٥٥ عاماً مضت على ذكرى أسبوع تساقط طائرات "الفانتوم" والـ "اسكاى هوك " الإسرائيلية إبان حرب الاستنزاف ..
كان ذلك فى الثلاثين من يونيو عام 1970 حين أكتمل بناء حائط الصواريخ المصرىّ معلناً بداية النهاية لأسطورة تفوق العدو الجوى.
تتجدد الذكرى فلا ننسى رموز العسكرية المصرية، وفى القلب منهم المشير محمد على فهمى مؤسس قوات الدفاع الجوى، وقائدها خلال حربىّ الاستنزاف وأكتوبر إليكم قطوفاَ مما كتبه البطل فى ذكرى الملحمة..
فى كتابه " القوة الرابعة " والذى عرض فيه لنشأة وتطور قوات الدفاع الجوى تحدث المشير محمد على فهمى عن ملحمة بناء حائط الصواريخ بقوله: قبلت قوات الدفاع الجوى المصرى التحدى لتسطر فى تاريخها أروع الصفحات وتضع اللبنة الأولى فى صرح الانتصار العظيم للجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973.
وهكذا دار الصراع رهيباً بين إرادتين .. العدو يركز كل مجهود سلاحه الجوى لمنعنا من إنشاء التحصينات والمواقع تمهيدا لإدخال الصواريخ المضادة للطائرات فى منطقة قناة السويس.. ونحن فى مقابل ذلك نحشد كل ما نملك من أسلحة المدفعية المضادة للطائرات حول مواقع العمل لتوفير الحماية لها.. ولكن رغم التضحيات الخارقة التى تحملها رجال المدفعية المضادة للطائرات، كان العدو ينجح فى معظم الأحيان فى هدم ما أمكن تشييده.. ولم نيأس وزادنا ذلك تصميما ، وأخذت أجهزة التخطيط فى قوات الدفاع الجوى تبحث عن مَخرج .. ولم يكن الوقت الذى استغرقته محاولاتنا لبناء موقع الصواريخ ضائعا ، فبينما كان المهندسون يحاولون بتضحيات بطولية إنشاء الموقع، كان رجال الصواريخ فى عمل مستمر لتحسين أداء معداتهم واستيعاب الأسلحة الجديدة وتطوير أساليب التدريب.
ويستعرض المشير محمد على فهمى وجهتىّ النظر اللتين تبلور حولهما فكر قوات الدفاع الجوى لإدخال الصواريخ المضادة المصرية للطائرات إلى منطقة القناة فيسجل:
كانت وجهة النظر الأولى ترى القفز بحائط الصواريخ دفعة واحدة واحتلال مواقع ميدانية متقدمة دون تحصينات وقبول الخسائر المتوقعة لحين إتمام إنشاء التحصينات تحت حماية هذه القواعد.. بينما ترى وجهة النظر الأخرى أن يتم الوصول بحائط الصواريخ إلى منطقة القناة على وثبات، وهو ما أُطلق عليه "أسلوب الزحف البطئ"، وذلك بأن يتم إنشاء تحصينات كل نطاق واحتلاله تحت حماية النطاق الخلفى.. ليستقر الرأى والمفاضلة على الأخذ بوجهة النظر الثانية " الزحف البطئ".
وفعلا تم إنشاء مواقع النطاق الأول شرقى القاهرة دون أى رد فعل من العدو، واستغلالا للنجاح قررنا إنشاء ثلاثة نطاقات جديدة تمتد إلى منتصف المسافة بين القاهرة وجبهة القناة، ووضعت لذلك خطة دقيقة وطموحة، فعلى مدى ليلتين فقط كان علينا أن تقيم التحصينات الميدانية اللازمة لعدد 24 قاعدة صواريخ، وتجهيز مراكز القيادة والسيطرة والمواقع بوسائل الاتصال اللازمة وتمهيد الطرق والمدقات، وتحريك قواعد الصواريخ واحتلالها لمواقعها ومعها وسائل الدفاع المضاد للطائرات ووسائل الإنذار اللازمة.
كما شملت الخطة دفع مجموعات من مهندسى الالكترونيات لضبط واختيار وتجهيز هذا العدد الكبير من المعدات، وكان من الضرورى أن تتم معظم هذه الأعمال بنجاح تام فى تناسق كامل وبدقة مثالية وفى التوقيت المحدد كسيمفونية لا نشاز فيها.
وجاءت اللحظة المفصلية بإسقاط هالة التفوق الجوى الإسرائيلى فى "أسبوع تساقط الفانتوم" بدءاً من يوم الثلاثين من يونيو 1970 وهو اليوم الذى اتخذت منه مصر عيدا لقوات الدفاع الجوى، وفى هذا كتب المشير محمد على فهمى:
فى صباح يوم 30 يونيو 1970 فوجئت الطائرات الاسرائيلية المغيرة بالصواريخ المصرية، وتكبد السلاح الجوى الاسرائيلى خسائر فادحة لم تكن فى الحسبان.. وجن جنون قيادة السلاح الجوى الاسرائيلى ، ولم تُرِد أن تصدق أن حائط الصواريخ أصبح حقيقة واقعة، فدفعت خلال الأيام التالية بمزيد من الطائرات فى محاولة يائسة لاختراق هذا الحائط وتدميره، وبالرغم من أن السلاح الجوى الاسرائيلى ألقى فى المعركة بكل ما يملك من إمكانيات سواء فى مجال الحرب الإلكترونية، أو باتباع أحدث التكتيكات المضادة للصواريخ والتى حصلت عليها إسرائيل من الخبرة الأمريكية فى فيتنام، فقد كانت النتيجة دائما مزيداَ من الخسائر فى الطائرات ومزيداَ من الطيارين الأسرى فى أيدى المصريين.
وأثمرت خطط الخداع التى نفذتها جنباَ إلى جنب مع خطة إنشاء واحتلال حائط الصواريخ ، وامتصت المواقع الهيكلية المصرية معظم الضربات الجوية المعادية ، ولم يفطن العدو إلى حقيقة ما يحدث .. فصرحت " جولدا مائير " رئيسة وزراء إسرائيل فى حيرة : "أن كتائب الصواريخ المصرية كعش الغراب كلما دمرنا واحدة نبتت أخرى"
وأخذت إسرائيل تتباكى ، فوقف وزير خارجيتها " أبا إيبان " فى الكنيست يصرح: "لقد بدأ الطيران الإسرائيلى يتآكل" كما أكدت "مسز مائير" ذهولها وحيرتها عندما صرحت: "إن المصريين زرعوا كل الأرض غرب قناة السويس بالصواريخ، والله وحده يعلم أين سيجد المصريون مكاناَ لزراعة أعداد أخرى بالمنطقة"
وحول خسائر العدو فى أسبوع تساقط الفانتوم يضيف المشير فهمى:
كانت خسائر العدو خلال الفترة من 30 يونيو إلى 8 أغسطس 1970 طبقاً للبلاغات الرسمية المصرية 16 طائرة، إلا أن "برجس" المشرف على المصالح الأمريكية بالقاهرة أبدى دهشته لأحد كبار المسئولين المصريين- بعد وقف إطلاق النار- وتساءل عن السر الذى يدعو مصر إلى التقليل من الخسائر التى أنزلتها بإسرائيل، ورد عليه المسئول المصرى مازحاً: " لنوقع بينهم وبينكم، فعندما يتقدمون لكم بطلبات الاستعاضة ستتهمونهم بالكذب والمغالاة من واقع أرقام الخسائر التى نذيعها" .. ولكن يبدو أن "برجس" كان على حق، فقد نشرت مجلة " أفيشن ويك " فى عددها الصادر فى 16 نوفمبر 1970 حصراَ لخسائر إسرائيل بواسطة حائط الصواريخ بلغ 51 طائرة منها 17 طائرة تم تدميرها تماماً، و34 طائرة أصيبت، كما ذكرت المجلة أن أن هذه الخسائر تم تعويضها بالكامل بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما حملتُ إلى وزير الحربية هذا العدد من المجلة ليطّلع عليها جال بخاطرى حديث سابق معه فى هذا المجال عندما دمرنا إحدى الطائرات المعادية وسقطت فى خليج السويس، ورفض حينئذ أن يحتسب هذه الإصابة ما دام حطام الطائرة أو جثة الطيار ليس فى متناول أيدينا، وهما الدليلان الوحيدان اللذان يمكن على أساسهما - من وجهة نظره - احتساب خسائر العدو من الطائرات، حيث قال " ياما نفسى يا محمد أجفف خليج السويس علشان نشوف الطيارات اللى وقعت فيه".. ولعل هذه القول دليلا أكيداً -رغم ما لدينا من وسائل علمية- على مدى حرصنا على عدم المغالاة فيما نحققه من انتصارات على العدو الجوى.
وينقلنا المشير فهمى فى كتابه للحديث عن الدلالات الخطيرة لنتائج بناء حائط الصواريخ ومن بينها:
- أن إسقاط الطائرات الاسرائيلية فوق جبهة السويس بالصواريخ قد عكس تطوراً جذريا بالغ الخطورة، سوف يجبر إسرائيل على إعادة النظر ليس فى استراتيجيتها العسكرية فحسب ولكن فى سياستها العامة.
- أن النجاح فى إقامة قواعد الصواريخ هو دليل قاطع على أن الهجمات الجوية المركزة قد فشلت فى منع إقامة هذه القواعد بمنطقة الجبهة.. ويزيد من خطورة هذا الموقف أن هذه المهمة كانت المهمة الأولى والأساسية للقوات الجوية الإسرائيلية.
-أن وجود قواعد الصواريخ المصرية يمثل تحديا أساسيا لأبرز الوسائل الحيوية التى تمثل قوة الردع الإسرائيلية، وهى القوات الجوية، ويحرمها من تفوقها الجوى فى منطقة القناة بعد أن نقص هذا التفوق بالفعل عندما اضطرت اسرائيل إلى إيقاف هجماتها الجوية فى عمق الأراضى المصرية.
-أن فقد القوات الإسرائيلية لتفوقها الجوى فوق القناة سوف يضعها فى موقف دفاعى صعب على الضفة الشرقية للقناة ضد قصف المدفعية المصرية أو حشد قوات مصرية قادرة على العبور وتدمير خطوطها الدفاعية.
ويواصل المشير محمد على فهمى: كانت هذه النتائج ودلالاتها الخطيرة الحافز الرئيسى لإسراع الولايات المتحدة إلى تقديم مشروع جديد للسلام وهو ما عرف باسم " المبادرة الأمريكية ".. ولعل فى تصريح وزير خارجية إسرائيل "أبا إيبان" التالى أبلغ دليل على مدى تأثير نجاح الدفاع الجوى المصرى فى إنشاء حائط الصواريخ فى إجبار إسرائيل على السعى لوقف إطلاق النار وقبول المبادرة الأمريكية، فلقد قال أبا إيبان يوم 29 أغسطس 1970 فى اجتماع لحزب العمل" لولا وقف إطلاق النار لواجهت إسرائيل تصاعداً فى الحرب مع مصر، وبالتالى زيادة القتلى والجرحى ، وتآكل التفوق الجوى الإسرائيلى .. إن رفض وقف إطلاق النار يضع اسرائيل فى موقف أخطر وأشد صعوبة مما هو الآن"
ويختم المشير محمد على فهمى ذكرياته عن حائط الصواريخ بالقول:
فى الساعات القليلة التى سبقت تنفيذ وقف إطلاق النار مع الدقيقة الأولى من يوم 8 أغسطس تمكنت قوات الدفاع الجوى فيما يشبه المعجزة من استكمال حائط الصواريخ على الصورة النهائية له والتى كان مخططا الوصول إليها فى شهور عديدة، فقد تم إبلاغ قيادة الدفاع الجوى صباح يوم 7 أغسطس 1970 أن مصر قررت قبول وقف إطلاق النار وسيسرى الاتفاق اعتباراً من الدقيقة الأولى من يوم 8 أغسطس 1970. وينص الاتفاق على تسكين الموقف فى جبهة القتال ، أى أنه لن يُسمح بعد تنفيذ الاتفاق بإدخال مزيد من قواعد الصواريخ أو تقريب حائط الصواريخ إلى قناة السويس.
وتحول الصراع فى الساعات القليلة الباقية على بدء سريان الاتفاق من صراع مع السلاح الجوى الإسرائيلى إلى صراع مع الزمن.. وتمكن رجال الدفاع الجوى خلال هذه الساعات القليلة من تحقيق ما يشبه المعجزة، فلقد أمكنهم مضاعفة عدد القواعد المكونة لحائط الصواريخ وامتد الحائط ليغطى بظله كل منطقة القناة ويفرض سيطرته تماما عليها.. هكذا انتهت حرب الاستنزاف، وبدأت مرحلة أخرى خطيرة وحاسمة.. وهى مرحلة الإعداد لمعركة العبور".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...