكون كارتية على جميع الأطراف، وستقود إلى حرب واسعة لا يمكن التحكم بمسارها، موضحا أن تصريحات الرئيس الأوكراني بأنه لن يسمح بوجود العاب خلف ظهر أوكرانيا تحمل رسالة واضحة إلى العواصم العربية، ومقادها أن كييف لن تقبل بأي تسوية لفرض عليها من الخارج، وأن كلمة الألعاب تعكس قلق القيادة الأوكرانية من وجود تحركات أمريكية، وربما تفاهمات مرية مع موسكو، قد تنتج اتفاقا يوقف الحرب لكنه لا يضمن الأوكرانيا استعادة أراضيها، وهذا القلق ازداد مع دخول إدارة ترامب على خط الوساطة

وتابع عمرو حسين أن المقترح الأوروبي المضاد للمبادرة الأمريكية يؤكد أن هناك صراعا داخل الغرب نفسه حول كيفية التعامل مع روسيا، إذ يقوم المقترحعلى ضمانات عسكرية وسياسية طويلة المدى الأوكرانيا، وربط أي اتفاق بانسحاب روسي من مناطق أساسية، وهو ما يجعل الموقف الأوروبي أكثر تشددا من الموقف الأمريكي وهذا الانقسام يضعف الموقف التفاوضي الغربي ويطيل أمد الحرب، كما أن تعليق القمة المنتظرة بين ترامب وبوتين إلى أجل غير مسمى يعكس أن الطرفين غير مستعدين بعد التقديم تنازلات فترامب يريد صفقة تضمن عودة الدور الأمريكي لقيادة أوروبا، بينما يرى بوتين أن اللحظة الحالية تمنحه أفضل وضع تفاوضي منذ بدء الحرب وان أي لقاء لا يحقق له مكاسب ملموسة لن يكون ذا قيمة.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...