قطـار التنميـة يدهـس مخططـات المتربصين ببوابة مصر الشرقية

أصبحت منطقة نابضة بالحياة

جسدت ملحمة أكتوبر 1973 نقطة التحول الحاسمة فى الصراع المصرى الإسرائيلي، حيث استعاد الجيش المصرى هيبته وكبرياءه بعد أن عبر قناة السويس وحرر الأرض المحتلة، ممهدًا الطريق أمام مفاوضات السلام، وانطلقت المساعى الدبلوماسية عقب النصر العسكرى لتُكمل ما بدأته البنادق، وأثمرت عن اتفاقيات قادت إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلى من سيناء على مراحل، حتى اكتمل الانسحاب فى 25 أبريل 1982، حين رُفع العلم المصرى خفاقًا على آخر نقطة من أرض سيناء.

ومثّل هذا اليوم تتويجًا لمسيرة كفاح طويلة، وسجل انتصارًا سياسيًا وعسكريًا للدولة المصرية، مؤكّدًا أن الحفاظ على الأرض والكرامة لا يتحقق إلا بتكامل القوة العسكرية مع الحنكة الدبلوماسية، ثم كانت أرض الفيروز مع ملحمة جديدة بداية من تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى القيادة معلنا عن إنطلاق معارك التنمية.

فى البداية أكد اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، أن الدولة المصرية نجحت فى تغيير المعادلة الأمنية فى شبه جزيرة سيناء من خلال رؤية استراتيجية شاملة تعتمد على التنمية الشاملة كوسيلة لضمان الأمن والاستقرار، مشيرًا إلى أن ما كان يخطط له الإرهابيون بتحويل سيناء إلى "ولاية إسلامية" أصبح من الماضي، بعد أن فرضت الدولة سيادتها الكاملة عبر مشروعات عملاقة غيرت وجه المنطقة.

وأوضح فرج، أنه فى السابق، كانت هناك دعوات لفصل سيناء أو استخدامها كنقطة تهديد للدولة، لكن الرؤية الحالية للدولة اعتمدت على تكثيف التنمية والربط بين شرق وغرب القناة عبر الأنفاق الجديدة، مما أعاد سيناء إلى حضن الوطن فعليًا، وليس فقط جغرافيًا مشيرًا إلى أن الأنفاق الجديدة، مثل نفق الشهيد أحمد حمدي2، ساهمت فى تجاوز عُزلة سيناء التاريخية، وأتاحت انتقال الأفراد والبضائع من الشرق للغرب والعكس خلال دقائق، بعد أن كان الأمر يستغرق ساعات وربما أيامًا، واليوم تستطيع العبور من الضفة الشرقية إلى الغربية فى 50 ثانية، وهذا التحول لم يكن ممكنًا إلا بعد إنشاء شبكة الأنفاق والطرق العملاقة، التى تعد أول أسس التنمية الحقيقية".

وأشار الخبير الاستراتيجى إلى أن الدولة أنشأت 3 مصانع للأسمنت، ومصنعًا للرخام فى منطقة الجفجافة، وبدأت فى استصلاح نصف مليون فدان، وهذا يعنى أن هناك رؤية لخلق فرص عمل وتوطين السكان فى أرض كانت مهجورة لعقود، موضحًا أن الدولة خصصت 750 مليار جنيه لتنفيذ مشروعات تنموية فى سيناء، موزعة على قطاعات متعددة تشمل الزراعة، الصناعة، الإسكان، التعليم، والمرافق، إلى جانب مشروعات خدمية أساسية مثل الطرق ومحطات المعالجة، ومن أبرز هذه المشروعات، مشروع استصلاح 400 ألف فدان ضمن خطة توصيل مياه النيل عبر ترعة السلام، منها 275 ألف فدان داخل شمال سيناء، ونفق الشهيد أحمد حمدى 2 بطول 4.25 كم وبعمق 70 مترًا، وطريق النفق – شرم الشيخ بطول 342 كم، وطريق الإسماعيلية – العوجة بطول 221 كم لربط شرق سيناء بغربها، ومحطة معالجة الصرف الصحى فى الطور بطاقة 30 ألف م³ يوميًا، وتكلفة نصف مليار جنيه.

أبرز فرج أهمية إنشاء التجمعات التنموية المتكاملة فى وسط وجنوب سيناء، والتى تشمل مناطق مثل أبو رصاصة، النثيلة، طيبة التمد، وغيرها، مشيرًا إلى أن هذه التجمعات تعمل على زرع الصحراء بالبشر، من خلال توفير مساكن وخدمات وفرص عمل حقيقية للمواطنين، مشددًا على أن التركيز لا يقتصر فقط على المدن الكبرى، بل يمتد إلى المدارس، شبكات السكك الحديدية، والموانئ الاستراتيجية على البحر المتوسط، ما يجعل سيناء مركزًا جاذبًا للاستثمار وليس فقط نقطة عبور.

فيما يخص الإسكان، أوضح اللواء سمير فرج أن الدولة تبنى حاليًا أربع مدن جديدة على رأسها مدينة رفح الجديدة، التى تضم 10 آلاف وحدة سكنية و400 بيت بدوي، ومدينة بئر العبد الجديدة، التى تشمل 16.6 ألف وحدة، مدينة سلام مصر، التى  تصنّف كعاصمة اقتصادية جديدة وتقع شرق بورسعيد، والإسماعيلية الجديدة، التى تتسع لـ314 ألف نسمة، مشيرًا أن أكثر من 81 ألف وحدة سكنية يتم إنشاؤها فى شمال ووسط سيناء، إضافة إلى آلاف المنازل البدوية التى تتناسب مع طبيعة السكان المحليين.

وشدد على أن سيناء لم تعد أرضًا خالية أو معزولة، بل أصبحت منطقة نابضة بالحياة والتنمية، وهو ما يُشكل فى حد ذاته رسالة ردع قوية لأى جهة كانت تراهن على عزلها أو استخدامها كمنطقة اضطراب.

من جانبه أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن مشروعات التنمية المصرية فى سيناء ليست مجرد خطط اقتصادية أو عمرانية، بل تمثل مشروعًا وطنيًا قوميًا له أبعاد استراتيجية شاملة، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تُقابل دومًا بتحفظات من الجانب الإسرائيلي، خاصة فى ضوء تداعيات ما بعد السابع من أكتوبر، وما تشهده المنطقة من تغيرات فى موازين القوى.وأوضح فهمى أن إسرائيل تتابع باهتمام بالغ وبقلق ملحوظ ما يحدث فى سيناء، مشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلى ما زال ينظر إلى سيناء بعين الحذر، منذ توقيع اتفاقية السلام، وحتى اليوم، خاصة مع تصاعد التوترات فى غزة، وأى توسع مصرى فى سيناء يُنظر إليه من قبل إسرائيل على أنه يتجاوز البعد التنموي، ويأخذ أبعادًا أمنية واستراتيجية، وهو ما يجعلهم متحفظين تجاه مشروعات الأنفاق، والتجمعات التنموية، والمناطق الاقتصادية الجديدة.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن المشروع القومى المصرى فى سيناء يمثل خطوة ضخمة فى اتجاه ترسيخ السيادة الوطنية على أرض لطالما كانت محل صراع، لافتًا إلى أن الربط الجغرافى والاقتصادى لسيناء ببقية الدولة المصرية، خصوصًا عبر الأنفاق تحت قناة السويس، يُعد بمثابة "ضربة وطنية كبرى" لإخراج سيناء من عزلتها التاريخية، وما يجرى حاليًا فى سيناء هو مشروع شامل، يبدأ من باطن الأرض وحتى قمم الجبال، يتضمن مشروعات فى الصناعة والزراعة والبنية التحتية والتعليم والإسكان، وهذا التوجه لا بد أن يتسارع أكثر من أى وقت مضى، خاصة ونحن نحتفل بذكرى تحرير سيناء.

وأشار فهمى إلى أن تسريع وتيرة التنمية فى سيناء فى هذا التوقيت بالذات يحمل رسالة سياسية قوية، خاصة مع تصاعد الأزمة الإقليمية فى غزة، ومحاولات فرض واقع جديد من قبل الاحتلال، مشيرًا إلى أن مصر تتحرك بثقة عبر أدواتها السيادية والتنموية لفرض وجودها المتكامل فى الشرق المصري، ولم تعد غزة وحدها هى التهديد، فإسرائيل اليوم تنظر لكل مشاريع التنمية المصرية كجزء من معادلة ردع إقليمي، والحديث الآن عن ضرورة تحصين الجبهة الشرقية لمصر لا يتم فقط بالسلاح، بل أيضًا بالتنمية وتوطين البشر.

فى سياق متصل أكد هشام النجار، الباحث المتخصص فى شؤون الحركات الإسلامية، أن المخططات الصهيونية لاستهداف سيناء ليست وليدة اللحظة، بل قديمة وموثقة، وقد تم التعامل معها على مدى عقود، سواء عبر العدوان المباشر أو من خلال وكلاء الإرهاب والتكفير من جماعات متطرفة مثل الإخوان والقاعدة وداعش، مشددًا على أن الدولة المصرية واجهت هذه المخططات بصلابة وانتزعت النصر فى كل جولة.

وأوضح النجار أن ما حدث بعد موجات الربيع العربى كشف بشكل واضح عن وجود مخططات مبيتة لتفكيك الدول وإسقاط الجيوش الوطنية، وكانت سيناء واحدة من أبرز أهداف تلك المؤامرات، مؤكدًا أن إسرائيل سعت مرارًا لاحتلال سيناء، إما عبر الغزو المباشر أو عبر زرع الجماعات الإرهابية كأدوات للنفوذ والسيطرة، وأن الحالة المصرية مثلت استثناءً فى قدرتها على التصدى لكل تلك المحاولات. فكما وقفت مصر بجيشها وشعبها فى وجه العدوان العسكرى المباشر، وقفت أيضًا فى وجه محاولات الاختراق عبر الوكلاء والخلايا الإرهابية، وانتصرت فى الحالتين.

وشدد على أن صانع القرار المصرى أدرك بوعى عميق أن المعركة مع العدو الصهيونى لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالتنمية والعمران والوجود البشرى أيضًا، مشيرًا إلى أن ما يتم فى سيناء حاليًا هو استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع العسكرى والردع التنموي، ما يمثل حائط صد وطنيًا متينًا، كما صُدم العدو بمستوى الردع العسكرى المصري، الذى طهّر سيناء من كل خلايا الخيانة والعمالة، صُدم أيضًا بسرعة الإنجاز فى التعمير والبناء والتنمية الشاملة، والتى حولت سيناء من صحراء مهجورة إلى مركز حيوى للأنشطة الاقتصادية والسياحية والعمرانية.

وأشار إلى أن إسرائيل كانت تريد سيناء فراغًا بلا حياة، بلا مشروعات، وبلا بشر، تمهيدًا لتكرار احتلالها أو استخدامها كورقة فى مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية، لكن الدولة المصرية أحبطت هذه المخططات عبر نهضة عمرانية متسارعة، تُعد من الأكبر فى تاريخ المنطقة، وما تحقق فى سيناء من أرقام ومشروعات ضخمة، هو السبب الحقيقى لانزعاج إسرائيل، فالمعادلة تغيّرت، والردع أصبح عمرانيًا كما هو عسكري."

وأوضح أن البنية التحتية الحديثة التى دشنتها الدولة فى سيناء، وخاصة أنفاق قناة السويس وخطوط السكك الحديدية، أسهمت بشكل كبير فى تسهيل حركة المعدات والآليات والمدنيين، وبالتالى تعزيز التواجد المصرى الكامل فوق كل شبر من أرض سيناء، وهو ما يشكّل ضمانة أمنية ضد أى تهديد مستقبلي، مؤكدًا على أن وجود المشروعات، ووجود البشر، هو الحصن الأول للدفاع عن سيناء ومصر والعالم العربي، وأن ما يحدث فى سيناء ليس فقط تنمية بل هو عمل وطنى مقاوم لهزيمة المخطط الصهيوني، وهدم أدواته ومراكزه، وضمان مستقبل أكثر أمانًا لمصر والمنطقة.

Katen Doe

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص