سيناريوهات التعامل مع مخططات إسرائيل لدفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية

الدكتور إكرام بدر الدين: العدوان الإسرائيلى على غزة يحمل جملة أهداف فى مقدمتها استرضاء التيار اليمينى المتشدد الدكتور هانى سليمان: مصر تتحرك على ثلاثة مسارات لحماية حدودها

تتمسك حكومة الحرب الإسرائيلية بتصعيد عملياتها العسكرية فى قطاع غزة، متحدية الرأى العام العالمى.. ومستندة إلى دعم أمريكى مستمر، وهو ما ينذر بالمزيد من التصعيد ربما يطال دولا آخرى وفق تصور عدد الخبراء والسياسييين المتابعين للمشهد وسيناريوهات تطوره المحتملة، وأوضح بعض المختصين أن غطرسة القوة الإسرائيلية أصبحت تهدد استقرار الإقليم وتنذر باتساع دائرة المواجهات.. والأخطر هو الاصرار الإسرائيلى على دفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية فى محاولة لفرض واقع جديد يهدد الأمن القومى المصرى ويخرق الاتفاقيات الدولية. وينذر بسيناريو لن تحتمل المنطقة كاملة تبعاته.

وأوضح عدد من الخبراء أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، والاجتياح البرى لمدينة غزة لم تعد تقتصر على استهداف البنية التحتية أو المواقع العسكرية، بل اتخذت طابعًا ممنهجًا ضد المدنيين العزل، فى ظل إصرار حكومة الاحتلال على تجاهل الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار أو الدخول فى تسويات إنسانية.

فى هذا الاطار يقول الدكتور هانى سليمان، مدير المركز العربى للبحوث والدراسات، إن الدولة المصرية وأجهزتها المختلفة تدرس بعناية وبدقة شديدة جميع السيناريوهات المحتملة لمخططات الاحتلال الإسرائيلي، الرامية إلى دفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية، فهذا الأمر ليس جديدًا، وتمت مناقشته مبكرًا جدًا منذ اندلاع الأزمة فى السابع من أكتوبر قبل عامين، واستعانت أجهزة الدولة بالخبراء والمتخصصين، وعقدت اجتماعات مكثفة وتقديرات موقف، بعضها معلن والأغلب غير معلن، فى إطار خطة استراتيجية متكاملة.

وأشار الدكتور هانى سليمان إلى أن تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، فى وقت سابق بشأن استعداد مؤسسات الدولة وأجهزتها لكافة السيناريوهات، تؤكد أن مصر دولة ذات رؤية مستقبلية واضحة، تضع أكثر السيناريوهات سوداوية وتعقيدًا، ضمن حساباتها.. قبل السيناريوهات الأقل حدة، فى ظل التعامل مع عدو شديد التطرف وعقلية عدائية، وفى مرحلة تُعد الأصعب فى تاريخ المواجهات المصرية – الإسرائيلية، ورغم عدم اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة حتى الآن، إلا أن هناك معارك دبلوماسية وسياسية وأمنية مستترة تديرها القاهرة باحترافية عالية.

ولفت هانى سليمان إلى أن مصر تتحرك على ثلاثة مسارات، وهى سياسى ودبلوماسى وأمني، لحماية حدودها ورفض أى محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، مضيفا أن السياسة المصرية واضحة تمامًا فى رفض التهجير القسرى والدفاع عن حق الشعب الفلسطينى فى أرضه، والعمل على ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ووقف نزيف الدم والجرائم الإسرائيلية، والتأكيد على حق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم المستقلة، مشيرًا إلى أن القاهرة منذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن هدف الاحتلال هو جعل قطاع غزة غير قابل للعيش، وخلق وضع جديد يدفع سكانه باتجاه الحدود المصرية، لذلك كثفت مصر جهودها السياسية والإنسانية، وسعت إلى إدخال المساعدات عبر التفاوض والضغط الدبلوماسي، وإحراج الجانب الإسرائيلى أمام المجتمع الدولي، حتى فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن هذه التحركات جاءت فى إطار ممارسة ضغط واسع على إسرائيل.

وأضاف الدكتور هانى سليمان أن القاهرة نجحت فى تأمين حدودها الشرقية فى الوقت الذى تواصل فيه ممارسة دبلوماسية نشطة لكشف المخططات الإسرائيلية وإفشالها، لافتا إلى أن مصر تنسق تحركاتها مع أطراف عربية ودولية مختلفة، وتتحرك فى الأمم المتحدة والهيئات الدولية لدعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتحذير من العمليات العسكرية الإسرائيلية المقبلة.

وفى تحليله لطبيعة الممارسات الإسرائيلية، وصف الدكتور هانى سليمان ما يحدث بأنه الوجه الأقبح فى التاريخ الحديث، مشددا على أن جرائم الاحتلال من استهداف المدنيين، والنساء، والأطفال، وتدمير البنى التحتية، ونهب الأراضي، أصبحت نهجًا أصيلًا فى العقيدة الإسرائيلية، وأن هذه الجرائم لم تعد بحاجة إلى دليل، وأن حماية إسرائيل دوليًا لم تعد ذات معنى أمام انكشاف صورتها أمام الرأى العام العالمي، محذرًا من أن دفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية يمثل انتهاكاً صريحاً لاتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، حيث إن الأمر لا يقتصر على الجغرافيا فقط، وإنما يمتد إلى السياسات المتبعة من الجانب الإسرائيلى لفرض أمر واقع يهدد السيادة المصرية ويستفز خطوطها الحمراء، وأن استمرار هذه السياسات قد يدفع مصر لإعادة النظر بشكل جدى فى معاهدة السلام إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء.

