مذكرات دبلوماسى أمريكى سابق أجابت عن السؤال الصعب
ظل قرار الرئيس السادات المباغت بطرد الخبراء الروس من مصر قبل حرب أكتوبر 73، لغزا معقدا لدى واشنطن وتل أبيب، ودارت حوله حتى اليوم عديد التحليلات السياسية والعسكرية والاستخباراتية، واعتبره الدبلوماسي الأمريكي الأسبق ريتشارد شيهان، «أعنف هزيمة تعرض لها الاتحاد السوفييتي السابق، منذ بداية محاولات تأثيره على دول العالم الثالث غير الشيوعي». لكن الدبلوماسي الأمريكي المخضرم، عزا القرار إلى إدراك السادات حينئذ مدى تناقض سياسة موسكو بين كونها أقوى مدافع عن مصر ضد إسرائيل، وسعيها الموازى إلى تعزيز علاقات أكثر متانة مع الولايات المتحدة.
وأزاح أرشيف صحيفة «التايمز» البريطانية الستار عن جانب من مذكرات شيهان في هذا الخصوص. وعند إجابته على سؤال: لماذا طرد السادات الروس؟ أوضح أن الاتحاد السوفييتي لم يستوعب نهائيا عقلية السادات التي تميزت بخبرة تصل حد الجنون في فنون الخداع الاستراتيجي اعتقد الروس أيضًا نجاحًا في حشر السادات داخل دائرة ضيقة من الإذعان، لإجباره على تنفيذ الأوامر، وامتلاك الأدوات الكافية لاستبداله بشخص أكثر إفادة؛ لكنهم اندهشوا حين استيقظوا صباح ٨ يوليو ۱۹۷۲ على أوامره بحزم حقائب أمتعتهم للرحيل.
ويشير سجل إدوارد ريتشارد فولتون شيهان إلى أنه من مواليد ۱۹۳۰، وتوفى عام ۲۰۰۸، تاركا ورائه زخما من الذخيرة المعلوماتية عززها انشغاله بالتأليف وعمله مراسلا أجنبيا لعدد من الصحف والمجلات، وأعد تقاريرا من الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الوسطى. قبلها خدم في البحرية الأمريكية بعد تخرجه من الكلية، وعينته صحيفة «بوسطن جلوب» مراسلا لها، لكنه قفز إلى العمل الدبلوماسي عام ١٩٥٧، والتحق فى العام ذاته بسفارة بلاده لدى القاهرة، وانتقل منها إلى سفارة واشنطن في بيروت خلال الفترة ما بين ١٩٥٩ حتى عام ١٩٦١.
و حسب تحليله، أخطأ الروس من الناحية التكتيكية حين تجاهلوا كبرياء مصر، لا سيما وأن السبب الرئيسي في قرار السادات، كان رفض السوفييت إمداد المصريين بأسلحة هجومية فرغم ضخامة القوات البرية المصرية التي بناها السادات، اعتمدت محددات الصراع مع إسرائيل على القوات الجوية، لكن الروس رفضوا صراحة وربما ضمنيا تقليص فجوة القوى الهجومية الهائلة التي كانت بالطبع لصالح إسرائيل، وعزوا موقفهم إلى تفادي إثارة غضب الولايات المتحدة، والحيلولة دون مواجهة عسكرية معها على مسرح عمليات الشرق الأوسط.
أكبر منظومة
وبينما منح الروس المصريين أكبر منظومة دفاعات جوية خارج الكتلة السوفييتية، تألفت من صواريخ سام - ۲ وسام - اقتصرت إمكانيات تلك المنظومة على حماية العمق المصرى من هجوم إسرائيلي مفاجئ. كما ظلت إمدادات موسكو في صفقات المقاتلات الجوية لمصر محصورة في عدد صغير من طائرات الـ T-١٦ الجوية الإسرائيلية، خاصة وهى قاذفات بطيئة ودون سرعة الصوت، وتحمل كل منها أقل من نصف حمولة قنبلة مقاتلة «فانتوم إسرائيلية واحدة.
BADGER، التي يستحيل اختراقها منظومات الدفاعات
من ناحية أخرى، لاحظ السادات تقاطر إمدادات الولايات المتحدة لإسرائيل بطائرات هجومية متطورة وأشارت التقديرات حينها إلى امتلاك تل أبيب ١٠٠ طائرة «فانتوم»، بالإضافة إلى ٤٠ مقاتلة أخرى كانت حينئذ في الطريق إلى إسرائيل، وتستطيع كل واحدة منها الوصول إلى القاهرة، وهي تحمل أكثر من ١٠ قنابل، تزن كل واحدة منها ۱۰۰۰ رطل، وبمستوى تحليق منخفض، وبسرعة تفوق سرعة الصوت.
مدى الطائرات
وللمقارنة، لا تستطيع طائرات ميج ٢٣ المصرية السنة التي كان يقودها الروس) حمل قنابل على نسق المقاتلات الهجومية الإسرائيلية، ولم يكن بمقدور طائرات SUKHOI و B-SUKHOI الروسية الاقتراب من مدي طائرات الفانتوم» و «سكاى هوك» الإسرائيلية، فضلا عن قدرات الطرازين الأمريكيين على حمل القنابل. بالإضافة إلى طائرات «الفانتوم»، امتلكت إسرائيل أكثر من ۲۰۰ طائرة «سكاي هوك» فضلا عن ٦٠ طائرة «ميراج فى الخدمة. وبينما امتلكت مصر دبابات تزيد بكثير عن قرينتها لدى إسرائيل، لم ينطو ذلك على أهمية عند محاولة الجيش المصرى اقتناص موطئ قدم في عمق سيناء، لا سيما وأن طائرات الميج المصرية ستصبح حينها خارج التصنيف، إذا ما واجهت طائرات «الفانتوم»، فضلا عن قدرة مقاتلات «سكاي هوك» الإسرائيلية في إيقاف زحف الجيش المصري.
ووفقا لشيهان، فطن السادات إلى امتناع الروس حينها عن إمداد السادات بصواريخ، يمكنها الوصول إلى تل أبيب: وإذا كان المصريون يمتلكون بعض صواريخ -أرض - أرض من طراز FROG لدعم القتال القريب، إلا أن مداها لم يتجاوز ٤٠ ميلا للنماذج الأقدم، و ٥٧ ميلا للنماذج الأحدث.
مقارنة القوة
واستشهد الدبلوماسي المخضرم على تقديراته بتأكيد ملحق عسكرى لدولة أجنبية فى القاهرة، أكد: «ببساطة لا توجد مقارنة بين قوة مصر العسكرية ونظيرتها الإسرائيلية الأكثر أهمية فى أدوات صراع الجبهتين هو القوة الجوية الضاربة. يمكن أن تمتلك مصر ضعف أو ثلاثة أضعاف عدد الدبابات التي تمتلكها إسرائيل، وقوة بحرية بنفس المستوى، لكنها لن تحقق أهدافًا عسكرية في مواجهة التفوق الجوى الإسرائيلي، وهو ما يحول نهائيا دون نجاح المصريين في العودة للحرب، باستثناء معارك محدودة للغاية، أو حرب انتحارية شاملة».
وإلى جانب هذه الأسباب، ومساهمتها القوية في ترسيخ الشقاق بين السادات والروس، تصاعد الاحتكاك بين الضباط المصريين والخبراء الروس منذ عام ١٩٦٧، وتفاقم بصورة أكثر حدة أوائل عام ۱۹۷۲، رغم مناشدات مصرية إلى مستشارى السفارة السوفييتية في القاهرة، وحثها على إظهار مزيد من اللباقة في التعامل مع الضباط.
يضاف إلى ذلك أيضًا تنامى قلق الرتب الأعلى في الجيش المصرى إزاء وجود المستشارين الروس، وسيطرة الاتحاد السوفييتي على نقاط استراتيجية لشبكة الدفاع الجوي المصرية في دلتا النيل، وعلى طول قناة السويس، وصولاً إلى سد أسوان. ومن الناحية النظرية، كان المصريون قد سيطروا بالفعل على معظم مواقع بطاريات صواريخ SAM منذ أكثر من عام، إلا أنه من الناحية العملية انفرد الروس بالإدارة الفنية، وكان من المستحيل إطلاق الصواريخ بدونهم.
تعقيدات التشغيل
علاوة على ذلك، رفض الروس في كثير من الأحيان إطلاع المصريين على تعقيدات تشغيل الصواريخ، خشية إطلاق الصواريخ ذات يوم دون موافقة السوفييت، وهو ما دعا الروس أيضًا إلى السيطرة الكاملة على معظم مواقع صواريخ سام .
وعلى نحو متزايد ارتابت القيادة العليا المصرية في سيطرة الروس على مفاصل الجيش، ليس بغرض مساعدته في شن حرب، أو حتى للدفاع عنه ضد إسرائيل، وإنما لخدمة أهداف روسية. واتضح وفقا المذكرات الدبلوماسي الأمريكي مدى سعى الروس بحذر بالغ إلى توسيع نفوذ الاتحاد السوفييتي في مياه البحر المتوسط، وعلى طول ساحل شمال أفريقيا، وفي البحر الأحمر، وفى المحيط الهندي، وشروعه في تحويل مصر إلى قاعدة رئيسية. ومن خلال رحلات الرادار والاستطلاع، كان الروس يراقبون تحركات الأسطول الأمريكي السادس، وأنشطة قوات حلف الناتو الجوية والبحرية.
وحسب مذكرات شيهان كان الروس يتمتعون باستغلال المرافق البحرية في مرسى مطروح والإسكندرية. ومرافق الهبوط في خمسة مطارات منتشرة في جميع أنحاء مصر وبينما لم تكن لديهم سيطرة حصرية على أي من هذه المناطق العسكرية، فرضوا سرية وتعتيقا بالغا على المساحات المخصصة لأنشطتهم، ورفضوا في بعض الأحيان إبلاغ المصريين بما كانوا يعتزمون فعله.
وعبر مذكراته نقل شیهان شهادة ملحق عسكري غربي في القاهرة، قال فيها: لم تكن رحلات الرادار والاستطلاع سوى جزء صغير من أنشطة الروس في مصر، والباقي كان أكثر خطورة، لكن لا أستطيع الكشف عنه هل كان الروس يعدون لتهديد الأسطول الأمريكي السادس عبر أسلحة متطورة بعيدة المدى ؟ ليس لدي أي فكرة
نبرة مريبة
ويعلق الدبلوماسي الأمريكي على كلام الملحق العسكري. مشيرا إلى أن نبرته كانت مربية». وأضاف: «على أية حال استمر الروس في الضغط على المصريين لمنحهم التسهيلات حصرية في مرسى مطروح والإسكندرية وفي المطارات المختلفة، وظلت القيادة العليا المصرية التساءل عن السبب لأي غرض ؟ ماذا يريدون إخفاءه؟». وحول موقف السادات ألمح ريتشارد شيهان، إلى أن الرئيس المصرى رفض نهائيا وبشكل معلن منح الروس هذه التسهيلات واعتبرها مؤشرا بالغ الخطورة؛ لكن ذلك لم يتعارض مع علاقته الجيدة بالروس خلال زياراته الأخيرة لموسكو.
وحسب المذكرات تحفل السادات نكات رئيس الاتحاد السوفييتي ليونيد بر جنيف كانت في مجملها نكات روسية سطحية ومبتذلة واعتاد السادات من جانبه الضحك عليها بأدب، لكنه أصيب بالملل في نهاية المطاف. لا سيما من فرط ولع بر جنيف بالحديث عن ذكرياته في الحرب العالمية الثانية.
غالبا ما كان برجنيف يستحضر تجاريه في زمن الحرب لتخفيف حدة التوتر في جلسات المساومة على صفقات الأسلحة مع السادات، خاصة عندما كان الرئيس المصرى يضغط عليه للحصول على أسلحة هجومية، كانت الجملة المضحكة دائما في كلام برجنيف: «أنت تطلب الكثير». لم يفقد السادات أعصابه أبدا، وعلى العكس من ذلك، ظل دائقا نموذجا للصبر والمثابرة كان يقلب بعض الأوراق وينزع نظارته ذات الإطار العريض، ويقول: «كانت تلك قصة رائعة سيدي الرئيس الآن إذا كان بإمكاننا العودة إلى مسألة القاذفات الأسرع من الصوت، لكن السادات لم يحصل في النهاية على ما يريد، وعاد خالي الوفاض من اجتماعه الأخير برئيس الاتحاد السوفييتي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...