وشدد الدكتور هانى سليمان على أن القاهرة تملك خططًا متعددة للتعامل مع أى تطور ميداني، وأنها سترد سياسيًا ودبلوماسيًا وأمنيًا وفق طبيعة كل موقف، مع مراعاة حقوق الشعب الفلسطينى والحفاظ على استقرار الحدود والأمن القومى المصري. وأشار إلى أن هذا النهج يعكس إدارة حكيمة ومعادلة دقيقة تتبناها الدولة المصرية رغم صعوبة وتعقيد المهمة.

فيما يتعلق بالمشهد الإقليمى الأوسع، اعتبر الدكتور هانى سليمان أن إسرائيل تمارس سياسة "البلطجة" على مستوى العلاقات الدولية، لكنها تتردد كثيراً قبل فتح جبهات جديدة مع دول كبرى مثل تركيا، التى تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية قوية، وأن عودة المناورات البحرية المصرية التركية بعد توقف طويل، تعكس رسالة واضحة لإسرائيل بأن هناك تفاهمات إقليمية غير معلنة يمكن أن تشكل عامل ردع إضافيًا، وأن القاهرة واعية تمامًا لطبيعة المرحلة وتحدياتها، وأنها مستعدة لكافة السيناريوهات المحتملة، بما فى ذلك الأكثر خطورة، وأنها تتحرك على المستويات كافة – السياسى والدبلوماسى والأمنى – لإفشال المخططات الإسرائيلية وحماية الأمن القومى المصري، فى الوقت الذى تواصل فيه الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينى ورفض أى مساس بأرضه أو قضيته العادلة.

من جانبه أكد الخبير الاستراتيجى اللواء سمير فرج أن مصر تعمل وفق خطط شاملة لتأمين حدودها الاستراتيجية، من بينها توفير المياه والغذاء لأهالى قطاع غزة  فى ظل الحرب الإسرائيلية الغاشمة التى تفتك بهم منذ أكتوبر 2023، وأن مصر تتحرك فى هذا الإطار بدافع المسؤولية تجاه شعبها وأيضًا تجاه أمنها القومي، خاصة فى ظل أزمات المنطقة، مشددًا على أن المواقف المصرية من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها وقف إطلاق النار فى غزة، تنطلق من هذا الفهم العميق لمعادلة الأمن القومى والاستقرار الإقليمي.

وأوضح اللواء سمير فرج أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يرفض حتى الآن أى خطوات جدية لوقف إطلاق النار، نظرًا لاعتبارات سياسية داخلية، كما أنه يواجه ملفات قضائية متعددة ويبحث عن تصدير الأزمات إلى الخارج وتشتيت انتباه الرأى العام الإسرائيلى من خلال استمرار العمليات العسكرية، لذلك قرر تنفيذ عملية اجتياح مدينة غزة، والعودة إلى فكرة تهجير الفلسطنيين مرة آخرى تجاه الحدود المصرية.

وأشار اللواء سمير فرج إلى أن هذه الاستراتيجية التى ينتهجها نتنياهو تهدف إلى استغلال الأوضاع الميدانية والانتخابات المقبلة فى إسرائيل لإعادة ترتيب موقعه السياسي، وإقناع الشارع الإسرائيلى بأن استمرار الحرب أمر حتمي، حتى وإن كان على حساب العلاقات مع الدول الإقليمية، بما فيها مصر، وأن الخطاب الإسرائيلى الموجه ضد مصر، والذى يحاول تحميلها مسؤوليات أو تصويرها كطرف معادٍ، يأتى ضمن حملة دعائية هدفها التأثير على الداخل الإسرائيلى وإقناعه بأن الحكومة الحالية تدافع عن الدولة فى مواجهة خصوم خارجيين، وهو أمر غير صحيح على أرض الواقع.

وشدد اللواء سمير فرج على أن مصر ستظل متمسكة بمبادئها الثابتة فى الدفاع عن أمنها القومى وحماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية، وأن القاهرة لن تنجر إلى أى محاولات لاستفزازها أو التأثير على دورها الإقليمى المحوري، مستبعدًا أن يوجه الجيش الإسرائيلى ضربة عسكرية إلى تركيا خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن نتنياهو يعلم قوة الجيش التركي، والأسلحة المتطورة التى يمكلها.

فى السياق نفسه، قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن العدوان الإسرائيلى الأخير على قطاع غزة يحمل جملة من الأهداف، فى مقدمتها محاولة استرضاء التيار اليمينى المتشدد داخل إسرائيل، الذى أبدى اعتراضًا واضحًا منذ البداية على اتفاق التهدئة، مشيرًا إلى أن الدبلوماسية المصرية لعبت دورًا محوريًا فى إبرام التهدئة بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة، رغم الضغوط المكثفة التى مارسها اليمين الإسرائيلى لعرقلة الاتفاق.

وأوضح الدكتور إكرام بدر الدين أن هذا التصعيد قد يكون مدفوعًا برغبة الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، فى كسب دعم التيار اليمينى وضمان بقائها السياسي، لافتًا إلى أن عائلات الأسرى الإسرائيليين تتهم نتنياهو بعرقلة صفقة تبادل الأسرى، فى الوقت الذى يروج فيه لأن الحرب هدفها تحرير المحتجزين لدى حركة حماس، رغم أن العمليات العسكرية تشكل خطرًا مباشرًا على حياتهم.

Katen Doe

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص